ستة
تغيير وجهة النظر.
____________________________________________________
لايب
"أنتِ بتماطلي. قوليلي خلاص." طلبت، والضيق واضح في نبرة صوتها.
شيء زي الفلاش لمحته عيني، وشدتهم تلقائيًا في ذاك الاتجاه. "يا خراشي." ما قدرت أوقف فمي عن نطق الشتيمة. شرارة ولعت لمدة نص ثانية بس جنب راس أختي. يمكن عيني بتلعب بيا، يمكن شيء تاني.
تنهدت، "خلاص، لا تقوليلي، بس ما تدعي عليا لأني طلبت مساعدة."
ليش بدها تسأل عن ميكروب لما هي مو مهتمة؟ بس قلتلها على أي حال.
"السلالة 121 عبارة عن بكتيريا وحيدة الخلية بتحب الحرارة—بيسموها محبة للحرارة—أحسن، هو المصطلح العام لأنواع البكتيريا اللي بتفضل تعيش بدرجات حرارة تعتبر دافية أو حارة." رحت أخدت تفاحة من البراد وبعدين رجعت أقعد على كرسي المطبخ.
"في حالة الجيوجميّا باروسي—السلالة 121—" من شكل تمها لما التفتت عليّ عرفت إنها حتسأل إذا اللي بحكي عنه هو شخص.
"هي مصنفة على إنها محبة للظروف القاسية. بتعرفي، 'متطرفة'. حسب العلماء، هالبكتيريا ممكن تعيش لحد 121 لـ 130 درجة مئوية، ولهذا السبب اسمها."
راقبتها وهي بتمسك بمقبض القدر عشان تسيطر عليه وهي بتصب المكونات التانية. مقبض معدني لقدر ساخن! "يعني بتحب الحرارة. طيب ما بتدمرش؟ يعني ممكن تتحمل كل الحرارة دي من غير ما تحرق أي أجزاء منها؟" اتكأت على البراد، الجزيرة اللي في المطبخ بيننا.
"لأ," جاوبت على طول، وربعت رجلي ورجعت لورا على الكرسي عشان أبين مرتاح، بس الحقيقة إني كنت خايف. "لإن بعض مكونات خلايا هاد الأنواع من الكائنات عندها خصائص معينة غير اللي عند اللي بتزدهر في درجة حرارة طبيعية. اتقال إن سبب نجاة هالكائنات في هالظروف القاسية هو محتوى جوانين-سيتوزين العالي، بس بعدين رجعوا في كلامهم."
كات راحت تفحص الأكل.
"في الدراسات الأخيرة، ظهر إن ما في علاقة بين محتوى الجينوم والنمو البيئي لهالميكروب. لهيك لسا لغز."
أختي بدت غرقانة في التفكير، بس ما قدرت ما أسأل أسئلة بخصوص اختفائها. "كات، لاحظتي شيء غريب عنك أو حواليكي مؤخرًا؟"
بصت لي باستغراب. "زي إيه؟"
"أي شيء."
"ولا حاجة." بس صوتها كأنه مش متأكدة إذا كانت بجد ولا حاجة.
"يا عيال، وصلنا." نادت أمي من غرفة المعيشة.
أمي دخلت المطبخ وهي شايلة كيس كبير. "أهلًا," وراحت لها على طول وعطت أختي بوسة على خدها. "إزاي كان اليوم في المدرسة؟" سألتها، وهي ماسكة ذراعاتها حول كات.
أنا عارف إن أمي عندها أسئلة كتير وبتحاول تمسك نفسها عن السؤال لأن الطبيب النفسي نصحها تعمل هيك. وهلأ، متى ما قدرت، بتضل حوالين كات، وبتسألها أسئلة تافهة. حضنها وبوساتها المستمرة دايمًا بتعطيها لأختي.
"تمام," تمتمت كات وهي بتراقبني.
تمام، الفم مقفول. وقفت، ورحت لأمي وحضنتها.
"حاروح أساعد أبويا يصلح أي شيء جابه من البيت عشان يزبطه." وبهيك، طلعت.
لقيت أبويا بيطلع أكياس البقالة. "ما في شغل تاخده عالبيت اليوم؟" سألت وأنا برفع اثنين، واحد في كل ذراع.
"لأ، قفل المحل بدري." بعد ما قفل باب المكان، بدل ما يرفع الأكياس، راح وفتح غطاء سيارتي. "الموتور تبعك محتاج تنظيف." قال، ولساته بيبص.
"طيب، إزاي أختك؟" سأل أبويا وهو بيبدأ ينظف الموتور. "سمعتها بتبكي فوق الليلة اللي فاتت، والليلة اللي قبلها كمان."
سمعتها أنا كمان. قررت أروح أطمن عليها بس هدأت لما وصلت لغرفتها، لهيك سبتها لحالها.
حكتلي عن حلم متكرر...
"حكتلك أي شيء؟ أي شيء بتذكره لما اختفت؟" أبويا انتقل للقماش. "أنا قلقان على كات، لايب. كل شيء بيبان طبيعي معاها بالنهار، بس بعد ما تنام، بتبكي وتصرخ وتحكي. لو اكتشفتي إيه اللي حصل—وحتكتشف—حأعلم هالولاد...
انقطع حديث أبويا الغاضب لما سمعنا صراخ كات.
من غير ما أفكر إذا في أي شيء قابل للكسر في الأكياس، حطيتهم بعنف وركضت للمطبخ.
شفتيها منهارة على الأرض وأمي ماسكاها، بتبكي.
حكتلنا إن في راجل في المطبخ، بس هما بس اللي كانوا موجودين لما وصلت.
كات صرخت تاني.
ركضت تجاه كات من الشباك اللي كنت ببص منه.
إنها تكون هيك كان شيء مرعب. خلاني أحس إني عايز أضرب شيء. الإحباط لإنك مش قادر تعرف إيه اللي حصل لأختي لما اختفت بيجنني.
هل هي عندها نوبة؟ بالطريقة اللي كانت بتتشنج بيها في اللحظة دي، الواحد ما يقدر ما يفكر هيك.
ركعت جنبها ومسكت إيدها، قلبي بيدق، متوتر على اللي بيحصل لأختي.
"لأ! لأ، لأ، لأ، أرجوكي. أرجوكي!" تمتمت مرارًا وتكرارًا.
الليلة كانت صامتة لدرجة إن شهقاتها وتمتماتها كانت الوحيدة اللي بتنسمع في المطبخ كله.
أبويا كان ماسك إيدها التانية وهو بيهمس عنوان بيتنا لرقم الإنقاذ اللي يا دوب اتصل بيه. أمي كانت بتبكي، بتشهق وبتقول لكات 'امسكي، المساعدة جاية'.
حسيت إني ولا شيء، ما قدرت أعمل أي شيء عشان أخفف عنها الألم غير إني بس أمسك إيدها وأدعي إنها تهدي.
كات ونّت، نوبتها انتهت.
أمي مربّت على جبينها، وهي بتهمس كلمات لطيفة. أنا، على الناحية التانية، ركزت على إني أحس نبضها، ثابت، كأنها ما عملتش تشنج كامل.
ما سبتش إيدها حتى لما المسعفين رفعوها على النقالة وزقوها لعربية الإسعاف المستنية.
عقلي لسا مذهول. أسئلة كتير مزدحمة جوة عقلي وكل واحد منهم محتاج إجابة.
في المستشفى، طلبوا مننا نستنى برة الغرفة لحد ما يفحصوا كات. أمي لسا بتشهق وأبويا بيهديها.
"كانت بتهَمْس 'لأ' و 'أرجوكي' مرارًا وتكرارًا." همست أمي، "ربنا وحده اللي يعرف إيه اللي حصل لها هناك—لأي مكان راحت له—بين إنّه فظيع." شهقات أمي اتحولت لبكاء خفيف وأبويا حضنها أكتر.
بعد اللي بدا زي ساعات، الدكتور طلع وعلى طول قفزنا عشان نقابله في نص الطريق.
"دكتور، إزايها؟" سأل أبويا.
"عندها سخونة خفيفة، بس كل شيء تاني طبيعي، رتبنالها أشعة مقطعية خلال ساعة." الدكتور—السيد ألبينكوت حسب بطاقته—مد إيده في جيبه وأعطى أبويا ورقة. "كتبت دوا عشان يخفض حرارتها، تقدر تشتريه من الصيدلية اللي في الردهة."
"كان عندها نوبة قبل شوية، هل هي بخير هلأ؟ هل بنتي حتتعرض لنفس الحالة تاني؟" سؤال أمي المشتعل خلاني أسأل نفس الشيء بصمت.
"حنعرف بعدين بعد الأشعة والنتائج تطلع." ابتسامة الدكتور ما وصلتش لعينيه. "إذا بتحبوا تشوفوها، هي بتستريح جوة." أشار للغرفة اللي طلع منها. "الممرضة حتساعدها بعدين عشان الأشعة المقطعية." أومأ لأبويا وأمي ولي، وبعدين مشي.
دخلنا الغرفة بحذر، وكات كانت هناك، بتبص على السقف.
"كات، يا حبيبة؟" نادت أمي بهدوء. "إيه شعورك؟" سألت وهي بتقعد على طرف سريرها.
أبويا قعد جنب أمي. أنا اتسندت على الحيطة جنب الباب، وأنا بشوف أبويا وأمي بيربتوا على وش وشعر أختي.
"أبويا، أمي، أنا اتخطفت من ناس لابسين أسود، كانوا أربعة. كهربوني عشان يمنعوني أهرب." عيني كانت مفتوحة على الآخر وأنا بسمع كات بتحكي القصة بهدوء شديد.
"هل بتتذكري أي وجه من وجوه الأشخاص؟" كان رد أبويا الفوري.
ما اتحركتش إنش، ولساتها نايمة على ضهرها بتبص على السقف. "لأ، كانوا مقنعين." دمعة نزلت على خدها.
كات مسحتها. "أمي، الدكتور قاللي لازم أشرب ماية كتير قبل الأشعة المقطعية ومفيش أكل لحد هلأ."
أمي بدت إنها بتعالج اللي قالته لثانية وبعدين أومأت. كات خلت أبويا يروح معاها بحجة إن أمي ممكن تنهار أو شيء.
الصمت كان تقيل أوي لما أهلنا مشيوا.
أختي قامت وعلى طول كنت هناك، بسند مخدة عشان أدعم ضهرها.
"لايب، بحس إني مش أنا هلأ." بصيت في عيون أختي البنية وهي بتتملي بالدموع. "الطفل في الحلم هو أنا!" انهارت، وجسمها بيرتعش مع كل شهقة بتطلعها.
اتصدمت، ما قدرتش أفهم إيه اللي بتحكي عنه. أي طفل؟ حلم؟ هل هو نفس الحلم اللي المفروض تحكيهولي؟
"لايب," مسكت البطانية اللي قدمها المستشفى. "بتذكر كل شيء، أعتقد."
"إيه اللي بتذكريه؟" ريحة حرقت أنفي. دخان؟
عبست، في المستشفى؟