الأحلام مصنوعة من هذا
أطفو. ظلام.
هواء. نفس.
برد. صدمة.
الغرفة كانت بيضاء ومشرقة لدرجة إني قدرت أشوف تقريباً كل ذرة تراب على الأرض. كيف وصلت لهنا، ما عندي أي فكرة، كأني انشفطت وانجبرت أدخل هالمساحة المبهرة من العدم. من العدم إلى الوجود—ما كنت موجودة وبعدين صرت موجودة.
صفوف الطاولات المعدنية اللي مالها نهاية، والمغاسل المبلطة، والخزائن الزجاجية كانت مرتبة ومبنية بدقة، لدرجة إنها تبدو وحدة لو طالعتها من الاتجاه الصح. ريحة مطهر مريحة بس قوية اختلطت مع ريحة الأدوية والمواد الكيميائية الثانية تطفو في الهوا بينما صوت الأجهزة يملأ الصمت.
كنت أراقب، وعيون زرقاء سماوية تدرس سقوط قطرات ذهبية تنزل من القطارة وهي تحول السائل عديم اللون في دورق إرلنماير إلى أخضر. النتيجة أكيد كانت كويسة لأني سمعت تنهيدته اللي تدل على ارتياحه.
الرجل ذو العيون الزرقاء—ويليام—مسك الدورق اللي فيه السائل الأخضر، وهو يحركه بعناية، وجابه لمستوى عيونه، وسكب شيء من طبق بتري اللي فتحه.
بكتيريا.
كيف أعرف هالشيء؟
شعور بمعلومات متراكمة ما قدرت أفهمها اجتاحني، واللي فهمته بعدين إنه لخبطة.
الفضول دفعني عشان أشوف شكلي. الرغبة إني أعرف ايش أعطاني الوجود زحفت تحت جلدي.
كيف شكلي؟
رحت عند وحدة من الزجاجات في الخزانة عشان أشوف انعكاسي، بس ما شفتي أي شيء مني. كأني موجودة بس مو موجودة—زي وجود بس أنا اللي أقدر أعترف فيه.
قدرت أشوف لما ما كان عندي عيون، قدرت أحس لما ما كان عندي جلد، قدرت أشم لما ما كان عندي أنف، قدرت أسمع لما ما كان عندي أذان، وقدرت أتذوق مرارة وضعي. سمعت نفسي آخذ نفس عميق، وأزف بسرعة، وبعدين أرجع أشهق. ذعر.
ايش أنا؟
"هذا أخيراً حيكون نجاحنا اللي طال انتظاره،" علق ويليام وهو يمشي لعند زميله اللي كان واقف قدام حاوية أسطوانية كبيرة في آخر الغرفة. أندرو.
أنا—مشيت؟ طفت؟—باتجاههم. في البداية، ما قدرت أشوف ايش اللي كانوا يطالعونه ويعتبرونه نجاحهم لأن أجسامهم الكبيرة كانت تسده. وبعدين شفتي، طفل، ما يتعدى عمره سنة، يطفو في وسط الخزان، قناع مغطي وجهه الصغير الشاحب وأنبوب متصل فيه، يوصله بقاع الحاوية. المخلوق الصغير كان متكور في وضعية الجنين وكأنه يحمي نفسه من العيون المتفحصة وقسوة العالم.
رحت أقرب، وتقريباً ضغطت وجهي اللي مو موجود على الزجاج. نظرتي ركزت على وجهها—لسبب إلهي مجهول، عرفت إنها بنت—منبهرة كيف كانت هادية وسط المكان المقرف الساخر اللي هي فيه.
الرجال استمروا يسولفون عن المواد الكيميائية، والصيغ، والعمليات. ما اهتميت فيهم، وكنت مركزة، مفتونة بهالمخلوق.
ايش قاعدة تسوين هنا، يا صغيرة؟ وين أهلك؟ حاولت أتكلم معاها بس شكله أنا الوحيدة اللي قاعدة أسمع صوتي الوهمي.
نظري ما قدر يبعد عن الطفل. درست رموشها الطويلة اللي كانت تناقض بشرتها البيضاء المعجونة مع شعرها الطويل المتأرجح بسبب المويه اللي في الخزان. إبهاماتها الصغيرة على كلا جانبي القناع اللي كنت ألقاه مزعج تدريجياً.
ليش أخذوا بيبي لهالمكان؟ بس لما شفتيها من الجهة الثانية من الخزان، قدرت أعرف إنها تتألم، وأتمنى أخفف عنها حتى لو كان هذا الشي الوحيد اللي أقدر أسويه—إني أخفف معاناتها.
ربت على الحاجز الزجاجي قرب راسها، على أمل إني أوصل لمستها.
كل شيء حيكون تمام. حتكبرين بأمان، بعيد عن هالمكان.
كنت جادة في كلامي، لأسباب مجهولة، حسيت إني قريبة فعلاً لهالمخلوق. حسيت إننا تقابلنا في حدث ثاني.
حاولت أفكر ايش هو الاتصال وليش كانت مألوفة، بس أبعدت نفسي عن الخزان، وتفاجأت لما فجأة فتحت عيونها، اللي كانت تطالعني مباشرة. قطع الماس المتكسرة من الحدقات اللي ممكن تشوف من خلال جسمي اللي مو موجود، خلت قلبي الوهمي يدق أسرع وأعلى.
الرجال وقفوا كلامهم وطالعوا في ذهول، وكأنهم شافوا هالحدث لأول مرة. ما بدأوا يتحركون إلا لا صوت نقر وطنين الأجهزة صار عشوائي. وهم يضربون على ألواحهم ويكتبون بسرعة.
"طيب، هذا تحسن مفاجئ. كنت أعتقد إنها ما حتصحي أبداً." أندرو، برغم كتابته السريعة، تكلم بهدوء.
نظرتي، ما زالت مركزة عليها، ما تحركت من مكاني بسبب الخوف المفاجئ اللي انهال علي. ما كان خوفي، كان خوف البيبي.
"بس فكر في الملايين والمليارات اللي حنربحها من وراها. لو صنع و تربية بيبي في المختبر جا في بالي في التجارب الأولى، ما كنا حنسرق هالضعفاء من المستشفيات من زمان." قهقهة ويليام أشعلت غضبي اللي كبت خوف البنت الصغيرة.
بس ما قدرت أشيل نظري عنها، حاولت أتحرر من القوة اللي فجأة لفت نفسها حولي. عيونها الفضية الرمادية اللي تقريباً بيضاء بدت تمتصني لها، بدت تسحبني أقرب وأقرب وأقرب لين ما انضغطت على خزانها.
نفسي كان يطلع ويدخل فيني بأنفاس سريعة. شكلها كأنها حتبتلع وجودي وحاولت أتحرر، بس محاولاتي كانت عديمة الجدوى.
واحد. صوت همس في عقلي. أنت أنا.
شعور إني انشفطت في الظلام بدأ يغمرني. وبعدين، سقطت وسقطت وسقطت في حفرة العدم. لوحت بأيديي الوهمية في اتجاهات مختلفة على أمل إني أمسك شيء عشان أتمسك فيه، صرخت بأعلى صوتي، على أمل إن أحد يسمعني وينقذني.
استمريت في السقوط وحسيت بصدمة ظهري الوهمي وهو يلامس الأرض السودا، نفسي طلع مني بسرعة. وبعدين، ولا شيء، بس الخدر والظلام لكل شيء.
وخزة وخزت جلدي. كانت فيه أصوات عالية ومتكررة جاية من كل مكان.
"ت-35، متى حتفتحين هالشترات الجميلة حقك؟" جاء صوت عميق مكتوم.
"ضخين لها ما يكفي من سلالة معدلة 121 DNA عشان تفجر مدينة كاملة، المفروض تصحى في أي يوم،" رد صوت مكتوم ثاني.
كان فيه نور مكتوم في الظلام، حسيت أجفاني ترجف وببطء فتحتها.
قلبي تقريباً طار من فمي لما شفتي وجوه ضخمة تزمجر علي، الشي اللي كان أكثر صدمة هو، إنها كانت وجوه ويليام و أندرو.
شهقت ولهثت وحاولت أتنفس أكبر قدر من الهوا في رئتيي اللي انكمشت. كيف؟ ليش؟ صرخت بس ما طلع صوت. كيف كنت جوة الخزان؟ أليس البيبي-؟
فقاعات بدت تطفو من تحتي. أنا كنت البيبي. خوفي اختلط مع الذعر والمزيد من الفقاعات طلعت، كنت أبغى أخربش الزجاج بس ما قدرت أتحرك. الفقاعات جات بتتابع سريع لدرجة إنها خلت الخزان شكله كأنه يغلي.
كنت أختنق من كل هذا الفوران اللي أنتج، بس لسه حاولت أتنفس. أجبرت وقبضت على يديي الصغيرة عشان أتصور إني أتنفس هوا زيادة من الأنبوب، قدرت أسمع نفسي ألهث وأزيير-
جلست بسرعة زي الرصاصة، وأنا ألهث والعرق يغرق تيشيرت الخزان حقي. بقيت ثابتة وتذكرت وين كنت بينما الأدرينالين هدأ ببطء، وحسيت الدوخة تنهار في راسي زي موجة تسونامي.
"يا له من حلم معفن،" قلت لنفسي، وأنا أمرر يدي المرتعشة على وجهي المبلول بالدموع.