اثنان
حلمت بأطول حلم. كان عني وأنا منسدحة على أنعم سرير، موسيقى كلاسيكية ناعمة شغالة في الخلفية، بس فيه برودة غريبة تلسع جلدي زي وخز إبر صغيرة فجأة.
"بدأت تفوق. جهزوا المهدئ." هو ولد ولا بنت؟ عقلي كان ملخبط ومش عارفة السبب.
فتحت عيوني على الضوء الساطع، كان فيه حركات مش قادرة أفهمها، أصوات خلت عقلي يلف. سمعت تنهيدة، ياترى أنا؟ ما كنتش أعرف، عشان استسلمت غصب عني للهدوء والسلام المفاجئ اللي غطاني.
في حلمي، اتغير المشهد لمكان تاني كنت فيه مع عيلتي في حمام سباحة في مكان ما. السما كانت زرقا وصافية والشمس بتلمع بفخر فوقنا.
"خمس درجات مئوية زيادة," سمعت أبويا بيقول وهو بيشرب عصير ليمون. لما عيونا تقابلت، ابتسم لي وأمي قالت له، "ثمانية وتسعين درجة مئوية."
غريب إني شايفة وشوشهم، بس في نفس الوقت مش قادرة؟
كنت في حمام سباحة منفصل عنهم وحسيت المية اللي في حمامي بتدفي. كانت مريحة؛ الدفا، كان زي أحلى أكل، أحلى حلوى، وكنت عايزة أكتر.
"حطها على مية وعشرين," أبويا قال لـ عصيره.
"علامات حيوية مستقرة. درجة حرارة الجسم بتزيد." أمي ردت بطريقة آلية تقريبا.
كان فيه حاجة غلط في السيناريو ده. ليه بيتكلموا عن درجات وعلامات حيوية؟ ده ما يركبش مع بعضه. كشرت وأنا بحس إني بدفي أكتر.
عيني لقطت أخويا وهو بيرمي حاجة شكلها فريسبي. كان مبتسم وبيشاور لي.
"كملوا زيادة درجة الحرارة." كان بيزعق ده—كأنه كدة—بس طلع هادي وعالي، عالي أوي، كأنه جنبي بالظبط—
فتحت عيوني واتقابلت مع وضوح كل حاجة فجأة. أبيض، أول حاجة خطرت على بالي. حسيت إني قادرة أشوف كل حاجة عشان كانت منورة وواضحة أوي. لو ده لسه حلم أو حقيقة، ما كنتش أعرف.
كان فيه ناس، لابسين أبيض، وبيراقبوني.
"مئتين درجة مئوية وبتزيد." جه صوت مكتوم. ما كنتش أعرف مين فيهم اللي قاله عشان كانوا لابسين أقنعة جراحية.
ده حسيت إنه مألوف، كأني كنت هنا قبل كدة.
الرعب بدأ يدق قلبي وأنا بتذكر الحلم. حاولت أحرك إيدي بس ما كانتش بتطيع، حتى عيني كانت متجمدة في مكانها.
"معدل ضربات القلب بيزيد، درجة حرارة الجسم مئتين وخمسين درجة مئوية." صوت تاني.
واحد منهم قرب مني وإيدين لابسة قفازات بيضة اترفعوا كأنهم بيسلموا.
"لسة قدامنا طريق طويل. حطوها في النوم وكملوا الملاحظة."
كان ده آخر حاجة سمعتها قبل ما أتنقل لحلم تاني.
"عمرك فكرت تبقى ميكانيكي زي أبوك؟" سأل **لييب** فجأة.
كنا قاعدين على بنش خشب طويل، الإطار الحديد بتاعه الغامق كان تناقض صارخ مع الخشب المبيض اللي مالى الحاجة. مسند إيدي في ناحيتي شكله شاف أشد أمطار وأحر طقس ممكن الطبيعة تقدمه.
بصيت لـ **لييب** اللي كان بيبص لفوق للشمس اللي نورها مش طبيعي. "ليه بتسأل كدة فجأة؟ أنت عارفة إني عايزة أكون زيه."
بصيت لقدام، موج البحر اللي بيوصل للشط كان موسيقى للأذن. كنا على جرف، بنتفرج على النوارس وهي بتغطس وبتطلع في الهوا.
"طيب، أنت سيئة في تصليح الحاجات، دي واحدة، بس أنت مهووسة بالعربيات قوي." حامى عينيه من أشعة الشمس. "أنت أحسن مني فيها على أي حال. أنا عايز أكون دكتورة بس ماما وبابا عايزين حاجة مختلفة."
كشرت لده. أهلنا بيدعمونا تمام في الحاجات اللي عايزين نحققها، و**لييب** ما كانش عايز يكون دكتور، كان عايز يمشي على خطى أبويا في تصليح وسباق العربيات. كان عايز ينجح ورشة أبويا.
"إيه اللي بتقوله؟" ضحكت. الهوا داعب شعري وهو بيعدي. "عمرهم ما قالوا أي حاجة عن دخول المجال الطبي—"
ما لحقتش أكمل اللي كنت عايزة أقوله عشان هو فجأة وقف ومشي لحافة الجرف.
"يبقى لازم أموت دلوقتي. عمري ما كنت أستاهل، يا **كات**."
في لحظة، كنت جنبه، ماسكة في إيده. "لا!"
"**كات**," صوته بدا يزداد جنون بس ما سحبش إيدي. "**كات**! **كات**!" إيده التانية مسكت كتفي وهزني. "اصحي!"
صوت **لييب** علي وأعلى لحد ما اتشديت بعيد عن أي حاجة كانت مشغلة عقلي.
لما فتحت عيوني، كانت بتلسع بس عرفت الشكل المشوش لـ أخويا. "**لييب**." عيوني دمعت أكتر وأنا بحس بحرقان حلقي.
"أنت كويسة، يا أختي الصغيرة، أنت كويسة." صوته كان مرتاح لسبب ما فهمتهوش. "فيه حاجة بتوجعك؟"
خوفا من إني أجرح حلقي وأحس بالألم، هزيت راسي بس.
"هشيلك، أوك؟"
هزيت راسي.
"حطي إيديكي حوالين رقبتي."
هزيت راسي. إيه اللي حصل بالظبط؟
تذكرت آخر الأحداث اللي كنت فيها مع أخويا. خسرت رهان وبعدين **لييب** خدني معاه نتمشى كعقاب، وبعدين جت **أبريل**. بعدين، اتكلمنا وبدأنا في الحديقة. فين **أبريل**؟ هل راحت البيت؟
**لييب** كمل و شالني في إيديه وأنا لفيت إيديا ببطء حوالين رقبته.
هل أغمى عليا؟ كنت هموت وأعرف، فجمعت لعاب في فمي وبلعته، على أمل أخفف جفاف حلقي. "إيه اللي حصل؟ فين **أبريل**؟" صوتي المبحوح طلع ميت في وداني.
"مش عارف فين **أبريل** دلوقتي ومش فارق معايا في اللحظة دي. الحمد لله إنك بخير، يا **كات**. لك أربعة أيام مختفية."