الفصل 19
من وجهة نظر [XAVIER]
الرعد اللي بيوجع الودان فضل مستمر برا، طول الوقت، و أنا سمعت نغمات السما بتطيح على مدينة سيلفرستون كلها. عقلي راح شوية لورا، لما شفتي الهدوم المتبعترة مفرودة على الكنبة.
بشكل مفاجئ جدًا جدًا، حسيت بغضب معرفش إيه هو بيجري في كل عقلي بسبب الفكرة دي. بالمنطق، دي حاجة تخصها هي بس، بس عقلي اللعين مالقاش أي منطق يخليني أبطل أتضايق من غير سبب.
لما هي فضلت تزعق و تحكي بجدية عن الموقف كله، و إن يمكن صحبتها المقربة عملت حاجة مع حد هنا، عقلي ارتاح لا شعوريًا، زي ما تكون الدنيا مطرت بعد يوم صيف حر ناشف. هي كانت صادقة في شرحها اللي هدى قلبي الغضبان بسرعة.
قعدت على الكنبة قبل ما أبص من الشبابيك الشفافة. المطر بدأ تاني ينزل بغزارة، بيغرق الأوراق الجديدة للشجر اللي قريب. سمعت صوت خفيف لأدوات المطبخ بتخبط في بعضها، و بصيت عليها لا شعوريًا في طريقها.
شخصيتها المتوترة كانت بتجري في كل حتة في المطبخ، و بتحاول تشتغل بأسرع ما يمكن.
صرخت فجأة لما كادت تسقط السكينة من إيدها،
"يا آنسة [Young]، متتوتريش كده. أنا مش مستعجل، على فكرة."
وقفت قبل ما تبصلي بنظرة مستغربة، و هزت راسها شوية. ضحكت في سري على شكلها المصدوم، و استندت على الجلد الناعم للكنبة.
عيني اتجولت في شقتها اللي في النص، اللي فيها تلات أوض. الديكور الداخلي مكنش فخم زيي، بس شكله مودرن و مغري. أوضة الضيوف كان فيها طقمين كنب جلد صناعي، و ترابيزة قهوة في النص، و تلفزيون إل إي دي ٥٢ بوصة متعلق على الحيطة اللي قدام. الحيطة كان عليها رومات مختلفة، معظمها مناظر طبيعية، عشان كده افترضت إنها ممكن تكون بنت بتحب الطبيعة.
لما فوقت من أفكاري النصابة، سمعت خطواتها الهادية و الحذرة جاية ناحيتي، و هي ماسكة مج قهوة بتوتر. حطته على الترابيزة قدامي، و عرضته عليا بنبرة احترافية،
"جرب! أنا مش كويسة زي الشيف بتاعك على فكرة. أمم.. لازم أغير هدومي. هارجع بعد دقيقة."
هزيت راسي شوية قبل ما أمد إيدي عشان قهوة الإسبريسو. شفتيها بترجع بسرعة و بتجري جوة أوضة نومها، و أنا قومت من مكاني، ناوي أشوف قطرات المطر بتنزل من قريب. و أنا ماشي على أطراف صوابعي جنب باب الأزاز الشفاف، شربت القهوة السخنة و أنا مسترخي بسلام، بس في اللحظة اللي بعدها، سمعت حاجة غير متوقعة، و اللي عمري ما تخيلتها، و لا حتى في كوابيسي.
صوت صغير و غريب صدّي من ضهري، و خلاني متجمد تمامًا في مكاني،
"مامي.. مامي.. رجعتي.. متطفل.. فيه متطفل في بيتنا..."
شرقت في قهوتي بعنف، و كدت أحرق شفايفي من السخونية بعد ما كحيت بصوت عالي. وشي بقى حامض، و بائس بشكل لا يصدق، و حوّلت نظري لورا آليًا.
هي عندها طفل هنا؟ هي متجوزة و لا أم عزباء؟
لما الأفكار الغامضة دي خلصت في عقلي، تجولت بنظري حولين المكان بشك عشان اكتشف مصدر الصوت ده. كنت حاسس بأعصابي بتتوتر بافتراضات، و كل نانو ثانية بتعدي.
إيه لو عندها طفل؟ هل ده يفرق معايا؟
مكنش يهمني أبداً، و عيني بتدور على الصغير ده بشدة. في اللحظة اللي بعدها، بقي فمي مفتوح من الدهشة لما شفتي الروبوت الصغير بتاع البيت بيكرر أوامره، واقف على مسافة بعيدة عني.
ضحكة فظيعة، أو ممكن تقولوا ارتياح، هربت من شفايفي، بس الروبوت الصغير بدأ يتحرك للأمام بتهور، زي ما أكون مقامر. ابتسامتي اختفت بسرعة أول ما لاحظت إن ضهره اتفتح، و كان بيوجه سكينة ناحيتي.
اتصدمت، اتخدرت للحظة، قبل ما أحاول أوقفه بجدية،
"لا.. لا.. استني.. هي.. يا روبوت.. أنا مش متطفل. صاحبة بيتك تعرفني."
يا خرااابييي! مش بيسمعني!
لما قرب أكتر، و أنا بدأت أترنح لورا، باب أوضة نومها اتفتح فجأة زي بركان انفجر. صوتها العالي ارتد ضد الجاذبية، و هي بتزعق في روبوت بيتها بشكل لا يصدق،
"إيه ده؟ طماطم متوترة؟ تعال هنا! ده مديري، يالهوي!"
بشكل مفاجئ، الروبوت وقف في نص الطريق فجأة قبل ما يقبل أمرها، و عبر عن اعتذاره بصوته المعدني،
"طماطم متوترة آسف.. طماطم متوترة آسف."
تجاهلت كلامه و صرخت زي أم غضبنة للروبوت بشكل مضحك،
"ارجع جوة أوضة النوم. متجيش برا."
الروبوت رجع بسرعة جوة أوضة نومها، و هو بيحك جسمه على الأرضية الباردة الحجر، و قفل الباب بطاعة بصوت كتم. شكلها ارتاح و هي بتعتذر و بتمشي ناحيتي بصدق،
"أنا آسفة على كده، يا سيد الرئيس. معرفكش و فكرك متطفل. أنا بجد بعتذر."
لوحت بإيدي بلامبالاة و رديت بضحك خفيف،
"أتفهم، يا آنسة [Young]. مفيش مشاكل! على أي حال ليه بتخلي روبوت في البيت؟ عندك شغف غريب قوي."
بدت متوترة شوية قبل ما تتكلم،
"في الحقيقة دي هدية من صحبتي المقربة، و هي قصداً عملت البرنامج بتاعه زي طفلي. عشان كده بيكلمني مامي."
ضحكت على كلامها بصوت عالي و وشها احمر من الإحراج. لما حولت انتباهها لترابيزة القهوة، لعنت بصوت عالي،
"يا لهوي! القهوة بتاعتك بردت. خليني أعمل واحدة تانية ليك."
و هي بتقول كده، رجعت بسرعة جوة المطبخ، و سابتني بضحك بصوت عالي على روبوت بيتها و دراما صحبتها الغريبة.
البنت دي مثيرة للاهتمام!
و هي بتنفس شوية نفس مرهق، قعدت على الكنبة براحة و أنا مستني قهوة سخنة تانية. المرة دي، عملتها بسرعة قبل ما تقدمها ليا تاني مع شوية بسكوت.
غيرت هدومها و ظهرت منعشة. و هي بتقدملي القهوة السخنة، قعدت قصادي من غير ما تنطق بكلمة.
أخدت رشفة حذرة و حسيت بإحساس طاغي. لازم أقول إن إيديها مفيدة زي موهبتها. السكر كان مثالي حسب تفضيلي، و مطعمش وحش.
و أنا بحول نظري على وشها، لقيتها بتبصلي بشكل محرج. حطيت الكوباية بهدوء و سألت بعد ما تجولت بنظري حولين الشقة الفاضية،
"أنت عايشة هنا لوحدك؟"
هزت راسها قبل ما ترد رد مختصر،
"أيوة!"
همهمت ببرود و سألت تاني عشان آخد رشفة تانية من قهوتي اللذيذة،
"أهلك فين؟
عايشين في المدينة دي برضه؟"
وشها غرق على طول، و ندمت في سري لأني سألت كتير. بسرعة، استعادت هدوئها اللي كان الأول، و جاوبت و هي بتبص لفوق،
"ماتوا! تربيت في دار أيتام لحد ١٣ سنة."
استنيت شوية قبل ما أشوف إن شكلها لا مبالي. في العادة أي حد هيكون زعلان و هو بيحكي ماضيه المؤلم، بس البنت اللي قدامي كانت مختلفة تمامًا. ردت عليا زي أي قصة عادية، و فضولي ولع زي الكهربا.
برضه قلت العبارة الأكثر شيوعًا،
"أنا آسف إني جرحت مشاعرك."
بصت في عيني بعمق لحد ما بقوا أعمق و أعمق، و دوامة مالهاش نهاية، مليانة ألغاز كتيرة غير قابلة للحل. قلبي دق فجأة، شعور معرفش إيه هو، و اللي عمري ما حسيت بيه لحد مع حد قبل كده بعد ما بصيت في عينها.
إيه هي المشاعر المجهولة دي؟ هل كنت حاسس بشفقة ناحية حياتها و لا حاجة تانية؟
أحيانًا المشاعر مبتتسألش! كل ما تفكر، كل ما تحس إنك مالكش فايدة.