ثمانية
ما أدري كم الساعة، بس ما قدرت أنام وأعتقد إنها كانت متأخرة مرة كمان. لييب أصر إنه يكون المُراقب حقي، عشان شغل أبوي وأمي، ووافقوا أمي وأبوي بعد دقيقة طويلة من الإقناع.
أخذوني لقسم الأشعة عشان الفحص المقطعي اللي محددينه لي، وطول الطريق وأنا ماسكة يد أبوي بقوة وهو يدفعني على طول الممرات في المستشفى.
الحركة البطيئة للسرير اللي يتحرك خلتني أدور وأحس إني مكتومة، لما دخل في شيء زي الغسالة. أخذت كل شجاعتي عشان ما أصرخ من الرعب، وعقلي قاعد يشغل فكرة إن الشفرات راح تنزل من الشيء الدائري وتقص راسي.
الحمد لله، نجوت من ذي اللحظة، ورجعوني لغرفتي بعد ما الدكتور بلغنا إن نتائج الفحص راح تكون جاهزة اليوم اللي بعده.
دلوقتي، أنا منسدحة على السرير والبطانية واصلة لذقني، مستعدة إني أشدها على راسي لو شفتي أي شيء. عيوني كانت زي نط الحبل، تروح لكل زاوية في الغرفة اللي فيها إضاءة قوية عشان تتأكد إذا فيه رجال لابس بالطو أبيض. الخوف اللي أخذته قبل زاد البارانويا حقتي، حتى مع إن أخوي يطمني باستمرار إنه ما في أحد راح يقدر يسوي لي شيء سيء مرة ثانية. الخوف باقي لأننا ما ندري إيش يقدروا يسوونه.
"يا كاتي الصغيرة." رجع ذاك الضحك الشرير.
غمضت عيوني على أمل إني أمحي صوته، بس بعدها شفتي ذاك الوجه المقنّع يستهزئ فيني مرة ثانية، قريب زيادة عن اللزوم.
قلبي ضاعف نبضه، عيوني اتفتحت على وسعها وبدأت تفحص الغرفة مرة ثانية.
هو مو هنا. هو بس في راسك. كررت على نفسي ذي الطمأنة مرة ورا مرة، بس ما فادت.
بَوْب.
بَوْب.
بَوْب. بَوْب.
بَوْب، بَوْب، بَوْب، بَوْب.
تتابع الفقاعات اللي تطلع صار أعلى كل مرة، لحد ما صار عالي لدرجة إنه صوت زي القنابل اللي تنفجر بالتتابع.
حسيت إني أغرق في الهوا—زي كأنه فيه هوا زيادة عن اللزوم يدخل في خشمي وحلقي. أشهق ولا أبلع، ما كنت أدري إيش أسوي أول شيء.
كان فيه وخزة واضحة في يدي اليسار، وعيوني نزلت بسرعة عشان أشوف خط المحلول يتغير ببطء وينقسم لثنين، وكلاهما انحقنوا في جلدي. كان فيه شيء أحمر يتدفق على أحد الأنابيب، وكان يخلي يدي تنتفخ زي البالون اللي يتنفخ. حاولت إني أطلعه بس ما قدرت ألمسه بغض النظر عن كم حاولت إني أشيله.
حاولت أقنع نفسي إنه مو حقيقي، وإني بس أتخيل، بس ما فاد.
شهقاتي ودموعي بدأت تطلع لما شفتي يدي تضاعف حجمها، وشكلها زي اللي راح تنفجر. كانت حارة، حارة مرة—الحرارة كانت مقربة من جهنم في ذي اللحظة.
قمت وأنا في حالة هلع كاملة، وبديت أضرب يدي عشان أخفف حجمها اللي يكبر.
"كاتي."
لا، وقفي عن النمو!
"كاتي!"
ما كنت أبغى أفقد يدي، عشان كذا ضغطت عليها على السرير وغطيتها بالمخدة.
"كاتي، اللعنة! صحصحي!"
فجأة يدي اليمين أخذت مني، وما قدرت أحركها عشان أنقذ يدي الثانية.
كانت تكبر—دلوقتي بحجم راسي—وكانت حمراء مرة، ومتوهجة زي الصهارة. العروق اللي جواها شكلها زي اللي راح تنفجر في أي لحظة لأنها منتفخة زيادة عن اللزوم.
شفتي وجه لييب قريب مني مرة للحظة، وبعدها كان فيه بياض تام.
كل شيء كان يطفو وحاسس إنه كويس.
"أحتاج أتكلم معاكِ." كان ذا آخر شيء سمعته، قبل ما تحسساتي تقفل.
أعتقد إني كنت على نظام مهدئ مستمر لبقية أيامي في المستشفى، لأن بعد ما أصحى، يرجعوني أنام مرة ثانية بعد كم دقيقة.
ما شفتي أمي، ولا أبوي، ولا حتى أخوي في لحظات صحوتي، بس ما حسيت بالحزن ولا بالوحدة، بس حسيت إني خفيفة وثقيلة في نفس الوقت. كل اللي كنت أبغاه إني أقفل عيوني وأستسلم للنوم اللي يناديني.
كنت غير مفكرة مرة لما صحيت مرة ثانية. الضوء الساطع هاجم عيوني، خلاهم يقرصوا ويدمعوا. نظرتي ظلت هناك للي شكله دقائق لحد ما قررت إني أدور فيها. كنت كسلانة مرة لدرجة إني ما قدرت أحرك راسي صح، كان يتأرجح وثقيل.
حسيت إني تعبانة مرة—تعبانة زيادة عن اللزوم. الوجع تسلل في عضلاتي لما حاولت إني أحركهم، وأقل حركة خلتني أتراجع من الألم المفاجئ اللي يطعن في كل مكان.
"لييب؟" وترجفت من القرصة في حلقي.
كانت توجع مرة لدرجة إني ما تجرأت أكرر مناداة أخوي.
الصمت كان يصم الآذان وأنا أنتظر، بس ما كان فيه أي رد.
أتوقع لازم أشوف بنفسي.
يد ورا الثانية، مسكت القضبان اللي على جانب السرير، وبأعين دامعة، رفعت نفسي.
يا إلهي، كم المدة اللي كنت فيها مغمى علي، سنة؟
المفاجأة، ما كان فيه فقاعات تطلع ولا ومضات بيضاء في أي مكان. ما كان فيه لييب في الغرفة، بس شفتي جواله على الكرسي الطويل اللي فيه تنجيد وما فيه ظهر، كان مسنود على الجدار، موازي لسريري.
جاوبت على سؤالي إذا قدرت أوقف، بالنزول من السرير والطيحة على مؤخرتي لأن ما كان فيه قوة في رجولي. عظيم، وواو.
بلمحة سريعة على حامل المحلول، تذكرت إني مفروض أكون لابسة الأنبوب على يدي اليسار، بس لما شيكت ما كان فيه إلا قطن لاصق.
زحفت—أكثر زي اللي سحبت الجزء السفلي مني—لكرسي لييب، وجلست عليه. انتظرته وأنا أتأمل الستارة البيضاء الشفافة اللي كانت تفشل في حجب أشعة الشمس القوية اللي جاية من النافذة.
قلبي كاد يطلع من فمي لما سمعت صوت فتح الباب المفاجئ. أسرع فكرة جات في بالي هي إن ذاك الرجل رجع.
"صباح الخير," سلمت الممرضة بابتسامة صغيرة لما شافته على الكرسي. "وين المُراقب حقك؟" راحت تساعدني وأنا أرجع للسرير.
"أتوقع إنه طلع." دمعت عيوني من القرصة في حلقي.
"قولي له يروح لقسم الأشعة عشان ياخذ نتائج فحصك من أمس، أوكي؟"
هزيت راسي.
"أخصائية الحمية راح توصل أكلك بعدين وبعدين بـ15 دقيقة اشربي دواك." شرحت وحطت كوب صغير على الطاولة وفيه حبة.
"إيش هذا؟" أشرت على الكوب. حلقي صار فيه شوية ترطيب قلل من الإحساس بالقرصة.
"هذا كلورازيل، يخلي الهلوسات تروح." ابتسمت الممرضة مرة ثانية وطلعت من الغرفة بعد ما ذكرتني إني أضغط زر الاتصال لو احتجت مساعدة.
انسدحت مرة ثانية وانتظرت الأكل.
ذا الدوا فعلاً خلى ذي الأشياء تروح. هل هذا يعني إن كل شيء كان في راسي؟ إني مريضة نفسياً؟
أخصائية الحمية جات و اتبعت تعليمات الممرضة قبل ما آخذ الدوا. ما أخذ وقت طويل قبل ما يبدأ مفعوله وخلاي نعسانة، بس قبل ما أقفل عيوني وأستسلم، أخوي دخل.
"لييب," ناديت، حلقي كان أحسن بكتير في ذي اللحظة، بفضل الموية اللي أعطتني إياها أخصائية الحمية.
ركض لجنب سريري، "هاي، كيف تحسين؟" حط يده على جبهتي. "ما في حرارة بعد." تمتم.
"وين رحت؟"
"لمكتب الدكتور," كمل لييب يداعب راسي برفق.
"ليش؟"
أخذ نفس عميق. "رحت وأخذت نتائج الفحص المقطعي وسألته إذا يقدر يشرحها لي."
كنت أحارب عيوني عشان ما تتقفل بس كانت تصير أثقل كل ثانية.
"و؟" ما قدرت أتمتم إلا بكلمة في ذي اللحظة.
"راسك طبيعي، ما فيه إصابات في الدماغ ولا أي شيء خطير." أخذ يده، وذا الشيء صحاني شوية.
"الدكتور يبغى يشوف أمي وأبوي عشان يقدر يقول لهم تشخيصه، بس قلت له إنهم مشغولين وأنا ممكن أشرح لهم لما يزورونك." صوت لييب كان لسه واضح بشكل مفاجئ على الرغم من نعاسي. "قال إنك ممكن تكوني في حالة انفصام شديد واقترح إنا نستشير طبيب نفسي."
ما رحنا لواحد أصلاً؟ أوه، ذاك كان أخصائي نفسي. بس إيش الفرق بينهم على أي حال؟
"لييب، تعتقد إني مجنونة؟" تمتمت.
كنت أخسر للنوم.
"بناءً على خبرتي، لا."
"ممم."
"لازم نكتشف إيش اللي صار لكِ فعلاً، وما أعرف كيف."
وبعدين، صوته تلاشى.