### الفصل 3 ** مقبرة الساتان **
[[ مِنْ وِجْهَة نَظَر آيْرِس ]]
وَقَفْت عِند البَاب بِصَبْر وَعَينِي مُتْعَلِّقَة فِيه مِثْل الغِرَاء. الْحُرَّاس اللِّي كَانُوا لَابْسِين بَدَل رِئَاسِيَّة كُلّهم وَجْوههم بَارْدة وَآلِيَّة كَأَنَّنَا فِي سِجْن.
أَخَذْت نَفَس تَنَفُّس عَمِيق ثَانِي وَدَوَّرْت عُيُونِي حَوَالَيْ لِأَجِد شَيْء وَأَقْضِي وَقْت فَرَاغِي بِه. فَجْأَة انْفَتَح البَاب وَعَدَلْت ظَهْرِي فَجْأَة قَبْل مَا أَرْفَع رَأْسِي وَأَنَا أَنَاظِر.
السَّيِّد سكُوت كَان وَجْهه بَارِد وَتَعْبِيرَات لَا تَنُقْرَأ، خَلَّانِي أَتَحَرَّك فِي مَكَانِي بِضِيق.
خَطَوَات كَبِيرَة قُدَّامِي، أَمَرَ يَنَاظِر مِنْ خِلَال عُيُونِي بِحَزْم،
"ادْخُلِي جُوَّا. السَّيِّد الرَّئِيس مُسْتَنِّيكِ."
هُزِّيت رَأْسِي إِيجَابًا، وَبَعْد كِدَّة سَمِعْتِه بَيْقُول بهدوء:
"كُونِي عَلَى طَبِيعَتِك يَا آيْرِس. أَنَا أَعْرِف السَّيِّد الرَّئِيس. طُول مَا أَنْتِي لَا تَحَاوَلِي تِكُونِي وَاثِقَة زِيَادَة عَنْ اللُّزُوم أَوْ تِتْصَنَّعِي إِنَّك شَيْء خَاصّ وَأَنْتِي مُش كَدَا، رَاح تَعْدِي الْمُقَابَلَة. اسْتَخْدِمِي مُخَّك الْحَادّ."
نَاظَرْت فِي عُيُونِه عَمِيقًا قَبْل مَا أَهْز رَأْسِي خَفِيف وَدَخَلْت جُوَّا الْمَكْتَب.
طَقَّيت خَبْطَتَيْن خَفِيفَتَيْن عَلَى الْبَاب عَلَى التَّرْتِيب، وَجَانِي رَدّ بَارِد سَرِيع:
"ادْخُلِي."
أَخَذْت نَفَس تَنَفُّس عَمِيق ثَانِي قَبْل مَا أَدْخُل عَلَى الْأَرْضِيَّة الْمُغَطَّاة بِالسَّجَّاد وَدَخَلْت بِسُرْعَة. بِمُجَرَّد مَا دَخَلْت، فَمِي اتْفَتَح مِنْ الذُّهُول وَأَنَا أَنَاظِر الزِّينَة حَوْل الْغُرْفَة.
الْمَكْتَب كُلُّه كَان مُزَيَّن بِشَكْل جَمِيل أَوْي، لَدَرَجَة أَنّ الْوَاحِد يُمْكِن ياخُذ لَحْظَا كَامِلَة عشان يستمتع بِفَخَامِتِه. حَتَّى الْوَرْد اللِّي فِي الْفَازَة كَان فِرِش وَطَالِع مِنْه رَائِحَة حِلْوَة فِي مَنَاخِرِي. لِلَحْظَة، ضِعْت فِي الْجَمَال.
طَيَّرْت أَفْكَارِي بِقُوَّة، نَظَرْت لِلْوَرْا وَجَانِي وَجْهه بِلَا تَعْبِير.
عُيُونِه الزَّرْقَا كَانَت مُرَكَّزَة عَلَى شَاشَة الْكُمِبْيُوتَر، وَهُو بَيِكْتُب عَلَى لَوْحَة الْمَفَاتِيح بِمَهَارَة وَهُو بيضغط بأظافِرُه الرَّفِيعَة بِشَكْل مُنْتَظِم.
صَفَّيْت حَلْقِي بِتَرَدُّد وَأَنَا أَقْتَرِب وَأَعَرِّف نَفْسِي:
"أَهْلًا يَا سَيِّد الرَّئِيس. أَنَا آيْرِس يُونْغ، السَّيِّد سكُوت أَمَرَنِي أَدْخُل."
رَدّ بِاخْتِصَار وَهُو لِسَّه بَيِضْغَط عَلَى لَوْحَة الْمَفَاتِيح:
"اقْعُدِي، يَا آنِسَة يُونْغ."
سَحَبْت كُرْسِي وَقَعَدْت فِي مَكَانِي بِطَاعَة وَأَنَا لِسَّه بَاصّ لِوَجْهه الْبَارِد. بَعْد شَوِيَّة، وَقَّف كِتَابَة عَلَى لَوْحَة الْمَفَاتِيح وَحَوَّل عُيُونِه الزَّرْقَا عَلَى وَجْهِي الْمُعَقَّد.
اتْذَكَّرْت النَّصَايِح اللِّي كَان عطاهالي السَّيِّد سكُوت، وَأَنَا بَنَاظِر فِيه بَجَاحَة عَلَى الرَّغْم مِنْ أَنّ قَلْبِي كَان بيقفز لَمَّا بَاصّ فِي الْعُيُون الْغَامِضَة دِي.
تَعْبِيرَات وَجْهه بَقَت مُتَغَيِّرَة شُوَي وَهُو بَيِسْأَل وَهُو قَاعِد مُسْتَقِيم وَبَيَنَاظِر فِي وَجْهِي:
"قُولِي لِي سَبَب وَاحِد يَا آنِسَة يُونْغ، لِيه أَنَا أَوَظِّفَك مِنْ بَيْن كُلّ السِّتَّات الْمَوْهُوبَات؟"
جِسْمِي اتْجَمَّد شُوَي، لَكِنّي اسْتَعَدْت رُشْدِي بِسُرْعَة وَأَنَا بَأَرُدّ وَأَنَا بَأَبْتَسِم:
"عَلَى لِأَنّي مَوَهُوبَة فِي كَثِير مِنَ الْمَجَالَات."
تَعْبِيرَات وَجْهه اخْتَفَت وَحَوَاجِبُه ارْتَفَعَت بِطَرِيقَة مُضْحِكَة، وَاسْتَمْرَيْت أَنَاظِر فِيه بِشَكْل رَجُولِي:
"أَنَا خَبِيرَة فِي عُلُوم الْكُمِبْيُوتَر، الْأَدَب، وَالْبَرْمَجَة. غَيْر كِدَا، عِنْدِي مَعْرِفَة مُخْتَصَرَة فِي أَسْهُم الْأَعْمَال وَالشُّؤُون السّيَاسِيَّة. بِالتَّالِي مش حَتْضَطِرّ تَدَوَّر عَلَى نَاس مُخْتَلِفَة عشان تَسَلِّمُهُمْ الْمَهَامّ اللِّي انْتَ عَايِز تَعْمَلْهَا فِي الْجَوَاب دِي. تَقْدَر تُسَلِّمُهُمْ لِي بِسُهُولَة عشان أَنَا دَايْمًا حَاكُون مَعَاك. بِمَعْنَى آخَر، مش حَتْضَطِرّ تِضَيِّع فُلُوس زِيَادَة عَلَى النَّاس التَّانِيَّة. اشْتَرِي وَاحِدَة وَخُد كُلّ شِي فِرّي."
هُزّ رَأْسِه شُوَي وَأَنَا بَأَرُدّ وَأَنَا حَاطِط كُفُوفِي عَلَى الْمَكْتَب:
"مَعْقُول كِتِير. عِنْدِي سُؤَال وَاحِد أخير لَكِ."
هُزِّيت رَأْسِي وَقُلْت: "أَكِيد."
تَنَهَّد بِهَدُوء وَسَأَل وَهُو مَخَلِّي عُيُونِه عَلَى وَجْهِي كَأَنُّه كَان بَيِحَاوِل يَقْرَأ كُلّ مَشَاعِرِي:
"لَوْ فِي يَوْم مِنْ الْأَيَّام، أَنْتِي وَأَنَا وَقَعْنَا فِي خَطَر مَع بَعْض، مِين اللِّي رَاح تِنْقَذِي أَوَّل لَوْ طَلَب مِنْك تِنْقَذِي مَا بَيْنَك وَبَيْنِي؟"
أَخِيرًا وَقْتِي جِه عُشَان أَقَدَّر أَغَيِّر قَلْبِه الْبَارِد!
أتَذَكَّرِي دِي، لَوْ أَنْتِي هِنَا عشان تِلْعَبِي مَع وَاحِد كَبِير، اسْتَنّي لِلْوَقْت الْمُنَاسِب عشان تَغَيِّر قَلْبِه لَمَّا يَلْقَاكِ مُخْتَلِفَة.
طَيَّب، دَه اللِّي اتْعَلَّمِتُه مِنْ شَخْص مُعَيَّن كَان بَايِظ دُونِي.. يِمْكِن..
ابْتَسَمْت بِخِفَّة وَأَنَا بَانَاظِر فِي نَظَرَاتِه الْمُخِيفَة:
"طَبْعًا، نَفْسِي يَا سَيِّد الرَّئِيس."
تَجَعَّد خَفِيف مِنَ الِارْتِبَاك ظَهَر عَلَى وَجْهه الْوَسِيم كَأَنُّه مُش جَاهِز إنُّه يَسْمَع الْإِجَابَة دِي الْمُفَاجِئَة. لَكِنّي كَمِلْت وَأَنَا خَافِيَه عَلَى هُدُومِي مِن فَوْق فَخَايْر:
"فِي الْأَوَّل، أَنَا مُش حَارِسَك الشَّخْصِي اللِّي مَسْؤُول عَنْ تَأْمِين سَلَامَتَك. حَأَكُون سِكْرِتِيرَتَك وَيَد مُسَاعِدَة. بِلَا شَكّ أَي وَاحِد حَايَخْتَار حَيَاتِه هُوّ أَوَّل لَوْ مَاشِي .."
سَكَتّ شُوَي عَمْدًا عشان أَشُوف تَعْبِيرَاتِه اللِّي كَانَت مُظْلِمَة وَضَايْفِت عَمْدًا:
"تَقَع فِي الْحُبّ. عشان فَقَط فِي الْحُبّ الْحَقِيقِي، النَّاس بيخْتَارُوا حَيَاة شَرِيكَهُمْ قَبْل حَيَاتِهَا."
خَلَّصْت كَلَامِي وَنَظَرْت فَوْق مُسْتَنِّيَة رَدّه يَخْرُج. تَعْبِيرَاتِه بَقَت مُرْتَبَكَة وَلَا تُقْرَأ وَهُو بَايِصّ فِي وَجْهِي بِفَرَاغ.
صَرَف نَظَرُه عَنِّي وَقَام مَاشِي قُرَيْب مِنَ الْإِزَاز الشَّفَّاف وَهُو بَايِصّ غَيْر وَعِي وَبَأَارُدّ:
"يُمْكِنْك تروحي وَتُبَلِّغِي نَفْسَك لسكُوت. مِنْ الْيَوْم دَه وَرَاح، أَنْتِي سِكْرِتِيرَتِي. رَاح يَدِّيك تَعْلِيمَات أكتر عَن جَدْوَل عَمَلَك."
مَاعَرَفْت أُضَيِّع وَقْتِي أَكْتَر، لِذَا كُنْت مُحَظُوظَة بِالْفِعْل كَافِي عشان أَعْدِي الْمُقَابَلَة. ادِّيت تَحِيَّة احْتِرَام وَدُرْت وَأَنَا مَاسِك مَعَايَا مُعَدَّاتِي. بِمُجَرَّد مَا خَرَجْت، عَقْلِي الْقَلِق تَنَفَّس تَصْعِيدَة رَاحَة طَوِيلَة لَا إِرَادِيًّا.
قَضَّيْت الْيَوْم كُلُّه بِس فَهْم شُغْلِي تَحْت تَوْجِيه السَّيِّد سكُوت. بَعْد كِدَّة وَدَّانِي أَقَابِل موظفين الْمَكْتَب اللِّي كُلُّهُمْ كَانُوا بَيِبَانُوا كَإِنَّهُمْ رُوبُوتَات بَائِسَة بِدُون مَا يِبْتَسِمُوا أَوْ يَتْكَلَّمُوا. اتْسَأَلْت إِذَا كَان مَمْنُوع أَنْ نَضْحَك فِي الْمَكْتَب؟
بَعْد سَاعَات قَلِيلَة، رَأْسِي تَقْرِيبًا بَدَا يِدُور مِثْل الْعَجَلَة لَمَّا السَّيِّد سكُوت شَرَح لِي كُلّ شِي. مِن مَعْرِفَتِي، فَكَّرْت إِنّ السَّيِّد الرَّئِيس الْوَسِيم دَه بَايَمْلِك مُلْكِيَّات مُخْتَلِفَة فِي كُلّ مَكَان فِي الْوِلَايَة وَمُعْظَمَهَا مِنَ الْمَنَاطِق الْغَالِيَة.
تَعْجَبْت هُوَ حَايِعْمَل إِيه فِي الْمُلْكِيَّات دِي؟ هُوَ مَاعِنْدُهوش صَحْبَة يَجْنِين. .
طُول الْيَوْم، مَاقَابَلْت السَّيِّد الرَّئِيس. لَمْدَقِيقَة، لِذَا مَا اتْعَيَّنْت رَسْمِيًّا. شُغْلِي الْحَقِيقِي حَايِبْتَدِي مِن بُكْرَة مُبَاشَرَة مِن شَقَّة السَّيِّد الرَّئِيس.
بَعْد يَوْم مُرْهَق، وَصِلْت عِنْد شَقَّتِي حَوَالِي السَّاعَة 7 مَسَاءً. فَاتَحْت الْبَاب وَعَلَى طُول تَرْحِيب بِصَوْت ابْنِي الْمِيكَانِيكِي.
مَامَا فِي الْبَيْت.. مَامَا فِي الْبَيْت..
طَمَاطِم مُتْوَتِّر قَالَهَا بِصَوْت عَالِي وَهُو بِيِجَرّ جِسْمِه الْفُولَاذِي مِنْ حُجْرَة نَوْمِي. ضَحِكْت مُتَسَلِّيَة وَأَنَا بَاخْرُج مِنْ الْكُعُوب الْعَالِيَة وَبَأَفْرَك أَصَابِع قَدَمِي الْمُوجُوعَة بِرِقَّة.
أَنَا بِكْرَه الْكُعُوب الْعَالِيَة. هِيَ بَس بَتَدِّينِي قَدْر زِيَادَة مِنَ الْأَلَم!
اقْتَرَبْت قُرَيْب مِنَ الْكَنَبَة وَعُيُونِي وَسِعَت عِنْد الْمُعَدَّات الْمُعَلَّقَة مِنُّهَا. رَفَعْت سُتْيَان الدَّانْتِيل مِنْ الْكَنَبَة، وَعَلَى طُول فِهِمْت مِين هُوّ الْمَالِك لِأَنّي بِأَحْكُم عَلَى شَكْلِه.
وَجْهِي اسْوِدّ مِنْ الْغَضَب وَأَنَا بَأَوَبَّخ طَمَاطِم مُتْوَتِّر مِنْ وَرَاي:
"يَا طَمَاطِم، مَاحَذَّرْت دَايْزِي إِنَّهَا مَا تِدْخِل صَاحِبِهَا الْمُشِّمْشِي جُوَّا بَيْتِي؟"
يَجْنِين! يِمْكِن كَانَت دَايْزِي اللِّي عَامَلَت حُبّ عَلَى الْكَنَبَة مَع صَاحِبِهَا الْمُشِّمْشِي. هُوّ بَسّ مُكْوَِر وَدَائِرِي.. كَيْف بيتقابلُوا!
فِي الرَّدّ، طَمَاطِم كَرَّر الْعِبَارَة بِاسْتِمْرَار:
"دَايْزِي قَفَلَت طَمَاطِم جُوَّا حُجْرَة النَّوْم. دَايْزِي قَفَلَت طَمَاطِم جُوَّا حُجْرَة النَّوْم."
هَزَّيْت رَأْسِي بِيَأْس وَرَمَيْت هَذِي الْكَلَامِيش وَالسُّتْيَان بَعِيدًا عَن الْكَنَبَة. اسْتَقَرَّت عَلَى الْكَنَبَة بِرَاحَة، فِيمَا عَرَض لِي طَمَاطِم كَأْس مَيَّة.
فَرَكْت صُدْغِي الْمُوجُوع قَبْل مَا أَشْرَبَه بِسُرْعَة. بَعْد كِدَّة أَخَذْت دُشّ فِرّي وَاسْتَلَمْت طَعَامِي الْمَطْلُوب مِنْ وَلَد التَّوْصِيل.
بِحُلُول الْوَقْت، خَلَّصْت أَنْشِطَتِي الرَّوْتِينِيَّة، وَكَان حَوَالِي السَّاعَة 10 مَسَاءً. بَدَيْت أُشَاهِد الْبَرَامِج التِّلِيفْزْيُونِيَّة، وَفَجْأَة وَقَعْت عُيُونِي عَلَى تِلِيفُونِي وَأَنَا لِسَّه بَأَكُل مِنَ الشِّيبْس.
قَلْبِي اتْوَلَع شُوَي عِنْد الْفِكْرَة الْمُفَاجِئَة دي لِلْكَلَام مَعَاه. حَاوَلْت أَمْسِك أَفْكَارِي مَع عِلْمِي بِالنَّتِيجَة، لَكِنْ فِي النِّهَايَة، أَخَذْتَه.
بَضْغَط عَلَى التِّلِيفُون، وَفِي النِّهَايَة اتْصَلْت بِالرَّقَم لَمَّا تَنَفُّسِي كَان بيتحبس مِنْ الْخَوْف. التِّلِيفُون رَنّ لَكِنّ مُش حَدَا رَدّ.
حَسِّيت بِخَيْبَة الْأَمَل وَسَعَادَة فِي نَفْس الْوَقْت لِعَدَم اتِّصَال التِّلِيفُون. شَفَايْفِي تَشَكَّلَت بَعْد كِدَّة ابْتِسَامَة مُرَّة قَبْل مَا أَجُرّ جِسْمِي الْمُتَوَتِّر جُوَّا حُجْرَة نَوْمِي.
دَفَنْت رَأْسِي فِي الْوِسَادَة النَّاعِمَة، وَبَعْد فِتْرَة وِثِيقَة دَخَلْت فِي نَوْم عَمِيق.
مَاعِرْفِيتش كَم سَاعَة كُنْت نَائِمَة. لَمَّا صَحِيت مِن كَابُوسِي وَأَنَا بَأَصْرُخ بِصَوْت عَالِي مِثْل طِفْلَة صَغِيرَة، كُنْت حَاسَّة بِخَنْقَة قَبْل كِدَّة.
عُيُونِي حَوَّلَت لِلْحَوَالِ اللِّي كَانَت بَتِطِير فِي الْهَوَاء جِدًّا. الرَّعْد ضَجّ فِي السَّمَا وَهُو بَيِرَحِّب بِآلَاف قَطَرَات الْمَطَر اللِّي كَانَت بَتُمرّ عَلَى شُبَّاكِي الْمَفْتُوح نِصْف.
ثَبِّتّ سُرْعَة تَنَفُّسِي، شِلْت الْبُطَّانِيَّة مِنْ جِسْمِي قَبْل مَا أُقْتَرِب مِنْ الشُّبَّاك.
كَان يَوْم مَطَرِي آخَر زِيّ تِلْك اللَّيْلَة!
رُؤْيَتِي انْفَجَرَت مَع بَعْض الذَّاكِرَات غَيْر السَّارَّة اللِّي كَانَت مَدْفُونَة فِي قَلْبِي. دَمْعَة وَقَعَت مِنْ طَرَف عُيُونِي لَمَّا صَوْتِهَا الصَّارِخ خَرَق ذَاكِرَتِي..
آيْرِس، اُجْرِي... اُجْرِي.. يَا آيْرِس...! أَنْتِي الطِّفْلَة الْأَشْجَع، اتَذَكَّرِي! اُجْرِي...! لَا تِلْتَفِتِي، اُجْرِي...!
هَذِه الْأَصْوَات وَقَفَت جُوَّا رَأْسِي وَأَنَا بَأَمْسِك بِصُعُوبَة.
عَقْلِي مَافِيهوش هُدُوء وَأَنَا أَمْشِي عَلَى الدُّولَاب عشان أَلَاقِي مِعْطَف الْمَطَر. كُنْت مُحْتَاجَة أَلْقَى سَلَامِي الْدَّاخِلِي وَهَذَا الْمَكَان فَقَط كَان يَقْدِر يِدِّينِي سَلَام...
سَلَام.. هَذَا هُوّ اللِّي كُنْت بَأَدَوِّر عَلِيه فِي كُلّ السِّنِين دِي...!
بِالَّهُجَة فِي مِعْطَف الْمَطَر، رَفَعْت الْقَلَنْسُوَة عشان أَغَطِّي وَجْهِي قَبْل مَا أَتَوَجَّه لِمَكَانِي الْمُعَيَّن.
بَعْد نِصْف سَاعَة، وَصِلْت أَخِيرًا عِنْد مَقْبَرَة سَاتِين وَأَنَا بِأَتْجَاهِل الْمَطَر الْغَزِير اللِّي كَان بَيَصُبّ عَلَى جِسْمِي.
وَاقِفَة بَعِيد عَنْ الْبَوَّابَة الرَّئِيسِيَّة لِلْمَقْبَرَة، مُسِكْت وَرْد الْأَبْيَض فِي يَدِي بِإِحْكَام قَبْل مَا أَتَقَدَّم.
الْمَقْبَرَة كَان فِيهَا فَقَط نُورَيْن نَادِرَيْن يِضِيئوا الْمِنْطَقَة كُلّهَا وَأَنَا بَأَخْرُج مِنَ الْبَوَّابَة وَعَمَلِت صَوْتًا مُثِيرًا فِي جَوّ الْمَطَر دَه.
حَدَّدْت نُقْطَة مُعَيَّنَة فِي الْمَقْبَرَة قَبْل مَا أَمْشِي قُدَّام، حَيْثُ أَنّ حَذَائِي كَان بيِخْتَلِط فِي الْمَيَّة الْمُوحِلَة تَحْت.
أَخِيرًا خَطَوَاتِي الثَّقِيلَة وَقَفَت قُدَّام شَاهِد قَبْر وَأَنَا بِأُنْزِل قَلَنْسُوِتِي عُشَان أَتَأَمَّل فِيه أَكْثَر. أَخِيرًا حَسِّيت بِالسَّلَام الدَّاخِلِي اللِّي كُنْت بِاشْتَاق لَه.
جَثَائِي، وَوَضَعْت وَرْد الْأَبْيَض قُدَّام الْقَبْر قَبْل مَا أَسْأَل بِمَرَارَة:
"اشْتَقْت لِي؟"
قَبْل مَا أَقُول كَلَام آخَر، سَمِعْت خَطَوَات سَرِيعَة مِنْ وَرَاي، وَعُيُونِي اسْوَدَّت. صَوْت الِاصْطِدَام الْمُسْتَمِرّ بِالْمَيَّة الْمُوحِلَة صَنَع طَابَع خَطَر حَوْل الْمَكَان وَأَنَا وَاقِفَة بِدُون مُبَالَاة.
مَاهَتَمِّت أَدُور لِأَنّي كُنْت بَأَعْرِف إِيه اللِّي بَيِحْصَل بالظَّبْط.
بِابْتِسَامَة سَاخِرَة، كُنْت مُسْتَنِّيَة لِرَدّهُمْ لَكِنّ مُش حَدَا اتْكَلَّم.
هَلْ كَانُوا مُسْتَنِّيِينَ أَنَا أَبْتَدِي الْمُحَادَثَة؟
بَعْد مَا تَرَكْت لُعْبَة الِاخْتِبَاء، وَأَخِيرًا دُرْت وَأَنَا بَانَاظِر فِيهُمْ عَمِيقًا.
مَجْمُوعَة أُخْرَى مِنَ الرَّعْد مَعَ الصَّوَاعِق وَقَعَت عَلَى مَقْبَرَة سَاتِين وَهِيّ بَتْكِشِف شَخْصِيَّاتِهِم السَّوْدَا اللِّي كَانَت بَتَدَارِي مَلَامِحَهُمْ الْحَقِيقِيَّة.
ابْتَسَمْت بِاسْتِفْزَاز وَسَأَلْت الْإِلَاه الْعَزِيز وَأَنَا بَانَاظِر فِي السَّمَا...
هَلْ يُمْكِنْ لِلسَّلَام أَنْ لَا يَبْقَى فِي حَيَاتِي حَتَّى لِلَحْظَة وَاحِدَة؟