ثمانية عشر: عدو
الحلم الغريب ده لسه بيخرفن دماغي لما قررت أقوم وأشوف الدور اللي أنا فيه. بس مافيش أي حاجة أشوفها، فقررت بس ألاقي صاحبي.
"جاهز؟" سأل إيليوت لما شافني نازل السلم من على الكرسي الخشبي اللي كان قاعد عليه. وزي ما الواحد يتوقع في بيت مهجور من فترة الله أعلم قد إيه، الأثاث الوحيد اللي واقف في نص الأوضة كان مليان تراب وعفن وصدأ. الغريب إنه ما وقعش من تقلي صاحبي.
رحت وقفت جنب الكرسي اللي قصاده. "أيوة." ما تعبتش نفسي وأقعد، كده كده هنمشي قريب.
ما قدرتش أمسك نفسي وأنا بلف راسي يمين وشمال وأنا عارف إني مش هلاقي حاجة، الحيطان اللي مفروض إنها بيضا كان لونها أصفر باهت ومخططة بحاجة بني في زواياها وحوافها.
أكيد كان بيت جميل في عز أيامه، بس لما الظاهرة ضربت والكل هرب، المكان بدأ يتدهور.
"يلا بينا."
هزيت راسي لما وقف ومشى ناحية الباب.
كنا خلاص هنعدي عتبة البيت لما حسيت بتوتر إيليوت.
ضهره كان واقف زي العصاية ومشدود أوي، لدرجة خلتني أفكر إن في حاجة حصلت في جهازه.
بعد ثانية، اتحرك، لسه بتصلب، وبدأ يمشي. "خمسة وتلاتين، هما هنا." همس. "لازم نمشي، نقدر نسبقهم." كان لسه بيتكلم بصوت واطي كإنهم على مسافة سمع.
ليه نهرب منهم لما ممكن نخلص عليهم؟ يعني، إيه فايدة قدراتنا لو مش هنستخدمها لصالحنا؟
"مش فاهم ليه لازم نسبقهم. مش هما هيفضلوا ييجوا ورانا لو عملنا كده؟"
اتنهد. "أنا عارف، بس هما ممكن يضربوك ويستخدموا ده عشان يسيطروا عليك، وأنت ممكن تتغلب عليهم، أنا لا. أنا بس ممكن أجري لحد ما يزهقوا من الملاحقة."
ده سكتني لثانية، نسيت خالص إن إيليوت مش بيعرف يقاتل. قال لي الكلام ده قبل كده، إن عيب في جهازه خلى جسمه ما يقدرش يحارب أو يتعلم إزاي.
"تمام." وبرافو عليه على كل المحاولات اللي عملها عشان يطلعني من المعامل على الرغم من ده.
زودنا سرعتنا وكنا بنجري بأقصى سرعة، وأقصى سرعة دي معناها تقريبًا عشرة أمتار في الثانية. إيليوت كان بيقود الطريق وأنا وراه.
"بس اتبعني، معايا الإحداثيات—"
صوته اتقطع لما حاجة كبيرة نزلت قدامه، ضربت إيليوت على قفاه وبعتته طاير على الجنب.
شعر صاحبي الأسود كان الحاجة الوحيدة اللي كنت شايفها منه.
كنت مصدوم.
الحاجة كبرت أكتر وأكتر وهي ماشية—بتدوس—نحوي، وكبرت أكتر وأكتر لحد ما بقينا على بعد ذراع بس. ذراع الإيد، اللي هو تقريبًا متر وستة وخمسين سم، وراسي كانت بس في مستوى بطنها.
ما وقفتش وعيني كانت سريعة بما يكفي عشان ألحق حركة إيدها السميكة واللحمية اللي كانت في طريقها ناحيتي. رجعت خطوة لورا، ونجوت بصعوبة من أطرافها، بس فورًا ركزت على حلقها وطعنت.
على الرغم من إن خطواتي كانت أصغر منها بكتير، كنت سريع. جلدها الأسمر—ممكن يكون حراشف—كان خشن على كفوف إيدي. بعد ما عرفت أمسك رقبتها السميكة بكلتا إيدي، ثبتت قبضتي، وزي ما بنعصر الهدوم المبلولة، ضغطت ولفيت.
لا صوت زئير ولا صوت تأوه جه منها وهي بتحاول تهزني، بس ده كان عبث، إيدي كانت ماسكة في رقبتها السميكة. كنت على الطيار الآلي، حواسي كانت في حالة تأهب قصوى لدرجة إن أي حركة حواليا كانت بتمر من خلال جهازي.
دماغي شكلها كده فصلت، في حين إن جسمي كان ليه عقل خاص بيه.
لما ما قدرتش أفصل راسها عن جسمها، استخدمت صدرها عشان أكسب موطئ قدم واتأرجحت.
رجليني من ورا كانت مستقرة على كتفها، وسحبت.
لسه ما أصدرتش صوت وهي بتنتش إيدي الصغيرة من رقبتها.
دقات رجليها وصرير الثلج المتساقط كانت الحاجة الوحيدة اللي ممكن تتوصف منه.
العظام بتتكسر والعضلات بتتقطع تحت قبضتي.
كان زي ما بتشد كاوتش كبير أوي وسميك أوي. المخلوق أصدر صوت تأوه صغير ومؤلم لما سحبت آخر عضلات ماسكة راسه.
سكت، وجسم المخلوق سقط على الأرض وأنا لسه على كتفه.
هدومي البيضا ساعتها كانت خلاص اتلطخت بالسائل اللي اندفع من رقبة المخلوق لما اتقطعت.
ممكن يكون فيه أكتر منهم، بس بغض النظر عن ده، رميت الرأس العملاقة اللي بتنقط سائل برتقالي لزج—اللي هو على الأرجح دمها—من قبضتي، وجريت ناحية جثة إيليوت.
صدره كان بيطلع وينزل، وده بيدل على إن جهازه شغال كويس، على الرغم من إنه ما كانش محتاج يتنفس.
كان جزء من برنامجه عشان يحاكي البشرية بأكبر قدر ممكن.
"إيليوت، قوم." أمرت جسمه كأنه هيعمل كده.
ما ردش، فما كانش قدامي حل غير إن أحمله على ضهري. "العرة ده ينام وأنا أكون حصانه اللعين." قدرت بس أتمتم إحباطي وقلقي في هوا الثلج وأنا بدأت أشق طريقي في الثلج اللي واصل لحد نص ساقي.
إيه ده؟ أكيد ما كانش إنسان بالشكل والحجم ده.
أخدت نظرة أخيرة على المخلوق الميت قبل ما أمشي.
الضباب الخفيف كان استقر حوالين الجثة، بس بعيني، لسه كنت شايف الجلد اللي كنت فاكره حراشف بسبب خشونته.
الرأس اللي رميتها من شوية، استقرت جنب صاحبها وكانت بتبص في اتجاهنا بعيون بنية ميتة.
هل كان فعلا إنسان بس على نطاق أوسع بكتير؟
"سمعت ده." همس بضعف.
"طيب انزل وامشي لوحدك لو صاحي." بدأت أجري وهو لسه على ضهري.
"مش قادر، رجلي مكسورة."
بالرغم من إنه بيبان إنسان، ما كانش بيحس بالألم من ناحية فسيولوجية، كان بس عارف إن في أجزاء منه مش فعالة في الوقت الحالي.
الغريب، كان بيحس بالألم من تحطم القلب بس مش من رجله المكسورة.
"لازم أشيلك لحد المنجم؟"
ماكنش عندي مانع، بطريقة ما اتكونت علاقة بينا من غير ما نعرف في الأوقات دي لما كان بيحاول ياخدني بعيد عن المعامل اللي كنت محبوس فيها.
علاقة قالت لنا إن محدش هيتساب.
"أقدر أصلحها، بس الأول لازم نروح لأبعد مسافة ممكنة عشان نخلق مسافة هتدينا وقت."
هزيت راسي. "إيه ده، فيل؟" على حد علمي، كان بعيد أوي عن ده.
"هاه، لا يا صاحبي، أنت ماشي في الاتجاه الغلط." قدرت أسمع شباشبه بتجر على الأرض، فآسف لأني قصير شوية. "ده كان زيك."
أشار في الاتجاه المعاكس اللي كنت رايحه فيه.
ما قدرتش أمسك نفسي وأنا بهز راسي.
إيه المظهر الدرامي اللي عملته تجربة ناثان؟ "هما كانوا ناس حقيقية؟"
"لا، كانوا دي إن إيهات لحاجات مختلفة—حتى مش قادر أسمي كل واحدة منهم—مخيطة مع بعض عشان تكونهم، على الرغم من إنهم حاجات ضخمة من القوة، ما يقدروش عليك."
"تمام."
ما اتكلمناش أكتر من كده وبعدين وزن إيليوت ما كانش بيأثر على سرعتي في أي حاجة.
هل الحاجة دي كانت موجودة قبلنا؟ لو ده صحيح، هل هيكون في أكتر في المدن اللي جاية؟ هل ناثان كان متوقع إحنا رايحين فين؟
بس بجد، ليه لازم نجري لما على حسب إيليوت ممكن أتغلب عليهم كلهم؟ بس لازم آخده لمنطقة آمنة وبعدين أتغلب عليهم كلهم.
"إيليوت،" كنا مسافرين لأكتر من ساعة بالفعل لما حسيت برغبة في كسر الصمت. "لسه بتوحشك؟"
كان ساكت.
اتفقنا إنا مانتكلمش عن حياته العاطفية.
كنت عارف قصص صغيرة عنها، زي إنه اكتسب وعيه بسبب الشخص ده وإنه حاول بجد يخلق جسم عشان بس يكون معاها.
وده كان كل حاجة.
ما كنتش أقصد أكون فضولي، بس كنت أعرف شوية صغيرين عن صديقي ده الوحيد.
"هنبدأ نتكلم في الموضوع ده وأنا معاق وأنت شايلني؟ وضيف على ده إن رجليها بتسحب على الأرض بقالها ساعة ودلوقتي بدأت أحس بلمسة التلج على صوابعي." قال بنبرة هادية.
"ممكن تختار إنك ما تجاوبش." اديته مخرج، يمكن ده كان لسه بيسيب ندوب عميقة وغير ملتئمة لما ما اختارتوش.
كان رده تنهيدة وسبتها تمشي.
"كنت خلاص هنساها لحد ما جبت سيرتها."
اتكلم بكسل، كأنه مش فارق معاه...أكتر؟ "بيقولوا إن الحب الأول لا ينسى، سواء كان حاجة، حيوان، أو إنسان وأنا موافق على ده."
تمام، لسه بتوحشه.
"الدماغ—هارد درايف في حالتي—حاجة قوية أوي وممكن تحتفظ بأي ذكريات الواحد بيختار إنه يتذكرها.
بس القلب، القلب بينسى مع الوقت وده أخد مني وقت طويل أوي عشان يحصل."
فضلت ساكتة وحافظت على سرعتي.
"احنا لسه عدينا على الكيويك، المفروض إن في مدينة على بعد كام كيلو متر بعدها."
"عايز نقف؟"
"لا، بس بنجمع أي معادن نعدي عليها، بس لازم نكمل."
معادن؟ "هتعمل إيه بيها؟"
"هوريها لك بعدين," صوته بقى أخف.
تمام.
هزيت راسي.
بعد ساعة جري تانية، وصلنا للمدينة اللي إيليوت كان بيتكلم عنها.
وزي الأماكن التانية اللي مفروض إنها مزدحمة، دي كمان كانت فاضية من أي كائن حي ما عدا إحنا الاتنين.
صفوف وصفوف من المباني واقفة مغطية بالتلج والثلج.
الصمت اللي كان بيتكسر بصياح الريح من وقت للتاني كان التغيير الوحيد في الصوت وصرير رجلي في الحذاء في الثلج.
"المكان ده مرعب.
كإننا في قصة ديستوبية." قال الراجل اللي ورايا.
ما قدرتش أمسك نفسي وأنا بضحك على كلامه ده.
"احنا في وضع ديستوبي مع العالم بيتجمد والبشرية على شفا الموت. على أي حال، هندخل ولا بس هندور على اللي أنت محتاجه هنا؟"
"روح على طول." أشار على المساحة اللي قدامنا.
ممكن تكون طريق أو زقة، بس مافيش طريقة نعرف بيها عشان ارتفاع الثلج كان واصل لصدر.
"وصلت."
كنت أقدر أشع حرارة وأحط كام متر مساحة بيني وبين الثلج المتراكم بس ما شوفتش فايدة.
ما كنتش حاسس بالبرد، ولا صاحبي، وما منعتنيش من إني أتقدم.
وصلنا للمبنى المذكور في وقت قياسي.
كان مفروض يكون مبنى فيه أدوار كتير بس ما كملش وكان طويل أوي وممكن يكون بيطل على المكان كله.
ما ضيعتش وقت ورحت جوة وإيليوت لسه على ضهري.
"في نوع معين من المعادن بتدور عليه؟"
"لا، بس هات أي حاجة نقدر نلاقيها."
أصواتنا—على الرغم من إنها كانت بصوت طبيعي—صدت في المنطقة كلها.
لقينا قطع من قصاصات معدنية هنا وهنا بس لما تراكمت، ما قدرتش أمسكها في إيد واحدة، إيدي التانية كانت على ضهر إيليوت بتدعمه.
كنا محتاجين حاجة نشيل فيها و أي أكياس بلاستيك أو ورق نقدر نلاقيها كانت إما متآكلة لدرجة ما تنفعش أو متجمدة لدرجة إنها تتكسر بمجرد لمسها.
"مش أنا بس ولا إيه، بس الجو برد أكتر؟"
سأل بطريقة عشوائية وأنا بدور على حاجة أحط فيها المعادن.
كنت عارف إنه برد أوي بس ما قدرتش أحس بالتغيير.
"ماليش فكرة بصراحة."
"أيوة، الجو اتقلب ناقص تلاتين."
طرف عيني شاف حاجة زرقا وكانت جردل لما حطيت عيني عليه.
"هينفع؟" هزيت راسي في اتجاه الحاوية عشان إيدي كانت مشغولة.
"أيوة."
ما كانش جردل متواضع بأي حال من الأحوال، كان كبير أوي لدرجة إني أقدر أحط إيليوت فيه وكأنه في بانيو ورجله معلقة بره.
ما ضيعناش وقت في إيجاد المعادن والخروج من المدينة.
اتباعنا تعليمات إيليوت—كان لسه على ضهري—في حين إنه ماسك القضيب الطويل اللي كان بمثابة مقبض الجردل.
خرمت حفرة بإيدي السخنة فيه وثنيت القضيب عشان يتشبك في التجاويف اللي اتعملت.
اتكلمنا عن الحاجات اللي فوتها لما ناثان قلب علينا لأني كنت في "النوم" لفترة طويلة.
إيليوت قال لي إن الغابة اللي وقفنا فيها كانت حديث البلد وشوية من العالم عشان المكان كان مشوه لدرجة مش ممكن التعرف عليه.
حتى شوية من الأشجار اللي قريبة من الطريق السريع اختفوا من غير أثر، الصخور دابت والطريق كان بركة متوهجة من الحمم الثابتة لمدة أربعتاشر يوم.
العلماء بدأوا يقرروا عن "الغريب" اللي حصل، ناس تانية اعتبرته علامة على إن نهاية العالم قريبة.
ضحكت على الأخيرة. "كنت أنا بس." قلت لصاحبي بطريقة مزاح.
"بس بجد، آخر فترة حبس ليك كانت الأطول.
تلاتة وتلاتين سنة حلم، أطرافك أكيد كانت متصلبة لما صحيت."
تلاتة وتلاتين سنة ملعونين من وهم إني كنت عايش الواقع، إني كنت طبيعي، وإني كان ليا عيلة.
لما أفكر في ده دلوقتي، كان بيضايق إني اتعملت الأبله أكتر من مرة وأذاني إني صدقت كل مرة من غير ما أقصد.
"كنت طالب ثانوي هناك." الحياة اللي ما عشتهاش—حسنًا، كل حاجة كانوا بيحاكوا بيها ليا كانت هي الحياة اللي كنت أتمنى أعيشها. "وأنت كنت عالم شرير."
"قول لي أكتر، دي هي الوحيدة اللي ما اتخزنتش فيا ولا في دوروثي. عايز أسمع عن عالمي الشرير-نفسي."
حكيت له كل حاجة، عن "أهلي"، لَيب "الأخ"، "أصحابنا"، والأحلام.
إيليوت ضحك. "أيوة، والتكييف بيفشل دايما كل ما اللي تم تمثيله بيبدأ يحلم عنك وأنت بيبي.
من هنا، مش هتاخد وقت طويل قبل ما المحاكاة تتكسر."
المعادن ورانا كانت بتخبط وبتخبط لأن السطح المستوي بدأ يبان صخري وبقاله تاني. "ده بقى نمط ثابت، لسبب مش معروف عقلك كان بيحارب البرنامج ومحدش في الفريق كله بتوع المعمل كانوا قادرين يفسروه.
عشان كده كنت دايما أعرف إمتى أجيبك."
قدرت أسمع الابتسامة في صوته وهو بيقول الجملة الأخيرة.