الفصل السابع
جابرييلا.
كنتُ أتمشى جيئةً وذهابًا في غرفة المعيشة وأنا متوترة. بدأت النظريات والاحتمالات تملأ رأسي دفعة واحدة، وهذا خلاني أحس بغثيان وقلق شوي.
صرتُ قلقة جدًا في الأيام اللي فاتت بعد ما لاحظت سلوك ليام الغريب. وبصراحة، حتى لو ما ودي أعترف، أحس إني أنا السبب في إنه فجأة صار كذا، متجاهل وبعيد. أكيد فيه شيء مخبيه عني. وفكرة إنه ما يشاركني باللي يضايقه، خلتني أحس بأسوأ من ألف مرة. حتى لو اللي بيقوله بيجرحني، لازم أعرف بأسرع وقت ممكن، عشان ما أفقد عقلي بسبب هذا الموضوع.
بالعادة يرجع البيت الساعة 6 مساءً تقريبًا، بس الحين فجأة صار يتأخر. وكل ما سألته إذا فيه شيء، يا يستخدم شغله كعذر، أو يحاول يتجاهل أسئلتي، باللي هو يبوسني ويقول إني تعبان جدًا عشان أتكلم. هذا كله خلاني أحس إني عبء. وإذا فيه شيء ما أبيه أبدًا، هو إني أحس إني عبء أو مسؤولية على أحد.
أنا قادرة أواجه المشكلة دي لحالي. وإذا هو يحس إن مشاكلي كتير عليه، بأخرج من حياته بنفس الطريقة اللي دخلت فيها. وما يحتاج يتعامل معاي مرة ثانية. حتى لو فكرة هذا الموضوع بحد ذاتها تجرحني، ما أقدر أظل في مكان ما يبوني فيه، وتعاملني كأني غبية، وأنا مش غبية أبدًا. كنت إنسانة كويسة طول حياتي، ما أستاهل هذي المعاملة.
الساعة تقريبًا 8 مساءً، يعني ليام بيرجع في أي لحظة. وعلى قد ما ما ودي أكون غير مراعية، ما أقدر أقضي ساعة زيادة معاه وهو يتصرف بغرابة وضايع بأفكاره. الأفضل أعرف مكاني بأسرع وقت ممكن، عشان ما أنتهي بالبكاء وأنا نايمة.
بعد نص ساعة تقريبًا، سمعت الباب ينفتح. وما تفاجأت لما دخل ليام بنظرته المتعبة المعتادة. لما عيونه تقابلت مع عيوني، قلبي نزل لأعمق نقطة في معدتي، وفجأة حسيت باختناق واكتئاب.
ما كان شكله سعيد لأنه شافني.
"مرحباً"، قلت وأنا متوترة، وبلعت ريقي بصعوبة عشان ما أنزل دموع.
"مرحباً يا حبيبتي، وش فيك؟"، رد علي بصوت منخفض، ومشي لعندي وباسني بسرعة على جبهتي.
"شلون كان الشغل؟"، سألت وأنا أرسم ابتسامة صغيرة.
"متعب، كالعادة. ما في جديد"، رد بملل.
"بتنام قريب؟"، سألت.
"لا، لسه. لازم أخلص شوية أشياء، وبعدين بنام. لازم أقوم بدري بكرة الصبح، عشان عندي اجتماع مهم مع مستثمرين جدد، لمجموعة جديدة"، رد. وأخذت نفسًا مهتزًا قبل ما أتكلم أخيرًا.
"م... ممكن نتكلم شوي؟ بخلص بسرعة"، تلعثمت وأنا متوترة، وحسيت إني غبية، وشي اللي قاعدة أسويه.
"أكيد. فيه مشكلة؟ لها علاقة بالقضية؟"، سأل.
"لا، لا، ما لها علاقة بالقضية. الموضوع يتعلق فينا"، رديت وأنا متوترة. وبدا مرتبك شوي.
"ممكن نجلس؟ رجولي واجعتني شوي"، تمتمت بغباء، لأني ما أثق برجولي إنها ما تخوني.
"أكيد يا حبيبتي، بس كل شيء تمام؟ شكلك شاحب"، أشار. لكن تجاهلت تعليقه، وبسرعة رحت للموضوع على طول.
"اسمع يا ليام، يؤلمني أطلب هذا، بس ما أعتقد إني أقدر أتحمل هذا أكتر من كذا. أحس إني راح أنخنق إذا ما فتحت هذا الموضوع…"، قلت، فقاطعني.
"أي موضوع؟ وش فيك يا جابرييلا؟"، سأل.
"خليني أتكلم بس، من فضلك؟"، طلبت بهدوء عشان ما أنهار وأبكي.
"ما أدري إذا لاحظت، بس أنت تتصرف معي بغرابة في الأيام الأخيرة، وهذا الشيء بدأ يخليني مو مرتاحة أبدًا. ما أدري إذا سويت شيء غلط، أو بس طفشت مني، أو إذا له علاقة باللي صاير في قضية مارتن، بس متأكدة فيه شيء ما تقوله لي، وهذا الشيء مأثر علي نفسيًا. أحس إني مخنوقة وأنا أشوفك تتصرف معي بلامبالاة، وبصراحة، ما أعتقد إني أقدر أتحمل هذا بعد"،
"أبي بس تكون صريح معاي الحين، وتقول لي وش بالضبط اللي سويته غلط، وخلاك تتغير بين ليلة وضحاها. وإذا بس طفشت مني، قولي عشان أخرج من حياتك، بدل ما أحس إني عبء عليك"، قلت له بصوت يرتجف شوي وأنا أحاول أمنع دموعي من النزول.
نظر لي بهدوء لفترة، ووجهه ما فيه أي تعابير. وبهذي النقطة، ما في شيء أشد فتكًا من صمته بالنسبة لي.
"ما راح تقول شيء؟ حتى لو كنت على حق، على الأقل قول لي في وجهي، عشان ما أظل أحس إني غبية وفي غير مكاني!"، انفجرت فيه بضيق، والدموع الغبية بدأت تنزل على خدي بدون إذن.
بشكل مفاجئ، ظل هادئًا، وتحرك لعندي، وباستخدام إبهامه، مسح الدموع من على خدي.
"بصراحة، ما أدري وش أقول لك الحين يا إيلا"، نطق أخيرًا بعد اللي حسيت إنها ساعات من الصمت القاتل.
"طيب ما تقول لي الحقيقة يا ليام؟ إذا خايف إني أكرهك أو أحكم عليك لأي سبب، فأنت غلطان تمامًا. أفضل إنك تقول لي كيف تحس الحين، بدل ما تستمر تكذب علي، وتخليني أحس إني شيء تتمنى تتخلص منه، بس ضميرك ما يسمح لك"، رديت عليه، وأخذت يديه من على وجهي، ومسحت دموعي بنفسي.
إذا هو فعلًا راح ينهي علاقتنا، ما ينفع أخجل نفسي بالبكاء. هذا أسوأ شيء ممكن يصير، وأكيد مو نهاية العالم بالنسبة لي.
"طيب يا جابرييلا، راح أشرح لك الأمور. بس أول شيء ودي أصححه، هو الفكرة اللي عندك إني طفشت منك، وأبي أخرجك من حياتي. بصراحة، ما أدري من وين كل هذا الكلام، لأني ما حسيت إن تغير مزاجي المفاجئ خلاك تحسين بهالطريقة، وأنا آسف على هذا، لأن هذا أبدًا مو اللي في بالي"، طمني. وأنا مرتبكة.
"طيب وش اللي في بالك بالضبط؟ صار شيء؟ ليش فجأة صرت تتأخر، وبعدين تروح تنام بدري، بالكاد نتكلم؟"، سألت.
"أولاً، التأخير مو ذنبي. عندنا مجموعة جديدة قادمة، وفيه شوية مشاكل في الأزياء. معظم المصممين طلعوا أزياء متشابهة بمجموعات سابقة، وشوية أفكار جديدة شكلها كتير شوي، وما لها علاقة بموضوع المجموعة الجديدة. عشان كذا، الأفكار شوي قليلة الحين، ولهذا السبب أتأخر في الرجوع للبيت، لأننا نشتغل بجد عشان نحصل على مصممين جدد، وأفكار جديدة"، شرح. وانصدمت.
هل كنت حقًا مهووسة بكل هذا الوقت؟ بس ليش ما قالي؟ كنت راح أتفهم.
"تدري، كان ممكن تقول لي بس. الحين أحس إني غبية لأني ما أدري كل هذا. وعلى فكرة، لسه ما فسرت المسافة بيننا. ما كنت تتكلم معي أبدًا"، عبّرت بطفولية، ولف عيونه.
"طيب، بعتذر عن هذا، لأني ما حسيت إني كنت أتصرّف بهذه الطريقة. بس الموضوع كله مع المجموعة كان متعبني جدًا. والحقيقة، إذا خربنا هذه المجموعة، ممكن نخسر شركتنا للإفلاس، أو الأسوأ، منافسنا اللدود يستولي عليها، وبعدين في النهاية يبيع شغل عيلتي الشاق لأعلى مزايد"، شرح. وبصراحة، ما حسيت براحة بحياتي كلها مثل ما حسيت الحين.
"اسمعي يا حبيبتي، أنا آسف جدًا لأني خليتك تحسين بالوحدة والإهمال. هذا أبدًا ما كان قصدي. وآسف إن هذا صار وقت اللي تحاجيني فيه. إذا فيه شيء متأكد إنه حقيقي وصادق في حياتي الحين، هو مشاعري تجاهك. ولا شيء، ولا شيء ممكن يغير هذا. سامحيني من فضلك"، اعتذر، وباسني بسرعة على شفايفي، وما قدرت أمنع نفسي من الابتسامة العريضة.
"لا عليك يا حبيبي. بس كنت أبي أتأكد إنا بخير. ولحسن الحظ، كل هذا سوء فهم. على فكرة، ليش ما قلت لي عن المشكلة في التصميمات؟ نسيت إن صديقتك أفضل مصممة على وجه الأرض؟"، مازحت، وضحك.
"مو بالضبط، بس ما كنت أبي أزعجك بكل اللي صاير الحين"، رد، وعبّست.
"راح تساعدني أكتر يا ليام. تدري إني أحب الشغل، ولا شيء يلهيني عن الأشياء بسهولة مثل ما يسوي الشغل. طيب، وش رايك نسوي كذا، أنت تشرح لي موضوع المجموعة القادمة، وتوريني كم مثال من المصممين، وببدأ فورًا أشتغل عليها. ممكن أساعد في تصحيح التصميمات اللي تم تسليمها، اللي شكلها مو مضبوط، بس إذا ممكن تتصحح. حلو؟"، اقترحت بحماس.
"هذا ممتاز، بس إذا أنت تصممينها، بيكون صعب شوية نعطيك التقدير، بسبب هشاشة الوضع الحين، وما أبيك تحسين بالسوء"، رد.
"ما جبت سيرة إني أبي آخذ التقدير. هذا راح يضع الشركة كلها في خطر بسبب مشكلتي الحالية. طيب، وش رايك نعطي التقدير لـ فابيان و مارثا بدلًا من ذلك؟ راح أسوي اللي علي، وأنت بتعطيها لهم، وهم بيقررون وش يسوون بعدين، وراح أبقى على اتصال معاهم، عشان أتأكد إن كل شيء يمشي تمام، أفضل بكثير، أليس كذلك؟"، اقترحت، وعلى الرغم من إنه ما بدا متحمسًا كثيرًا، وافق في النهاية بعد ما حاولت أخليه يشوف المنطق.
مكالمة هاتفية قطعت حديثنا، ولما فحصنا، طلع إنه جوالي. وبشكل مفاجئ، موظفة عندي هي اللي تتصل.
"وش فيه يا تايلور؟"، سألت بمجرد ما رفعت السماعة، وتساءلت ليش تتصل بهالوقت المتأخر.
"م..مساء الخير يا آنسة. آسفة جدًا لأزعاجك، ب..بس جاني اتصال من جوال كيتي، وكان من الـ... شرطة يا آنسة"، تلعثمت، وواضح إنها تبكي. وأنا مرتبكة.
"وش تقصدين بالشرطة؟ وش صار؟ فيه شيء غلط؟ هي بخير؟"، قلت وأنا قلقة، وأتمنى ما يكون صار لها شيء. كيتي كانت وحدة من الموظفات في المقهى حقي، وهي شخص أقدر أقول إني أحبها شوي. هي وأنا تكلمنا أمس بعد ما اتصلت تخبرني إن إيلي ظهرت، وكما أمرتها، قالت لها إني ما عندي اهتمام إني أشوفها.
"آ..آنسة، كيتي مـ..ماتت. لقوا جثتها قدام المقهى مباشرة"، قالت لي، وانصدمت.
"مـ..ماذا تقصدين بهذا؟ كيف هذا ممكن؟ وش اللي صار؟"، سألت وأنا أرتجف، وليام كان سريعًا يربت علي بنظرة مرتبكة على وجهه، ووضعت السماعة على مكبر الصوت عشان يسمع.
"ما أعرف يا آنسة. حاليًا في طريقي للمقهى، واتصلت لأبلغك، لأن الشرطة بيتصلون فيك في أي وقت من الآن. راح أعلمك وش يصير لما أوصل هناك"، ردت. وشكرتها بسرعة قبل ما أقفل.
"وش صار؟"، سأل ليام.
"وحدة من موظفاتي لقوها ميتة قدام المقهى مباشرة"، قلت له وأنا أرتجف، والدموع بدأت تنزل على وجهي على الفور.
وش اللي يصير حولي؟