الفصل 4
في ميتم أستها:
المرة دي، هريذهان كان بيسوق عربيته بنفسه، من غير سواق ولا حرس وراه. ركن عربيته عند مدخل الميتم وشاف مبنى صغير دورين، لونه أبيض وأزرق. على طول ابتسم ابتسامة كبيرة وهو بيقرأ اللوحة اللي مكتوب عليها "ميتم أستا للبنات".
هريذهان قفل زراير بدلته ودخل من البوابة الكبيرة للميتم. أول ما دخل، حس براحة عمره ما حسها قبل كده. هريذهان عمره ما زار أي ميتم في حياته. صحيح أمه على طول بتتصدق باسم عيلة ميهرا، بس هو شخصيًا عمره ما دخل ميتم. بس النهارده عمل كده عشان بنت واحدة، واللي هتحكم قلبه من دلوقتي.
الميتم كان بيت صغير دورين، فيه سبع أوض في كل دور. كان فيه جنينة صغيرة جنب البوابة الرئيسية، والبنات اليتامى الصغيرين بيلعبوا فيها بفرحة. بص حواليه عشان يدور على الشخص اللي جه عشانه الميتم ده، بس مالقاهاش في أي مكان.
بعدين راح لجوه أكتر، وشاف بنت صغيرة عندها سبع سنين تقريبًا، جاية ناحيته.
قعد على ركبه وسأل البنت الصغيرة: "هاي يا حلوة. إسمك إيه؟"
"ليه؟ أفي ديدي قالتلي ما أتكلمش مع الغرباء!" قالت البنت الصغيرة وهي مكشرة في الغريب اللي قدامها.
"أوك. بس ممكن تقوليلي على الأقل فين صاحبة الميتم؟" سأل هريذهان وهو مبتسم، والبنت بصت له بشك دقيقة.
"أنت عايز تتبر- تتبر-" البنت الصغيرة حاولت تنطق الكلمة، بس ما قدرتش تفتكرها، فـ هريذهان ابتسم قبل ما يكمل جملتها: "تقصدي تتبرع؟"
"يش!!" قالت البنت بابتسامة عريضة، واللي جابت ابتسامة على وش هريذهان كمان، وقال: "أيوة، أنا هنا عشان أتتبرع. طيب دلوقتي ممكن تقوليلي فين ألاقي صاحبة الميتم؟"
البنت هزت راسها بحماس وقالت وهي بتشاور على الأوضة اللي في آخر الممر: "الست جوه الكابينة."
هريذهان ابتسم على لطافتها، وبعدين شالها زي البيبي الصغير، واتجه ناحية الكابينة، وهو بيسأل البنت: "دلوقتي إحنا أصحاب، صح؟ طيب دلوقتي ممكن تقوليلي إسمك؟"
البنت ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت: "موشكان"، فـ هريذهان قال على طول: "واو!! إسم جميل أوي. موشكان – يعني ابتسامة."
"على فكرة، في هنا أفيا؟" سأل هريذهان وهو بيعض على شفايفه، والبنت كشرت عليه بلطف قبل ما تقول: "يش، أفو ديدي عايشة هنا بس."
"أوه-ك. طيب هي فين دلوقتي؟" سأل هريذهان تاني، والبنت الصغيرة كشرت عليه تاني قبل ما تسأل: "ليه؟ عايز تشوف أفو ديدي؟"
في نفس الوقت، وصلوا لكابينة صاحبة الميتم، وخلّى هريذهان البنت الصغيرة تنزل على رجليها وشكرها، وهي في المقابل باست خده الشمال، وجريت من هناك، وده خلاه يبتسم ابتسامة عريضة.
هريذهان لف وراه وخبط على الباب بلطف، وأول ما أخذ رد، دخل وشاف ست في الخمسينات، قاعدة على كرسي رئيسي ومعاها شوية ملفات متبعترة على الترابيزة اللي قدامها.
دخل الأوضة وقعد على الكرسي اللي قصاد الست، وسلم عليها بشكل رسمي.
"هاي، أنا ميشيل كريستيان. إزاي ممكن أساعدك يا سيدي؟" سألت الست بأدب، وهريذهان كمان هدى من هيبته ورد بأدب: "هاي، أنا هريذهان ميهرا."
"مين ما يعرفكش يا سيدي. أنت شخصية مشهورة أوي في عالم المزيكا والأعمال." ردت الست بابتسامة صادقة.
"ده شرف ليا. طيب، مش هلف وأدور، بس أنا هنا عشان-" قبل ما يكمل جملته، قاطعهم خبط على الباب.
هريذهان لف وشه بالصدفة، ودخلت البنت اللي سرقت قلبه من أول نظرة.
أفيا دخلت الكابينة بعد ما خبطت، وده الوقت اللي لاحظها فيه هريذهان من قريب أوي لأول مرة، ولازم يعترف إنها أجمل بنت عدت عليه في حياته.
عيونها اللي شكلها زي الغزلان، مناخيرها المحددة، خدودها المليانة بشفايفها المنفوخة، قصر قامتها، وأهم حاجة براءة وشها، كل ده خلى قلبه يمتلئ بمشاعر وأحاسيس غريبة. بس فوق كل ده، حس كمان بخوف وحزن مش معروف على وشها، أو بالأحرى في عيونها، وده خلى قلبه يتقبض في عقدة ضيقة بتوجعه.
"أيوة يا حبيبتي، إيه اللي حصل؟" سألت ميشيل، وده اللي قطع سرحان هريذهان، اللي كان لسه بيحاول يطبع كل ملامح أفيا في عقله وقلبه.
"البنات اتغدوا يا أمي. تحبي تاكلي دلوقتي ولا أجمدلك؟" سألت أفيا، طول الوقت بتبص على الأرض، ولا مرة بصت للضيف اللي مش معروف في الميتم بتاعهم.
"أنا مشغولة شوية يا بنتي. ممكن تتغدي وبعدين تجمديه. على فكرة، دي هريذهان ميهرا. هو رجل أعمال كبير وكمان مغني عظيم." قالت ميشيل الجزء الأخير وهي بتشاور على هريذهان، واللي على طول فرد ظهره عشان يكون شكله مقبول.
أفيا رفعت رموشها لدقيقة أو دقيقتين، بس بعدين بدأت تاني تتأمل الأرض، وده خلى هريذهان يخيب أمله.
"أنا رايحة الجنينة عشان أرافق البنات. هستأذن يا أمي." قالت أفيا وخرجت من الكابينة من غير ما تبص على هريذهان.
بعد ما أفيا طلعت من الكابينة، هريذهان لف عشان يبص لميشيل وسألها: "مين دي؟"
ميشيل كشرت، بس بعدين استوعبت هو بيسأل عن إيه، فردت بابتسامة صغيرة: "أوه هي أفيا. هي كمان بتعيش هنا مع الأطفال البنات وبتساعدني في الاعتناء بيهم. هي روح نقية أوي بس مجروحة أوي. أوه، أنا آسفة، بس اندمجت. على أي حال، طيب إزاي ممكن أساعدك؟"
هريذهان عدل نفسه ورجع لهيبته وقال: "شوفي يا أمي، مش هلف وأدور. الحقيقة أنا هنا عشان أفيا بس."
ميشيل كشرت وسألت: "ما فهمتش يا بنتي." فـ هريذهان رد على طول: "الحقيقة، الصبح امبارح شفتيها على طريق إم جي وهي بتوزع بالونات على البنات الصغيرين، وده اللي خلاني أحبها."
ميشيل بصت له وهي فاتحة عينها، وهريذهان كمل: "أنا عارف إنك أكيد بتفكري إزاي ممكن أحب بنت في دقايق بس، وأنا حتى ما أعرفش عنها أي حاجة. بس صدقيني، أنا مش عارف ليه، بس حسيت بحزن في ابتسامتها لما شفتيها امبارح، ومن ساعتها قلبي بيوجعني. شوفي، أنا متأكد إني بحبها، فـ من فضلك ممكن أقابلها مرة واحدة؟"
ميشيل أول حاجة اتصدمت لما سمعت كل ده من هريذهان، بس بعدين لقت صدق تام في كلامه، وده اللي أجبرها تصدقه.
"صحيح إني مش بصدق إن الحب بيحصل في لحظة كده، بس أنا حاسة بصدق كلامك يا بنتي. ممكن أسمحلك تقابلها لو عايز، بس مش متأكدة لو هي عايزة تقابلك. هي ما بتقابلش أي حد، ونادرًا ما بتتكلم مع أي غريب إلا أنا والبنات هنا. لو لاحظت دلوقتي، هي حتى ما سلمتش عليك لما عرفتك عليها، وده دليل إنها ممكن ما تحبش تقابلك يا بنتي." قالت ميشيل بأمانة، وده خلى هريذهان يكشر.
"بس ليه؟ يعني في حاجة غلط فيها؟" سأل هريذهان بصدق، فـ ميشيل تنهدت بحزن وقالت: "هي روح مليانة براءة ونقاء، بس هنا العالم القاسي استخدم البراءة والنقاء بتوعها لمنفعته، وده اللي خلاها تبقى روح مجروحة. هي عانت كتير في السن الصغير ده، وده اللي خلاها بلا حياة، لدرجة إنها دلوقتي بتخاف حتى تبص لأي شخص بثبات، فما بالك بالكلام."
"أممم- ممكن أعرف إيه اللي حصل بالظبط معاها، لدرجة إنها دلوقتي كده؟" سأل هريذهان وهو بيحاول يعرف أكتر عن أفيا.
"أنا آسفة يا بنتي، بس ده مش من حقي إني أفتح مشاكل شخصية لأي حد. هي اللي ليها الحق إنها تشارك كل حاجة حصلت معاها." قالت ميشيل ووشها حزين، وهريذهان هز راسه بتفهم.
"أنا فاهمة يا أمي، بس برضه حابب أقابلها مرة واحدة بس لو تسمح. عايز أعرف ألمها وأشيل أثره من قلبها وروحها. من فضلك، عايز آخد كل حزنها وأملى حياتها بالسعادة. هي أول شخص أثر فيا بالشكل ده، وعايز أشوفها سعيدة، يمكن أكون أنا كمان سعيد شوية." طلب هريذهان بصدق، والأم اتأثرت بصدق بكلماته.
"طيب، لو هي سمحتلك تدخل في مساحتها الشخصية، يبقى أنا أسعد شخصة على الأرض دي. ممكن أقول من كلامك قد إيه أنت بتهتم بيها، وعشان كده أنا كمان بتمنى إنك تقابلها وتأخد ألمها كله بسهولة. بس خليني أحذرك إن ده مش هيكون سهل أبدًا يا بنتي، عشان أخدت سنة كاملة عشان أكسب ثقتها، مع إنني ما كسبتش حتى نصها لغاية دلوقتي. فـ من فضلك خليك حذر معاها. هي هشة أوي لدرجة إنها تتجرح تاني، يا بنتي." حذرته ميشيل، فـ هريذهان ابتسم وهو بيطمنها وقال: "ما تقلقيش يا أمي، أنا هبقى نور لظلامها."
"دلوقتي، يمكن تكون في الجنينة مع البنات. ممكن تقابلها هناك، ولو احتاجت أي مساعدة تانية مني، ما تتردديش." بلغته ميشيل.
"متشكرة أوي. على فكرة، دي هدية بسيطة للحب للبنات الصغيرين هنا. عايز أتتبرع عشان ابتسامتهم." قال هريذهان وهو بيمد شيك بخمسة آلاف روبية.
ميشيل أخدت الشيك وهي بتضحك، وبعد ما ملأت الإجراءات اللازمة، رافقته للجنينة شخصيًا، وأفيا كانت قاعدة على بنش خشب بتبص على البنات الصغيرين وهما بيلعبوا جنبها. كانت بتبتسم بهدوء وهي بتبص على البنات، وده جاب ابتسامة كبيرة على وش هريذهان كمان.
هريذهان مشي ناحية أفيا بابتسامة صغيرة على وشه، وترك وراه ميشيل بتضحك.
"يا يسوع، شكرًا إنك بعت ملاك لحياة أفيا. دلوقتي، ممكن بس أطلب منك إنك تديها كل السعادة اللي تستحقها. أتمنى السيد هريذهان يقدر يعمل مكان صغير في حياتها اللي متلخبطة وينور حياتها المظلمة بضيائه." صلت ميشيل بصمت وهي بضم إيديها في الدعاء.