الفصل التاسع
جبرييلا.
نار!
ده كل اللي كنت شايفاه في اللحظة دي. كل حاجة حواليا بتلف 360 درجة وقلبي كان هيقفز من مكانه.
"عفوا يا فندم، إيه اللي بيحصل؟ إزاي ده حصل؟" سمعت ليام بيهمس للناس اللي حوالينا، بس بعدها على طول طبلة ودني بدأت تحس إنها بتتحرق من جوه. لا سمعت ولا شوفت أي حاجة غير النار الرهيبة اللي رجال الإطفاء بيحاولوا يطفوها بكل قوتهم.
على بعد كام متر مني كانت فيه عربية إسعاف، أظن إنها هنا عشان تاخد جثة كاثرين. على ما يبدو، لقوا جرح رصاص في بطنها، وده معناه إن موتها أكيد جريمة قتل، ومهما حصل، المصيبة دي هتدخلني فيها؛ لأني صاحبة المكان اللي ماتت فيه، وصدفة كنت مديرة ليها، وكمان صدفة إن النار ولعت في نفس الليلة اللي لقوا فيها جثتها.
دي لازم تكون أسوأ يوم في حياتي، وفي اللحظة دي، بدأت أحس إني بفقد عقلي، وفي نفس الوقت، منطقي. كل حاجة حواليا كانت ضلمة وحزينة. كأني هفضل أعيش أسوأ الحاجات في حياتي، وأنا شاكة إني أستاهل ده؛ لأني عمري ما أذيت حد، ولا حتى مرة واحدة.
"يا حبيبتي، إنتِ كويسة؟" صوت ليام سأل فجأة، ولما ماردتش، بدأ يهزني بعنف عشان أفوق.
الحقيقة، سمعته بينادي على اسمي وبيترجاني أرد عليه، بس مقدرتش أطلع كلمة واحدة. البيئة كلها كانت ريحتها دخان، وشفتي اللي حصل في النار كسرني بطرق مش قادرة أعبر عنها. فيه ناس هيفكروا إن أنا كده بس عشان الكافيه هو كل اللي عندي، بس لأ، مش كده. كنت قادرة جداً أشتري مبنى جديد لو كنت عايزة أحافظ على الكافيه، بس الكافيه ده مكانش أي كافيه بالنسبة لي، كان معناه أكتر بكتير.
المبنى ده، على الرغم من صغره وعدم أهميته في نظر البعض، كان علامتي إني لسه عندي أمل، أمل إن كل حاجة هتكون كويسة، أمل إن حياتي ماتاخدش وقفة كاملة عشان حاجة معرفش عنها أي حاجة، أمل إن العالم كله ميكرهنيش؛ عشان لسه ممكن يدخلوا مكان أنا مالكاه من غير ما يضايقوني أنا والموظفين بتوعي. الكافيه ده، كان الحاجة الوحيدة اللي تمسكت بيها، عشان أطمن نفسي إن المرحلة الوحشة دي في حياتي هتخلص في النهاية، وحتى لو الأمور مابقتش طبيعية تماماً، على الأقل هقدر أمشي براحتي من غير ما الغرباء يشاوروا عليا ويتهموني بالقتل.
للأسف بالنسبة لي، أملي دلوقتي مابقاش غير رماد. وبس كده، الحاجة الوحيدة اللي كانت محافظالي على عقلي اختفت، وكل اللي شايفاه قدامي مبنى محروق، وقضية قتل تانية هتزود نار حياتي.
أنا ما أستاهلش ده. لا، ما أستاهلش. أنا كويسة بزيادة إني أستاهل حاجات وحشة كتير كده. عمري ما أذيت حد، وعمري ما هأذي، طب ليه مفيش حاجة بتظبط معايا؟ ليه كل حاجة كويسة في حياتي عمرها قصير؟ إيه اللي عملته غلط؟ ليه كل ده بيحصل معايا؟ ربنا بيعاقبني؟ أمي كانت صح؟ أنا بجد مجرد طفلة ملعونة ونحس؟
"جبرييلا، بالله عليكي فوقي!" ليام صرخ بصوت أعلى المرة دي، ومن غير ما أقصد، لفيت عشان أبص في عينيه.
"لي...ليام، إ...إيه اللي بيحصل؟ ل...ليه أ...أنا أستاهل ده؟ ب...بليز ق...قولي إيه اللي عملته غلط عشان م...مش فاهمة أي حاجة،" تهتهت وأنا برتعش، والدموع بدأت تنزل على خدي من غير ما أقدر أسيطر عليها.
ليام حضني، ومسكني جامد، وعلى طول انفجرت في البكاء. رئتي حسيتها مسدودة، وقلبي حسيت إنه هينفجر من مكانه في أي لحظة.
"إنتِ معملتيش أي حاجة غلط يا حبيبتي. ده مش ذنبك خالص،" ليام همس وهو بيطمنني، بس ده بس خلاني أحس إني أسوأ.
"إزاي ده مش ذنبي؟ أنا ملعونة يا ليام، أنا أكيد ملعونة، وعشان كده مفيش حاجة كويسة بتحصل معايا! م...المكان ده كان أملي الوحيد يا ليام، كان الحاجة الوحيدة اللي باقيالي عشان أتمسك بيها، وبس كده، اختفى. اختفى كأنه عمره ما كان موجود. إزاي ده مش ذنبي!" صرخت فيه بغضب، وأنا ببعد نفسي عنه بعنف، وبحاول أمشي أبعد ما يمكن عن الجو اللي بيعذبني ده، بس لحقني بسرعة.
"لأ جبرييلا، متقوليش كده! إنتِ أكيد مش ملعونة، سامعة؟ النار ممكن تولع في أي وقت يا إيلا، وده ملوش أي ذنب لحد، وبالنسبة لكاثرين، إنتِ مالكيش أي دخل في اللي حصل ليها. للأسف لقوها ميتة هنا، بس ده بس عشان الحقير اللي عمل كده فيها أكيد عرف إنها بتشتغل هنا، بس ده مش معناه إنك غلطانة، فاهمة؟" قالها، وهو بيعلي صوته شوية، وأنا وقفت قدامه، مش قادرة أتكلم ولا أتحرك لبضع ثواني طويلة.
"ليام، إنت مش فاهم حاجة، وبصراحة، مش متوقعة إنك تفهم. كاثرين كانت موظفتي. شوفتها إمبارح، واتكلمت معاها، وضحكت معاها، وبس كده، لقوها ميتة النهارده بجرح رصاص لعنة، ولسة فيه سبب غريب، بفكر إني ممكن يكون ليا دخل في الموضوع. وكأن ده مش كفاية، الكافيه فجأة بدأ يولع نار رهيبة من جوه، وإنت وأنا عارفين إن ده مش حادثة بالصدفة. أنا شامة ريحة الوقود اللعينة يا ليام، وده معناه إن فيه حد عمل ده ليا من غير سبب. حد خطف الأمل الوحيد اللي كان عندي، وإنت بتقولي إني مش ملعونة؟" قلت له، وهو اتنهد.
"أنا عارف إن ده يبدو مجنون، بس مش قادرة أبعد ده كله عني يا ليام، مش قادرة. بحس إني بفقد عقلي بالراحة، وكأنه فيه حد بيحاول يجنني بالتعاسة. أنا تحت التحقيق في محاولة قتل، وأنا مش قادرة أأذي حتى ذبابة. خسرت شغلي، سمعتي اللي ممكن ما رجعهاش تاني، ودلوقتي خسرت الكافيه بتاعي، وقضية قتل تانية على وشك إنها تحاوطني، عشان هيحققوا، وبما إن عندي قضية قائمة، هيدخلوني في قائمة المشتبه فيهم. قولي دلوقتي يا ليام، أنا بجد مش ملعونة؟" سألت، وأنا باخد نفس عميق من الإحباط، وأدركت إني بالفعل نحس زي ما أمي كانت بتقولي دايماً.
"اسمعيني يا إيلا، إنتِ ما قتلتيش حد، ومفيش أي علاقة بينك وبين موت كاثرين؛ لأنك ما قتلتهاش. لو فيه حد بجد ورا كل ده، هنلاقي الشخص ده مهما حصل. لو فضلت تتكلمي وتحسي بالطريقة دي، إنتِ بتدي الحقير ده بالظبط اللي هو أو هي عايزاه. مينفعش تحسي بالهزيمة يا إيلا؛ لأنك مش مذنبة. إنتِ إنسانة كويسة، طيبة، وتستاهلي كل خير، وفي النهاية كل ده هيبقى من الماضي، وأنا أوعدك،" همس وهو بيطمنني، وحط جبينه على جبيني، ومسكني جامد، وسيل من الدموع بدأ ينزل من عيني.
"إيه اللي هيحصل لو نجحوا يا ليام؟ إيه اللي هيحصل لو انتهى بي الأمر مذنب بجريمة معملتهاش؟ إيه اللي هيحصل يا ليام؟ محدش هيصدقني، الكل هيفكر إني بجد حاولت أقتل مارتن، وهتسجن ظلم،" قلت له وأنا ببكي، وبفكر إيه اللي هعمله لو ده حصل بجد.
"أنا مصدق فيكي، وأنا بحلفلك على حياتي إني هعمل كل اللي في طاقتي عشان أتأكد إن مفيش حاجة هتحصلك. طلعي أي فكرة سلبية من دماغك؛ لأنك بريئة، ودي الحقيقة الوحيدة، أوك؟" قالها بحدة، وهو بيحضنني، وبيهز ضهري برفق عشان يطمنني، وأنا ببكي من غير ما أقدر أسيطر على نفسي.
"حاسة إني تعبانة أوي يا لي، بجد،" تمتمت بين شهقاتي، وهو استخدم إيديه برفق عشان يدلك مؤخرة راسي عشان يهديني.
"هنتخطى ده يا حبيبتي، أوعدك إننا هنتخطاه،" طمني، وأنا هزيت راسي ببطء، وأكدت إني مصدقاه، وهو استخدم إيديه عشان يمسح الدموع اللي بدأت تنشف.
"الظباط عايزين يكلموكي، بس مش شايف إنك المفروض تتكلمي دلوقتي. هقولهم إنك مش كويسة،" قال عشان يمشي، بس أنا وقفته.
"هتكلم معاهم يا ليام،" قلت له بسرعة.
"متخافيش يا حبيبتي، مش لازم. أنا هتصرف معاهم، وإنتِ ممكن تستني في العربية شوية. هخلص بسرعة،" رد، وأنا عارضت.
"ملهاش لازمة يا حبيبي، أنا كويسة دلوقتي. هتكلم معاهم، وهتصل بعيلة كاثرين عشان أقدم لهم التعازي. وكمان محتاجة إنهم يحققوا في النار عشان يتأكدوا إنها حريق متعمد ولا لأ، ولو حصل، يارب يمسكوا اللي عمل كده قريب. أتمنى بس إن مش هو اللي بفكر فيه،" قلت له، وأنا بتمنى بصدق إن إحساسي في اللحظة دي يكون غلط جداً.
"بتشك في حد؟" سأل.
"ولا حد بالذات يا حبيبي، بس تجاهل ده. خليني أروح أتكلم مع الشرطة،" رديت، وعلى طول مشيت بعيد عنه، وراحت للشرطة اللي كانوا بيتكلموا مع تايلور. البنت المسكينة شكلها كان مشوه تماماً، وعنيها كانت منفوخة ومنتفخة من كتر البكا.
"مساء الخير يا حضرات الضباط،" سلمت بهدوء.
"مساء الخير يا مدام. لازم تكوني جبرييلا يوهانسون، صح؟" سأل الضابط الأطول من الاتنين.
"بالظبط يا فندم،" رديت.
"أنا الضابط جري، وده زميلي الضابط لوبيز،" قدم نفسه، وأنا انحنيت باحترام للضابط التاني، اللي وقف بس بنظرة جدية على وشه.
"إحنا آسفين جداً على خسارتكم. ده مؤسف جداً اللي حصل هنا النهارده، بس نتمنى إنك متمانعيش إننا نسألك كام سؤال، ولا إيه؟" سأل.
"لأ، طبعاً لأ. اتفضلوا،" سمحت، وأنا باخد نفس عميق قبل ما يبدأوا يضربوني بأسئلة أكيد هحس فيها بعدم الارتياح.
"آنسة، ممكن تروحي دلوقتي. هنعرفك لو احتجنا أي أسئلة تانية،" وجه كلامه لتايلور، وأنا أشرت لليام ييجي يساعدها تمشي؛ لأنها شكلها مش مركزة كفاية عشان تفهم أي حاجة.
"أوك يا آنسة، أول حاجة، لازم نسأل إيه مدى قربك من الضحية كاثرين جونز. هل كانت مجرد موظفة؟" الضابط جري سأل.
"أممم، مش هقول إني أعرفها كويس أوي، بس كنت بحبها. كانت موظفة لطيفة جداً، وإحنا الاتنين اتكلمنا كذا مرة،" رديت بهدوء، وأنا بحبس الدموع اللي بتتهدد بالنزول، عشان ذكريات آخر كلام ليا معاها بتغرق عقلي. كاثرين بجد ما تستاهلش تموت كده. ممكن مكنش قريبين أوي، بس المرات القليلة اللي اتعاملت فيها معاها، كنت منبهرة بشخصيتها المفعمة بالحياة.
"ممكن تعرفي أي حاجة شخصية عنها؟ حاجة ممكن تربط ليه حد يعمل كده ليها؟" الضابط لوبيز سأل.
"لأ، مفيش كتير. الحاجة الوحيدة اللي كنت أعرفها عنها إنها كانت في علاقة، وقالتلي إنها سعيدة معاه. غير كده، مابنتكلمش كتير عن حياتنا الشخصية،" رديت.
"أممم، كنتِ تعرفي إنها حامل؟" سأل، وأنا مت من الصدمة. كاثرين حامل؟ يا إلهي!
"هي حامل؟ يا إلهي، معنديش أي فكرة. هي قالتلي حاجة عن أحلامها اللي أخيراً هتقع في مكانها، بس مكنش عندي فكرة إنها بتتكلم عن البيبي بتاعها، يا يسوع!" صرخت في البكاء، والدموع بدأت تنزل على عيني بالراحة.
مش قادر أصدق إن حد قتل أم وطفلها من غير رحمة كده. يالهوي!
"إحنا فاهمين إنتِ حاسة بإيه تماماً، وإحنا بنأكدلك إن اللي عمل كده هيتلاقوا. عايزين نسألك سؤال أخير، لو تسمحي؟" الضابط جري قال، وأنا حثيته إنه يكمل.
"ممكن تعرفي إذا كان عندها أي خلاف مؤخراً مع أي حد؟ حتى عميل أو زميل في الشغل؟" سأل، وأنا اتجمدت لبضع ثواني طويلة، وأدركت الحقيقة.
"أ...أنا معرفش عن خلاف مع زميلة، بس كان عندها كام خلاف في الماضي مع العملاء. ممكن تكون بتفقد صبرها مع العملاء اللي مابيحترموش، فعندها كام خلاف معاهم في بعض المناسبات،" رديت، وحاجة في المكان اللي رايحة فيه المحادثة دي معجبتنيش خالص.
"بما إن الكافيه للأسف بالشكل ده، مش هنقدر نحصل على لقطات أمنية للناس اللي كان عندها معاهم مشاكل، بس تعرفي أي عملاء حديثين كان عندها معاهم مشاكل؟" سأل، وبطني وجعتها.
إدراك مفاجئ إن أختي التوأم على وشك إنها تدخل في الموضوع ده، بعت إحساس غريب في كل جزء مني. أنا عارفة إن إيل مجنونة، بس هل كانت قادرة تقتل حد؟ أنا شاكة جداً. مش عايزة أفكر بالأسوأ عنها، حتى لو كانت أكتر شخصية مزعجة في العالم.
"كان عندها شوية كلام رايح جاي مع أختها التوأم، جبرييلا، من كام يوم. مكنش فيه حاجة خطيرة. بس طلبت منها توصل رسالتي إني مش عايزة أقابلها،" قلت لهم، ولسة فيه سبب، شكلهم تفاجأوا.
"أممم، تفتكري حد تاني؟" سأل.
"مش بالظبط، حتى لو فكرت، مش هعرف أسمائهم بالظبط،" رديت، وهو هز رأسه بهدوء، واضح إنه راضي عن أسئلته.
"شكراً جزيلاً على وقتك يا آنسة، ومرة تانية، خالص عزائي لموظفتك والكافيه بتاعك هنا. هنتأكد إن القضيتين يتم التحقيق فيهم كويس، وكمان هنفضل على اتصال بيكي شوية. أشوفك قريب، يا آنسة،" الضابط جري قال، وهو بينحني شوية مع زميله قبل ما يمشوا هما الاتنين للعربية بتاعتهم.
بصيت مرة تانية على البيئة اللي كانت بتدي حياة، ولسة بتغرق بالدخان والضلمة. تنهيدة تعب خرجت من شفايفي لما أدركت إن ده ممكن يكون البداية. أنا عارفة إن ده غريب، بس عندي إحساس إن الأسوأ لسة ماجاش، والحقيقة، مجرد التفكير في ده خوفني زي أي حاجة تانية.