أحد عشر
ما هذا اللي شفتيه في الشاشة."
تطلعت تحت الشريحة عشان اللي شفتيه فيها في المجهر كان شكله حي. ما كان فيه ولا شي غريب لما طالعت في الشريحة بالعين المجردة. رجعت أطالع من خلال عدسات المجهر.
أدري ان وجهي صار يتكسر لشيء يشبه الاشمئزاز، عشان الدم — دمي أنا — اللي أخذوه مني من شوي كان شكله زي بيض السمان مع بقع برتقالية-صفراء متوهجة كانت تنبض.
وش السالفة.
'بالضبط نفس أفكاري قبل لحظات." سمعت ليب جنبي.
'وش فيه؟" ما عرفت مين اللي تكلم — يمكن إبريل — ما كان عندي وقت أعرف عشان فجأة حسيت أذني مسدودة، كل الأصوات اللي حولي صارت مكتومة لدرجة إنه ما بقى إلا الضوضاء البيضاء.
طالعت في وجيه الكل اللي كانوا مجتمعين حولي، كلهم عندهم يا تعابير ذعر يا قلق. وبعدين لما غمضت، ولا واحد منهم رجع بان من نظري. ما كان فيه إلا الظلام، لا نهائي منه.
صرخت. أدري إني صرخت عشان حسيت بحكّات الهوا وهو يطلع من حلقي لفمي.
أيدي، حسيت بأيدي على أذرعي، وجهي، ورقبتي، بس ما قدرت أشوف ولا أسمع.
كان فيه توقف لحظي لكل شيء. عالمي سكن وحسيت نفسي أطيح.
الصوت المكتوم أكيد كان صوت ظهري وهو يلامس الأرض عشان حسيت إني طحت.
رجعت رؤيتي لسقف أبيض وساطع. كانت فيه أصوات تزعج كل شوي وبعدها سكون طويل. الشيء الوحيد اللي كان يملأه هو صوت فقاعات وهي تطلع تحت الموية، كان مستمر ومزعج.
هل كنت منسدحة؟ أعتقد.
رفعت يدي على وجهي، قدرت أشوفهم، بينما في الحلم المعتاد أنا ما كنت إلا مجرد وجود بلا شكل.
قمت. هل يقدرون يشوفوني؟ لوحت بيدي قدام واحد من الناس اللي لابسين أقنعة بس تجاهلني.
مشيت أبعد، أفتش طاولات المعدن وزجاجات القزاز اللي فيها ألوان سوائل مختلفة.
بسبب تفسير مجهول، طاحت راسي للجهة اللي جيت منها. تنفّسي كأنه نفخ كل ذاتي.
شفتي شخص شكله طبق الأصل مني، منسدحة عارية في شيء شكله زي تابوت عليه قبة قزاز. قناع أبيض مع أنبوب سمين مربوط في نصه كان مغطي النصف الأسفل من وجهها.
هل هذي ذكرى؟
أخذتني رجولي للجسد اللي افترضت أنه لي وطالعت بنفسي. شعري تموج يمين ويسار بينما فقاعات كبيرة كانت تطلع من القناع لمستهم. عيوني كانت ترفرف بس ما تجرأت تفتح. أنابيب شفافة متعددة كانت متصلة فيني؛ في رقبتي، معصمي، أفخاذي، ورجولي.
شهقت ورجعت خطوة لما واحد من الناس اللي لابس أبيض مشي من خلالي. هو — أو هي — غالباً من الجهة الثانية من الغرفة، اللي ما قدرت استكشفها. الشخص فتح مزلاج في أسفل الخزان اللي فيه جسدي ودخل وعاء معدني أسطواني فيه.
طالعت في هذا الكائن وهو يطالعني في الخزان وبعدين مشي وراح. عيوني كانت ملتصقة بظهر الفرد هذا لين ما وقف.
الرعب والاشمئزاز اللي حسيتهم خلوني أرْجِع. مصطفة بشكل مثالي، كانت خزانات قزاز موضوعة بشكل قائم وكان فيهم أطفال، أطفال متجعدين وشاحبين! كانوا يطفون في نص الحاوية المليانة بالسوائل مع وجيههم اللي مغطية نفس النسخة الأصغر من القناع اللي علي. إبر كانت مثقوبة في صدغهم، أيديهم، وأرجلهم مع أنبوب متصل فيه يودي لمكان ما في الخزان.
عشان ما قدرت أطالع في الكائنات المسكينة ذي، خليت عيوني على الشخص اللي لابس أبيض اللي كنت أطالع فيه من قبل، بس اللي سواه خلّى معدتي تنقلب أسوأ. الإنسان القاسي ضغط على زر والدم ملأ الأنابيب اللي كانت متصلة في الأطفال. قبضة أيديهم الصغيرة انقبضت، ومع إنها صغيرة جداً شفتي أجسامهم مشدودة بينما الحياة كانت تتسرب منهم ببطء.
ما قدرت أسوي ولا شيء إلا إني أطالع بينما عيوني كأنها لصقت بنفسها في اتجاههم. دموع وشهقات طلعت مني عشان الضحايا المساكين ذولي.
بعد اللي بدا كأنه أبدية الشخص اللي لابس أبيض ضغط على الزر مرة ثانية وتوقف سحب الدم، الأطفال صاروا رماديين أكثر ووبخت نفسي إني ما قدرت أسوي ولا شيء.
واحد ورا الثاني الشخص اللي لابس أبيض وقف عند كل خزان وأخذ شيء من كل قاع. وعاء معدني أسطواني.
هذا شكله...
عيوني كانت واسعة زي الصحون لما وعيت على الحقيقة.
لا. لا! كنت أصرخ الكلمات ذي بس أدري إنه ولا أحد راح يقدر يسمعها. كان مجرد حلم في النهاية.
وقف، لا تسويها!
سديت الطريق، بس الشخص ما اهتم ومشي باتجاه خزاني، انحنى ودخل اثنين من اللي جمعهم، ووقف يطالع.
صرخت وطقيت القزاز قريب من وجه جسدي بينما السائل الأحمر بدأ يروح لجسدي عن طريق الأنابيب.
صرخت بأعلى صوت عندي عشان أصحى، بس بعدين طحت. في الظلام.
دموعي راحت، مشاعر الحزن والغضب والاشمئزاز راحت على طول. كنت أطيح و صفير الريح عالي النبرة كان يشق الأذن.
لما ظهري لمس الأرض، حسيت بالصدمة وطلع تنفسي مني. نطيت واصطدمت فيه مرة ثانية. ومرة ثانية. ومرة ثانية.
●●●●●
'يا ربي! سكوت أمسك رجولها."
طلع تنفسي مني. ليش؟
'كات، ايكاترينا."
الشيء البارد اللي فجأة صار على راسي خلاني أفتح عيوني بسرعة.
أول شي ركزت عليه عيوني كان أبريل وهي تطالع فيني. 'أنت بخير، أنت بخير." شكلها كانت تقول لي كذا.
'يا حبيبتي." ورأس أمي كان جنب رأسها. 'جاك دور." همست.
دور.
'وش فيه بعيونها؟" سألت أمي أحد.
'ممكن أشوف؟" تفاجأت بنعومة صوتي. هل هو حتى صوتي أنا؟
أعتقد ما كنت الوحيدة اللي حسيت إني أتكلم بصوت مختلف بس الناس اللي قدامي بعد.
قمت. ما أقدر. طالعت في جنبي وشفتي أخوي هناك، ماسك معصمي وذراعي اليمين. أبوي يسوي نفس الشي في الجهة الثانية.
بشكل ما انتهيت على سريري.
حواجبي ما كانت تقدر تكون أعلى لما شفتي سكوت وليس ماسكين رجولي وأرجولي. 'وش قاعدين تسوون؟" كان فيه الصوت ذا مرة ثانية.
'نمسكك." جاوب ليس، بس بعدين تركت رجولي.
هزّت ماسكة ليب الرخوة، أخيراً قمت ومشيت للمراية الكبيرة في زاوية غرفتي، جنب شبابيكي.
خطوتين. هذا كل اللي احتاجيته عشان أوصلها. درت عشان أطالع فيهم عشان أتأكد إنهم شافوا اللي سويته قبل شوي.
يبدو كأنهم شافوا عشان عيونهم كلها كانت مركزة علي. هزيت كتوفي لهم ورجعت للمراية.
كانت متشققة.
على قد ما أقدر أتذكر، مرايتي كانت كويسة تماماً. تقدمت أقرب منها عشان أفحص نفسي. وش في العالم صار بعيوني؟ قزحية عيني كانت سودا وفي نصها كانت ألوان متعددة تدور — تتحرك — أحمر، أصفر، برتقالي وهي تدور حول البؤبؤ. عبست لما انشد انتباهي بالتشقق اللي على الجدار جنب المراية، مظهري نسيته.
كان كبير وعميق، وعلى ما يبدو طويل للغاية عشان تبعته للجهة الثانية من الغرفة.
كان فيه خدش ورائي ودرت بسرعة لدرجة إن شعري ضرب وجهي.
عائلتي وأصحابي كانوا لسه يطالعون فيني الحين بحذر.
'وش..؟" فمي كان يمكن واسع زي السد لما شفتي الغرفة كلها، أو اللي بقى منها.
كان فيه زلزال؟
انسَ ذا، غرفتي شكلها زي كرة هدم صغيرة نطت في كل مكان فيها.
'كات،" تقدم ليب ومد يده.
تلقائياً، مشيت له بنية إني أسأله وش صار، بس توقفت في نص الخطوة عشان شي ما كان تمام.
مشيت عيني ببطء على كل واحد منهم. شي جد ما كان تمام. كانوا ساكنين زيادة عن اللزوم. أمي ما كانت تصيح، ليس كانت تبدو غير مبالية أكثر من اللي تسويه عادة. وسكوتي شكله مبهدل، زي كأنه تحت التخدير أو شي.
غريزتي كانت تقول لي إن فيه شي غلط وما مفروض أقرب لأي واحد منهم. فبس وقفت هناك، أناظر الناس اللي أعرفهم طول حياتي بس بشكل ما ذولي مو هم.
'علامة خمس دقايق انتهت." نطيت على الصوت اللي فجأة انفجر في كل مكان.
هل هذا واحد من ذيك الأحلام؟
'إعادة تهيئة منطقة المحاكاة."
بس وقفت هناك أناظر بذهول ورعب بينما يد أخوي بدت تتلاشى كأن ضوء ليزر أزرق بدأ يزح على أذرعه وخلّاه يختفي. كل شي ثاني اختفى مع الضوء الأزرق ولما ما بقى إلا منطقة بيضاء ساطعة، بقيت ثابتة. صافعة ومرتبكة.
'ت-35. الاختبار فشل." الصوت الآلي تكلم مرة ثانية. دورت على شبابيك، أبواب، أي شي، أي شي أقدر أطالع فيه غير الأرضيات والجدران البيضاء اللي تدهش إلى ما لا نهاية.
'إغلاق في ثلاثة،"
الذعر نزل علي زي الشلال، هل راح أُضْرَب؟ أُقْتَل؟ أُقَطَّع لأشلاء؟ أُقْصَف؟
'اثنين."
ركضت وطقيت الجدران وأنا أصرخ عشان أحد يخليني أطلع. 'خلوني أطلع!"
'واحد. بدء."
سمعت صوت أزيز بس ما تجرأت أدور عشان أطالع فيه، بدال كذا ركضت للجهة الثانية أو المنطقة وسويت نفس الشي، أصرخ وأضرب الجدار.
حسيتها قبل ما أسمعها. تنفّسي صار متقطع بينما طالعت في الدم الأحمر وهو يكبر على صدري. ضربة ثانية بطني، الضربة جت من قدام هالمرة، أخذت لمحة من جهاز زي سي سي تي في قبل ما يتراجع بسرعة في الجدران.
وش التبن.
أعتقد إنه راح يسمحون لي ألعن الحين عشان بالفعل أموت فليش يا ربي اللعين ليه يصير لي كذا؟
كم طلقة زيادة ضربتني قبل ما تخلييني على ركبي، الألم صار صاحبي قبل ثواني، بس لسه حسيت قوتي تتسرب مني ببطء بينما ثقوب زيادة صارت في جسدي.
ريحت يدي على الجدار، تاركة بصمة دموية منها بينما انزلقتها لأسفل، عيوني تتبع حركتها للأرض. لما طالعت فوق، جيت وجه لوجه مع الشي اللي يشبه سي سي تي في اللي يطلق النار وعلى طول عرفت إن الهدف هالمرة كان راسي.
بس ما راح أنزل بهالسهولة.
مع الغضب الشديد اللي حسيت فيه فجأة، مسكت الشي ومزقته من مكان تركيبه بسهولة سحب دبوس ضغط مثبت بشكل سطحي على ستيروفوم.
ماسكة ركبي المرتعشة، قمت ببطء وواجهت الغرفة. مستريحة ظهري الدموي على الجدار، صحت بأعلى ما أقدر لين ما انقطع نفَسي.
وبعدين، نقاط صغيرة بدت تظهر على الجدار قدامي، أيّاً كانت النقاط ذي، كانت بعيدة جداً بالنسبة لي عشان أميز وش كانت فعلاً قبل ما وحدة منهم تطلق النار وفوّتتني.
'يا شــ" هذولي اللي قدرت أنهيهم قبل ما الرصاص بدأ يمطر علي.