الفصل 5
راح هردان لعافية وجلس جنبها، نبهها، بس ما رفعت راسها فيه.
"يا جماعة!"، حاول هردان بتوتر يبدأ الكلام، بس كل اللي اخذه كان بس سكوت من جنبها.
كان مرتبك كيف يخليها تكلمه، بس حاول مرة ثانية، "اممم، يعني، انتي بس قاعدة هنا؟"
اللعنة-- ليش قاعد اتوتر عشان اتكلم معاها. كيف اخليها تكلمني، يا رب ارجوك ساعدني!~ فكر هردان وهو يعض على شفايفه بتوتر.
بس مرة ثانية كل اللي اخذه كان سكوت، اللي خلاه يقلق شوي وقال بعبوس، "على الأقل قولي شي، لو سمحتي!"
بعد دقيقة شاف عافية تقوم وبتلف عشان ترجع لدار الأيتام. بس قبل ما تقدر تاخذ حتى خطوة لقدام، هردان مسك معصمها بسرعة، و خلا عيونها تتسع بصدمة.
بدأت عافية تتلوى عشان تفلت من مسكته، وهذا خلا هردان يدرك فعله المفاجئ، وترك معصمها فوراً، بس تقدم قدامها وقال، "أنا آسف جداً، ما كنت أقصد أمسكك كذا أو أخليكي تحسين بعدم الراحة. بس كنتي بتمشي، وعشان أوقفك مسكت ايدك. أتمنى ما تكوني فهمتيني غلط، صح؟"
وأول مرة رفعت عافية وجهها وطالعت في عيونه، وشافت بعض المشاعر الدافية. بس مرة ثانية بعد كم ثانية صرفت نظرها على الأرض، اللي خلا هردان يبتسم بحزن.
"ممكن نصير أصدقاء؟"، سأل هردان بعد دقيقة ومد ايديه ناحيتها عشان تقبل صداقته.
طالعت عافية في وجهه المبتسم، بعدين في ايده الممدودة، ومرة ثانية في وجهه. بينما هردان بابتسامة كبيرة على وجهه، كان ينتظرها تقبل ايده، وتأخذ خطوة لقدام لصداقتهم. بس انصدم لما شافها بتركض جوا دار الأيتام، تاركته هناك في حيرة.
"ايش صار فيها؟ سويت شي غلط؟ بس سألت عن صداقة. ليش هربت مني كذا؟ ايش هو يا عافية اللي كسرلك كذا بشدة!؟ ايش هو اللي قاعد يمنعك تختلطين مع غيرك!؟ بس لا تقلقي، الحين أنا موجود لك. حتى لو ما أعرف ايش صار في ماضيك، بس متأكد أن مستقبلك راح يكون جميل جداً. الحين بمشي بس راح أشوفك قريباً يا عزيزتي."، فكر هردان وهو يطالع في المدخل اللي هربت منه عافية لجوا.
في قصر ميهرا:
دخل هردان، واستقبلته ميهيكا بابتسامة عالية، لأنها كانت تنتظره بحماس بس. لما شافته جاي ناحيتها، قامت ميهيكا فوراً وقالت، "هردو، جيت! نيشانت كلمني وقال لي أنك رحت للمكان اللي هي ساكنه فيه. قابلتها؟ ايش اسمها؟ كيف هي؟ كيف شكلها؟ وايش قالت؟ يا إلهي، حتى ما شفتي صورتها كمان. وقول لي شي واحد--"، استمرت ميهيكا بالكلام بدون ما تخلي هردان يقول شي، اللي خلاه يبتسم لحماس أمه.
"يا إلهي، اهدي يا أمي. على الأقل خليني أتكلم. بس قبل كذا خليني أغير ملابسي الكاجوال، وبعدها راح أعطي إجابات على كل أسئلتك، أوكي يا أمي الفضولية؟"، قال هردان وهو يضغط على خدودها بمرح، وأخذ صفعة على ايده كجواب.
"أوكي، روح بسرعة وغير، وفي نفس الوقت راح أجيبلك قهوتك. الحين روح وتعال بسرعة، وبعدين قولي كل شي بالتفصيل."، دفعت ميهيكا بخفة، بينما هردان هز راسه على أمه الدرامية بس المحبة.
بعد ما غير ملابسه الكاجوال، نزل وقعد جنب أمه. جلس على الأريكة جنب ميهيكا، وهي ناولته فنجان قهوته وانتظرته يبدأ يسرد.
"لا تطالعيني كذا يا أمي كأنك راح تاكليني ني."، علق هردان بمرح لما حس بنظرات أمه المستمرة، بينما هي صفعته على مؤخرة راسه.
"الحين قولي ايش صار هناك؟ قابلتها؟"، سألت ميهيكا وهي تفقد صبرها عشان تعرف عن حب ابنها.
حط هردان فنجان قهوته على الطاولة بالنص وتنهد قبل ما يقول، "أيوه رحت أقابلها وقابلتها كمان، بس--"
دخل هردان في استرجاع للحادثة اللي صارت قريباً مع عافية في الحديقة وكيف هربت. بعدين التفت لميهيكا وسرد كل شي صار في دار الأيتام.
"يعني ما قالت شي؟ حرفياً ولا كلمة!؟"، سألت ميهيكا وهي تعبس بينما هردان أومأ بحزن قبل ما يقول، "لا يا أمي، حتى ما نطقت كلمة واحدة. ما أعرف ايش صار في ماضيها عشان كذا مع غيرها.
"ليش ما سألت صاحبة دار الأيتام؟"، سألت ميهيكا ورد هردان، "أمي سألتها، بس قالت ما تقدر تكشف مشاكل أحد الشخصية لأي أحد بدون موافقتها، وأعتقد أنها صح تماماً في مكانها."
"بس كيف راح تتكلم معاها، وكيف راح تقولها عن قلبك يا ولدي؟"، سألت بقلق.
"لا تقلقي يا أمي، راح أحاول بشتى الطرق أعرف عنها، بس أعتقد راح يأخذ وقت. الأم ميشيل قالت كمان أن عافية ما تقدر تثق في أي أحد بسهولة. ممكن هذا ليش ما تثق فيني كمان، بس لا تقلقي، اليوم أو بكرة بالتأكيد راح أخليها تتكلم معي."، طمأن هردان أمه بحب وهو يمسك بيد ميهيكا.
"بس متى راح تحاول؟ شوف، أنا ما أقول أن البنت اللي تحبها غلط لك، بس الحين عمرك ستة وعشرين، وخلال شهرين راح تصير سبعة وعشرين سنة. لازم تستقر بحياتك كمان."، قالت ميهيكا وهي قلقة على زواج ابنها.
"أنا فاهمة يا أمي أنك قلقانة على زواجي. بس الحين لما بديت أحب عافية، ما أعتقد أني راح أقدر أعطي مكانها لأي بنت ثانية."، قال هردان بصدق لدرجة أن ميهيكا اضطرت تصدق كلامه.
"تمام، مثل ما تتمنى! بس فكر في حياتك كمان. في نهاية اليوم، هذي الأعمال، هذي الشهرة، كل شي راح يكون ما له قيمة إذا ما كان في أحد جنبك. أنت قاعد تكسب كثير، بس ايش راح تسوي بكل هالفلوس والشهرة إذا ما كان عندك أحد تصرفها معاه. أنت فاهم ايش قاعدة أقول، صح؟"، قالت ميهيكا وهي تطبطب على وجه هردان اللي أومأ بتفهم.
"لا تقلقي يا أمي، قلبي يقول أن عافية قريباً راح تكلمني. وأنتِ اللي بتقولي أن القلب عمره ما يكون غلط، صح؟"، سأل هردان بابتسامة ساحرة، واللي ميهيكا أومأت له، وقالت، "همم. لا تقلق، راح تكلمك بالتأكيد."
بعد كذا، استأذن هردان، وراح لغرفة دراسته لأنه كان لازم يحضر اجتماع مهم.
"يا إلهي، ابني عمره ما شاف عينيه على أي بنت. بس اليوم هو أخيراً في حب بنت. أرجوك باركه بكل السعادة، وخلي قصة حبه تنتهي بسعادة."، جمعت ميهيكا أيديها في الصلاة، وصلت للرب يعطي هردان نصيبه من السعادة.
في غرفة هردان:
الساعة عشرة بالليل، وكان هردان جالس على سريره في ملابس رياضية وصديري بعد ما أخذ عشاه، يطالع في جواله من ثلاثين دقيقة.
بالواقع مو قاعد يطالع، بس قاعد يتكلم مع صورة عافية!!
"ايش صار لك في ماضيك اللي صرتي كذا يا عافية!؟ أتمنى آخذ كل ألمك بس ما أعرف حتى ايش بالضبط السبب وراء حزنك. أتمنى بس أن وم تسمحين لي أدخل في مساحتك الشخصية عشان أقدر آخذ كل ألمك. وأتمنى فعلاً أن ذاك اليوم يجي قريباً. بس الحين تصبحي على خير، ونامي نومة جميلة."، قال هردان وهو يطالع في صورة عافية، وأخيراً تمنى لها ليلة سعيدة بابتسامة جميلة.
قبل جبينها في الصورة، وبعد ما أعجب بيها لمدة عشر دقائق ثانية، أخيراً طفى جواله وحطه على الطاولة الجانبية، وانزلق في الأغطية وهو يغمض عينيه بس عشان يغرق في حلم عافية.
................................................
الصبح اللي بعده:
صحى هردان شوية بدري، ويتمنى صباح الخير الدافئ لبنته، وراح تغسل وتبعها فطور مع ميهيكا، وبعدين طلع لمكتبه.
لحسن الحظ اليوم هردان ما تأخر، بالأحرى كان بدري شوي، واللي خلا غيره يرتبك، لأن جدول هردان اليومين ذي كان غير متوازن جداً. بس هردان ما اهتم لنظراتهم، وشد خطواته ناحية طابقه، وبعدين دخل مكتبه.
هردان سوى عمله الروتيني حتى الغداء، وطلب من أرمان يلغي اجتماع الغداء لأنه مشغول اليوم.
أخذ مفاتيح سيارته من السواق، وطلب من سائقه، وكمان حراسه ما يرافقوه، وبعدين راح فوراً للمكان اللي تسكن فيه 'ملكة قلبه'.
وقف سيارته برا مؤسسة عافية للأيتام، وشايل بعض الأكياس البلاستيكية، ودخل دار الأيتام، وراح مباشرة للصالة الرئيسية اللي فيها البنات الصغار قاعدين في دائرة كبيرة مع صحونهم، بينما عافية كانت تقدم لهم غداءهم، وهذا المشهد رسم ابتسامة على وجهه. لما كان مشغول يعبد عافية، شافته مشكان وكانت سعيدة جداً بوجوده هناك. نادته بصوت عالي، وجذبت انتباه الجميع.
طالعت عافية فيه وهي تعبس، وبعدين صرفت نظرها قبل ما تبدأ تقدم الأكل للبنات مرة ثانية، بينما هنا، تجاهلها أوجع هردان، بس مع ذلك هدأ نفسه قبل ما يمشي ناحيتهم.
"يا بنات، جبت لكم بيتزا. مين تبغى تاكل؟"، سأل هردان بابتسامة عريضة، وهو يرفع الأكياس ويوريهم للبنات.
الكل ما عدا عافية كان سعيد يشوف بيتزا في أيدي هردان.
"بس الأكل هذا اللي حضرته راح يضيع."، وأول مرة قالت عافية شي، وشعر هردان بسكون تام وهو يسمع صوتها الناعم الشجي.
وهذا خلاه يقع في حبها مرة ثانية!!
"أيوه، بس البيتزا كمان راح تضيع."، قال هردان وهو يرفع حواجبه، ويمسك بفرصة يتكلم معاها أكثر وأكثر.
انتظر هردان ردها أو تهاجم، بس ما حصل شي، بالأحرى عافية وقفت هناك وهي تعض على شفايفها السفلية، اللي خلت هردان يروح في ذهول على لطافتها وبراءتها.
وهو يطالع في حالتها المرتبكة، اقترح هردان، "خلونا نسوي شي واحد، نخليهم هم اللي يقرروا ايش يبون ياكلون."
أومأت عافية بالموافقة، وابتسم هردان على وسعه قبل ما يتوجه للبنات وسأل، "إذن يا فتيات جميلات خلونا نتغدى."، بعدين طالع في عافية وسأل، "أعتقد كمان لازم ننضم لهم، ايش رأيكم؟"
"أنا مو جوعانة."، قالت عافية بدون ما تطالع فيه، وطلعت وهي تترك هردان بخيبة أمل وراها.
مرر هردان بسرعة علب البيتزا للبنات، واتبع عافية عشان يشوفها جالسة على نفس الكرسي في الحديقة اللي جلسوا فيها أمس.
جمع بعض الشجاعة وجاها قبل ما يجلس جنبها. بأسرع ما شعرت بوجوده جنبها، سحبت نفسها شوية بعيداً عنه، مسوية مسافة آمنة بينهم، اللي أوجعت هردان شوية بس ما اهتم كثير.
"ليش ما تغديتي؟ هل بسببي؟"، سأل هردان كاسراً الجليد بينهم. انتظر ردها، بس لما ما ردت، قال مرة ثانية، "يا جماعة ما راح آكلك. عشان كذا مو لازم تخافي مني كثير."
طالعت فيه عافية وهي تعبس قبل ما تصرف نظرها.
"ليش ما تتكلمي؟ شوفي، ممكن تشاركي معي كل شي صار لك. ممكن أقدر أساعدك--"، حاول هردان يطمنها بس وقف لما شاف تغيير في تعابيرها.
أشرقت الكثير من وميض الماضي قدام عيونها مثل فيلم، وعيونها غرقت بالدموع. قامت فوراً وهربت من هناك تاركة هردان مصدوماً وراها مثل أمس.
بس بعدين تذكر كلام الأم ميشيل ~ "بس خليني أحذرك أن هذا ما راح يكون سهل لك يا ولدي، لأنها بالكاد تثق في أي أحد."، اللي خفف عليه أنه لو مو الحين، بالتأكيد يوم ما راح ترد عليه.