الفصل الثالث
ما وعيتش على روحي إلا لما وصلنا للمستشفى: عندي حساسية نادرة وحادة من الكحول.
عادة، البوس ما يسببها، بس أنا عندي حساسية قوية، وحتى ملامسة الجلد للكحول ممكن تعمل رد فعل.
الطبيب سألني كم شربت. احمر وجهي وتأتأت.
"ش-شوية رشفة؟" رديت.
آذان ناثان صارت حمرا كمان وهو ينحني عشان يعطيني موية.
"ماراح أشرب مرة ثانية،" تنهد بعد ما طلع الدكتور.
"بس انت ما عندك حساسية،" قلت بضحكة.
"بس أبغا أبوسك في أي وقت، في أي مكان،" قال ناثان بكل بساطة. "الشرب بس يخليني أبغا أبوسك أكثر."
بس الحين، ما في أحد يحميني من الكحول.
لما رفعت البيرة على شفايفي، طالعت في ريان، اللي عيونه زي عيون ناثان.
ابتسمت له وفكرت في سري، ناثان، اشتقت لك كثير.
بينما كنت أشرب البيرة، رفعت يدي لفوق، وأخفيت الدموع اللي كانت تنزل على وجهي.
لما ريان حملني للسيارة، كان وعيي خلاص مو صافي.
حلقي كان منتفخ لدرجة إني ما قدرت اطلع صوت.
ما قدرت ما أضحك لما تذكرت كيف زعل في الغرفة الخاصة قبل شوي.
بعد ثلاث كاسات من الشراب، حسيت إني مرة مو مرتاحة.
تكوّرت في زاوية الكنبة.
ريان تذكرني ونادى اسمي، بس ما تحركت.
مشى لعندي، انحنى عشان يلمس شعري ويشوف وجهي.
"اللعنة. عندك حساسية من الكحول؟" سأل ريان، وهو يساعدني أقوم.
كنت في ألم مرة كبير لدرجة إني ما قدرت أتكلم.
أصحاب ريان تجمعوا حوالينا. "اطلعوا برا،" أمر ريان بصوت واطي، مليان غضب وشراسة.
ريان شالني ومشى بسرعة برا.
بس ريان، انت اللي خليتني أشرب.
وكمان بسببك انتهى بي الأمر كذا. ريان نزل راسه وركب في كرسي السواق، بينما أنا كنت أحاول أقوم.
"انت... انت شربت... لا تسوق..." صوتي كان مبحوح وكنت ألهث بقوة.
"مو مهم،" قال بدون ما يهتم لكلامي، وركب السيارة.
أصحاب ريان كمان طلعوا وبدأوا يلحقوه.
واحد من أصحابه وقف قدام السيارة وطق على الشباك، يطلب منه يطلع.
"اطلع من الطريق،" رد ريان ببرود.
كنت أحس إن فيه شي مو طبيعي فيه.
شغل المحرك بأعلى صوت. الصوت كان يصمّ الأذان.
"إذا ما تحركت،" قال وهو يبتسم بسخرية وعيونه حمرا، "راح أدعمك بعد."
"ريان، لا تتهبل. وعدت أمك... سويت كذا المرة اللي فاتت كمان..." تعبير وجه صاحبه صار جدي.
طالع فيني وسكت.
"أحس إني مرة مريضة... خلّي أحد ثاني يسوق..." ترجيت، غمضت عيوني، وسحبت أكمامه بضعف.
أخيرًا، ريان تنازل.
"بس مدام جونسون تعرف كيف تتعامل مع ريان،" قال صاحبه وهو يسوق السيارة.
حركت شفايفي شوية عشان أبين ردي.
دفنت وجهي أعمق.
وجه ريان كمان هدأ شوية.
في الطريق للمستشفى، يمكن الطريق ما كان مرة ثابت. السيارة كانت تنط شوية.
كنت خلاص أحس إني مو مرتاحة، والنط خلاني أحس بغثيان أكثر.
فجأة، ريان سحبني ووطاني، ورأسي مثبت على رجوله.
"انسدحي، لا تتحركي،" قال.
حاولت أفتح عيوني اللي كانت منتفخة مرة عشان أشوف تعبير وجهه. بس هو غطى جفوني براحة يده. راحته كانت باردة مرة، والانتفاخ في عيوني خف شوية.
"إذا تمايلتي مرة ثانية،" لعن قدام، "راح أنزلك برا."
ما أدري إذا كانت صدفة، بس التقينا بنفس الدكتور حق المرة اللي فاتت لما وصلنا المستشفى. الدكتور حتى عرفني وكان زعلان شوية.
"يا بنت، ما تقدري قيمة حياتك؟ تعرفي إن أعراض حساسية الكحول عندك خطيرة؟ تعرفي إن لو جيتي متأخرة شوية، كنتي راح تحتاجي إنقاذ؟ حذرتك وحذرتي حبيبك المرة اللي فاتت، شباب اليوم..." قال الدكتور.
نزلت راسي وما قلت ولا كلمة. المحلول كان ينزل بسرعة مرة، وعروقي كانت باردة وموجعة.
الدكتور وبخني وبعدين وبخ ريان.
كنت بأتكلم لما شفتي ريان واقف هناك ويدينه في جيوبه، يتقبل التوبيخ بطاعة. حسيت بشوية ذهول.
ريان، ولد عائلة غنية مدلل من الصغر، وطورت فيه شخصية سيئة بسبب كذا. ما في أحد تجرأ يتكلم معاه بقسوة.
حتى كان يجنّن أحيانًا، يتصرف كأنه مو مهتم بأحبائه.
بس الحين، حاجبيه كانت متجعدة بشوية ضجر أقل على وجهه. كان يستمع بانتباه لتعليمات وتفسيرات الدكتور.
يمكن كان يحس بالذنب؟
هذا السلوك الهادي خلاه يشبه ناثان أكثر.
يا ناثان حقي.
في كل الأوقات، عيونه كانت براقة ودافية.
عيونه كانت منحنية شوية. شعره كان فاتح ولونه بني في ضوء الشمس.
شعره كان منفوش ودافي، وله قصة مرفوعة، زي شعر الكلب الذهبي.
قلت لريان يرجع أول عشان لازم أتنوم.
اتكأ على الشباك. ضوء القمر الهادي كأنه غسل ضجره. نزل راسه ومسك سيجارة في فمه. توقف لما كان بيولعها.
"تنومتي قبل كذا بسبب حساسية الكحول؟" سأل ريان.
هزيت راسي.
المصباح اللي جنب السرير في الغرفة كان خافت، وعيوني لسا منتفخة شوية، فما قدرت أشوف تعبير وجهه بوضوح.
"يعني، حاولتِ تنتحري اليوم، أو تبغيني أحس بالذنب؟" سأل ريان بضحكة.
"لا،" هزيت راسي ونفيت، "بس ما كنت أبغاك تكون مو سعيد في عيد ميلادك. وحدة من صديقاتي قالت لي زمان إن كل أمنية تتمناها لازم تتحقق في عيد ميلادك. وإلا، السنة الجديدة ما راح تكون سلسة لك."
قبل ثلاث سنوات، ناثان طلب مني أتمنى خمس أمنيات في عيد ميلادي. سألته إذا كان عندي أمنيات كثيرة، وقال لا، أبدًا. قال عشر أمنيات مو كفاية.
طلبت منه يتزوجني.
"كلير، مو عيد ميلادي اليوم. لا تكوني كريمة عليّ كثير،" قال ناثان.
"ها."
"خرافية،" سخر ريان، وهو يتكئ على الشباك عشان يستمتع بالهواء.
"شارلوت، لا تسوي كذا مرة ثانية،" استمر يقول. "بس قولي عندك حساسية من الكحول. أنا مو كذا."
قلت اوكي.
بس، ريان، انت كذا.
ريان جلس شوية قبل ما يقرر يمشي.
بالتأكيد ما فكرت إن الاعتماد على التنوم بسبب حساسية الكحول ممكن يحرك لاعب زي هذا بشكل كامل.
بعد ما ريان طلع من غرفة المستشفى. جلست ومديت يدي عشان أشيل الإبرة من يدي. ألم حاد انتشر من يدي، والإبرة متدلية ومعاها شوية قطرات دم تتطاير. بس كان عندي إحساس بالأذية الذاتية. هذا الألم ذكرني بمين كنت وين كنت.
لما كنت مريضة وتنوّمت قبل كذا، ناثان جلس على الكرسي اللي جنب سريري وكان ممكن يجلس طول الليل.
أحيانًا، لمس جبهتي، ولما أتقلّب، غطاني بالبطانية.
ما كنت أصلاً إنسانة تدلّع كثير، بس بسبب ناثان، صرت أحب التدليل زيادة.
كنت في العشرينات خلاص، بس صرت حساسة زيادة لدرجة إني حتى ما أبغا أفك أغطية القوارير، ما أشرب شاي الفقاعات إذا كان مرة بارد، ورافضة أشيل شنطتي.
لما تنوّمت عشان التهاب المعدة هذيك المرة، أعطوني سوائل وريدية لثلاثة أيام ويدي انتفخت من المحلول. الحقنة في الوريد كانت موجعة كمان.
كان شتا، فـ ناثان استعار كيس محلول وملأه بموية دافية من برا. وبعدين لفّه في تي شيرت وحطّه بلطف على ظهر يدي.
قلت إنه زي أمي العجوز.
"ما ممكن أكون 'أمك العجوز' لبقية حياتك؟ مو المفروض الزوج يتزوج زوجته ويدلّعها في البيت؟" قال ناثان مبتسم، وهو يربت على ذراعي عشان يخفف الألم اللي سببه الدواء. بديت أضحك مرة ثانية.
وأنا أضحك، بدأت الدموع تنزل، وخلتني أبدو شوية مجنونة.
فراشة طارت بطريقة ما لغرفة المستشفى وكانت ترفرف حوالين الضوء.
"لا تبكي،" صوت رجل ناعم ظهر من ورا.
كان ريان، ماسك صندوق أكل وشنطة، وفيه ريحة سجاير.
حط الأشياء وشاف الدم على يدي.
على طول، ضغط على زر الممرضة.
الممرضة طلعت بعد ما صلحتني.
ريان جلس على الكنبة اللي جنبي، يبتسم بسخرية.
"زعلتي أول ما مشيت؟" سأل.
انسحبت للورى في البطانية وما قلت شي.
"زعلانة لأني ما جلست معاك؟" سأل مرة ثانية وأشار على صندوق الأكل. "رحت أجيب لك عصيدة، تبغي تاكلي منها الحين؟ دافية."
"ليش رجعت مرة ثانية؟" سألت بصوت مكتوم وحلقي يوجع.
ريان سكت شوية.
"إذا مشيت وإنتي تنومتي بسببي، مو هذا عدم إنسانية؟" قال.
بس لسبب ما اليوم، ما كنت أبغاه يكون معاي أبدًا.
"صديقتك الجديدة اليوم راح تزعل،" قلت.
"قلتي كذا عن قصد، صح؟" سأل ريان بنفاذ صبر.
سكت.
ريان طفى النور.
سمعت صوت الكنبة وهي تصدر صوت، وانسدح عليها بملابسه. كان أفضل وضع له أنه يواجه الداخل ويخلي ظهره للخارج. لأنه كان يبدو تقريبًا زي ناثان من الخلف.
طالعت في ريان شوية وبعدين نعست.
كانت عندي ليلة نوم مرة مو مرتاحة، مع كل أنواع المضايقات على جسمي. أتقلّب يمين وشمال، نص نايمة ونص صاحية، حسيت إن فيه أحد يلمس جبهتي. مسكتها وتوقف الكابوس. مسكت هذه اليد بقوة، ضغطتها على خدي.
بدا إنني سقطت دموع مرة ثانية، والوسادة كانت رطبة.
اليوم الثاني، صحيت ووعيت إنني كنت ماسكة يد ريان وأنا نايمة. شكله كانت عنده ليلة صعبة كمان، يتكي على الكرسي ويغفى مرات ومرات.
ضحكت، وريان صحي بفجأة. تنهد وفرك رقبته، واضح إن مو مرتاح. تفاجأت إن ريان، الشاب الغني، يتنازل لدرجة كبيرة عشان مريضة زيي.
"قلت لك ارجع،" همزت.
"إذا ما كانت بسبب ركلك وبكائك طول الليل، كنت راح أجلس؟" رد ريان.
هل نمت كذا مضطربة الليلة اللي فاتت؟
في الحقيقة، كانت فيه أوقات كنت فيها مضطربة أكثر. في الفترة اللي بعد وفاة ناثان مباشرة، عانيت من حلقات نوم المشي. غالبًا رحت للسطح في نص الليل وجلست هناك. حراس الأمن أمسكوا بي مرات ومرات، بس لسبب ما، ما عمري قفزت من المبنى.
في أحلامي، ناثان مسك ذراعي ومنعني من القفز. قال إني ما راح يسامحني في حياته الجاية إذا تجرأت أقوم بالقفز. هذيك كانت أول مرة أشوفه فيها زعلان مني، حتى لو كان بس في أحلامي. عيونه كانت مليانة حزن وغضب ما ينكسر.
"ريان،" فجأة سألته، "إيش راح تسوي إذا في يوم من الأيام اختفيت تمامًا من حياتك؟"
"إيش ممكن أسوي؟" رد ريان بسؤال بدل، وهو يغمض عيونه ويتبسم. "أجيب وحدة جديدة، طبعًا،" بعدين طلع علبة علكة من جيبه، حطها في فمه، وعبّى خدوده.
لسّا كذا.
رفعت البطانية وجلست، وأخذت كل المفاتيح وبطاقات الدخول من ملابسي وحطيتها على الطاولة. دفعتها تجاهه.
"خلّينا ننفصل، ريان. أنا شوية تعبت،" قلت.
وقفت، لبست جزمتي وأخذت معطفي. "ريان، بالغْت في تقدير نفسي،" قلت بهدوء.
لما طلعت من غرفة المستشفى بدون ما أطالع ورا، سمعت خطوات ريان، بس كنت أمشي بسرعة كمان.
ركضت بسرعة لدرج السلم واختفيت ورا الباب في الزاوية.
شفتي ريان يركض بسرعة، أكيد كان يلحقني.
أخيرًا، أخذ الخطوة الأولى بالوقوع في فخي.
كل الإهانات اللي عانيت منها وأنا أمثل إني معاه في الفترة هذه ما كانت مهمة بعدين. كنت أبغاه يطيح في الجحيم معاي.
في ليلة رأس السنة قبل ثلاث سنوات، ناثان ساقني لبيته عشان نحتفل برأس السنة.
تأخرنا بسبب الشغل وبعض الأمور التافهة وطلعنا متأخرين مرة.
ما كان فيه تقريبًا سيارات في الطريق في ذاك الوقت.
حسيت بنعاس وغفيت في كرسي الراكب.
ناثان مد يده وخفف صوت الموسيقى.
"كلير لا تنامي عميق، وصلنا خلاص،" قال بصوت واطي ومريح.
تمتمت شوية أصوات كرد.
"أمي سمعت إنك تحبي تاكلي سرطان البحر، عشان كذا اشترت لك خمسة كيلو من سرطان البحر الكبير..." قال بضحكة.
قبل ما يكمل جملته، فجأة لف المقود.
حسيت إني بلا وزن، والسيارة تقلبت مرات ومرات.
السيارة اللي سببت الحادث كانت مازيراتي صفرا.
سيارتنا انقلبت. ناثان وأنا كنا معلقين في كراسينا.
الدم تدفق من فكي السفلي، وغيّش رؤيتي.
بس شفتي بوضوح، بدون شك، الشاب اللي طلع من كرسي السواق.
مشى بخطوات غير ثابتة. واضح إنه كان شارب كثير.
بعد ما شاف إيش صار، تعثّر تجاه سيارتنا.
حتى اقترب من السيارة وانحنى عشان يشيك جوا.
في الفوضى، كان على وشك يفتح باب سيارتنا.
بس صوت امرأة أوقفه.
وشخص سحبه من ذراعه.
بس حتى بنظرة سريعة، شفتي شكله بوضوح.
فقدت وعيي بسرعة، بينما ناثان تركني للأبد في حادث السيارة هذا، بدون حتى ما يكون عنده فرصة يقول وداعًا.
ما قدرت أتذكر كيف عديت هذيك الأيام. سهرت طول الليل، ماسكة جوالي وأقرأ سجلات الدردشة بين ناثان وأنا قبل الحادث.
لما عرفت عن نتيجة تحقيق الحادث، انهارت أكثر.
السائق اللي هرب قدر يحط اللوم على شخص ثاني. كاميرات المراقبة في ذاك الطريق تعطلت بالصدفة ذيك الليلة، فما كان فيه أي لقطات من وقت الحادث. كبش الفدا تم الحكم عليه بالسجن بسرعة، وشهادتي ما تم قبولها. الشخص اللي أشرت عليه كان عنده دليل على إنه ما كان في مكان الحادث.
ناشدت في كل مكان، بس في النهاية، ما كان فيه أي نتيجة. في يوم من الأيام، حتى أصدقائي اللي حواليني جاوا عشان يقنعوني.
"كلير، يمكن هذا كل شي... اللي اتهمتي به هو مجموعة جونسون، بس عندهم علاقات في كل مكان في المدينة،" قالت صديقتي، وهي تسلمني جريدة. "غير كذا، هذا الغني من عايلتهم تورط في حوادث هرب أكثر من مرة."
بدأت أبحث عن ريان في السر.
بعد هذا الحادث، سافر للخارج لمدة سنتين، وتبعته ورا البحار.
البنت اللي كان يحبها اسمها غريس.
بدأت أجمع معلومات عنها.
بعدين، سمعت إنه كان يبحث عن بنات يشبهوا غريس عشان يواعدهم.
لما دخلت عيادة الجراحة التجميلية، كنت أفكر أرجع في كلامي.
حتى بعد العملية، كدت أتخلى عن خطة الانتقام حقتي.
بس كل ما رحت البيت، ما قدرت ما أفكر في ناثان.
تذكرت الأشياء اللي قالها لي. كل شي كان واضح في بالي.
ناثان راح.
والمجرم الحقيقي ما حصل على أي عقاب.