الفصل 3- نوبة هلع؟
هزت راسها وهي تشوف رجالين لابسين اسود يدخلوها السيارة. صرخت ساشا عشان المساعدة بس مافيش حد يسمع صراخها. ربطوا ايديها ورا ظهرها وسدوا صراخها بقطعة قماش. بقايا دموع جديدة لطخت خدها وهي تنوح وتبكي، تطلب المساعدة بس مافيش حد ينقذها. حسّت بالسيارة وهي توقف، وكأن حد سحبها من ذراعها، بيحاول يجرها من السيارة. قاومت، بتحاول تصرخ.
"ساشا! ساشا!" سمعت صوت مألوف بيناديها وشخص بيهزها بقوة.
"ساشا!" انتفضت، وفتحت عيونها بسرعة. شعرها كان منكوش وكأنها لسه شايفه شبح.
"يا ممرضة!" صرخ.
"بيخطفوني يا أليكس. ساعدني، هياخدني في زنزانة أو يبيعني لدولة تانية." بلبلت وهي تحس نبضها بينزل. حسّت إن مافيش هوا في الأوضة.
الممرضات دخلوا الأوضة، بيدوا حقنة في المحلول، بس كانت متخدرة زيادة عن اللزوم علشان تدرك.
"ده مجرد كابوس يا ساشا." قال وهو بيمسك وشها ومسح دموعها بإبهامه، وغمغم، "تنفسي يا بيبي. تنفسي."
بصت في عيونه الخضرا وتنفسّت. حطت ايدها على صدره، وهو وجهها تاخد كام نفس عميق لحد ما استقرت.
"حاسة إنك كويسة؟"
هزت راسها، بتغمغم لنفسها إن ده مجرد كابوس بس عادة مانهاش بتشوف كوابيس. بعد ما أليكس مشا، كانت بتقوم وهي بتعيط وبتنوح عليها، بس حاجة زي دي عمرها ما حصلت معاها.
أليكس نيمها بهدوء ومشا في الأوضة علشان يجيب كوباية مية.
ساشا حسّت راسها تقيلة جداً، كأن كل حمل الدنيا اتحط على راسها. حسّت إن رؤيتها بتتشوش.
أليكس رجع بكوباية المية. وحط ايده ورا رقبتها، ولمس حافة الكوباية على شفايفها الشاحبة دلوقتي، بيساعدها تشرب منها. ساشا ما أدركتش قد إيه حلقها ناشف إلا لما عرض عليها السايل.
بتفتش حواليها، مسحت محيطها. سقف أبيض، حيطان بيضا، ريحة نفاذة من المعقمات والمنظفات ضربت مناخيرها. كانت نايمة على سرير عليه ملايات بيضا وبطانية لونها وردي غريب وريحتها وحشة. بصت على جنبها وهي بتشوف جهاز المراقبة بيصدر صوت. ايدها بتوجعها بسبب الإبر اللي متوصلة بأعصابها.
"إيه اللي بيحصل؟ ليه أنا في المستشفى؟ و...و ليه أنت هنا؟ مش كنت مع... مع حبيبتك الليلة اللي فاتت؟" الهوا اتكثف بينهم وهي حسّت بندم من الجرح بيضرب قلبها.
"أصابتك نوبة هلع."
"إيه نوبة هلع؟ يلعن أبوها، ليه راسي بتوجعني كدة، عيني، عيني بتنزل، حسّيت بتعب." تمتمت وهي الظلمة بتغرقها تاني.
-----
"إزيك يا روحي؟" سألت ست في عمر الأربعين، وهي بتلف رجليها.
ابتسمت ساشا ليها قبل ما تقول، "أحسن. راسي أخف، بس مش قادرة أتذكر الأحداث من إمبارح."
ابتسمت وقالت، "ما تقلقيش يا روحي، بس ادي وقت وهتبقي كويسة تماماً."
قبل ما تسأل الممرضة بتاعتي أكتر، أليكس دخل. "هاي أخيراً صحيتي. إزيك؟"
عبست في وشه، آخر حاجة فاكراها، إنها قطعت كل علاقتها بيه وراحت تعيش مع شيلي. أكتر من سنة عدت من يوم ما شافته وقفلت على نفسها في فقاعة من الإحباط والجرح. لحد الليلة اللي فاتت لما كانت بتخرج تحفل مع صحابها و... و أيوه، شافته بيرقص مع بنت. طب إزاي وصلت للمستشفى؟ وليه هو هنا؟ ليه هو لطيف أوي كدة؟ حسّت بشوكة ألم بتجرح جمجمتها وضغطت على صدغها، بتئن.
"اهدي يا ساشا. لسه تعبانة، ما تضغطيش على مخك الصغير."
"إيه اللي بيحصل؟ مش قادرة أتذكر أي حاجة."
"اهدي يا بيبي."
قال أليكس وهو بيمسك كتفها.
بس هي نفضته وصرخت، "بس ابعد عني وقولي إيه اللي بيحصل وإلا مخي هينفجر. ليه مش قادرة أتذكر أي حاجة؟ قوللي يا أليكس، مش كنت بترقص مع البنت اللي عيونها زرقا؟ مش فاكرة إني كلمتك. طب ليه أنا هنا مع الواد اللي بيمثل إن أنا حياته بس في الحقيقة هو مش بيهتم بيا أصلاً."
كلماتها قطعت قلبه نصين. وهو بيحاول يكتم غضبه همس بصوت عالي، "أيوه كنت مع ديزي وأنتي كنتي مع الواد اللي عيونه بني. اللي كان بيبصلك كأنك قطعة لحمة. مش فاكرة إزاي ركلتيه وهربتي من النادي في الشوارع المهجورة زي بنت مجنونة. مش فاكرة إزاي...إزاي كنتي لابسة رخيص؟ يا إيه اللي بسأله، كنتي سكرانة خالص زي بنت دخلت النادي علشان تضيع في حضن راجل، لمجرد المتعة."
بصت عليه مصدومة بتحاول تفهم كل كلمة قالها. بالراحة بدأت تشوف وميض من جين والنادي. أيوه كان صح، هي هربت من النادي. وكان فيه ضلمة هناك و... و إيه؟ حطت شوية ضغط على شرايينها وتمتمت لنفسها، وكان مافيش شبكة وعربية سودا اصطدمت بيها. بس بعد كدة.. فتحت عيونها بسرعة وهي تحس راسها بتبدأ تدق بعنف. يا إلهي! تنهدت وهي بتضغط على صدغها وبتسند راسها لورا.
الممرضات جريوا عليها فوراً، بيدوا حقن في رقبتها، بيديها مهدئ علشان تنام.
----
صحت ساشا على صوت جهاز المراقبة. راسها كان مستقر شوية دلوقتي بس كانت ضعيفة زي الأول. كانت عايزة تعرف كل حاجة اللي وصلتها لهنا، اللي جرحت رجليها بس هي محرومة من الطاقة. كل ما تضغط على مخها، بتحس بالبؤس.
'يا عزيزتي، مافيش حاجة مهمة، ليه بتعذبي مخك الصغير أوي كدة؟' قالت ممرضتها وهي بتبتسم أحلى ابتسامة وهي التجاعيد اللي حوالين عيونها بتزيد.
'فاهمة بس ده ما بيفسرش ليه أنا معاه وليه حاسة إني تعبانة أوي. الكحول ما بيخليكش تحس كدة. ماكانتش أول مرة بسكر' عبست ساشا وبكت، 'زائد الكدمات اللي في رجلي و... و على وش أليكس.'
الممرضة بصت عليها برعب قبل ما تتجاهل السؤال. 'أمم.. أنا..' تلعثمت، 'ما يهمش حان وقت دواكي دلوقتي.'
ساشا مسكت ذراعها ومنعتها تتحرك. 'أنا عارفة إنك عارفة حاجات كتير عني. من فضلك قوللي.' استعطفتها.
الست تنهدت وتمتمت، 'تمام بس وعديني، مش هتعصبي؟' ساشا هزت راسها وهي بتأشر ليها تكمل.
'ليلة السبت هو جابك في حالة خطيرة. تنفسك كان سطحي وكان لازم ننقلك في وحدة العناية المركزة، فوراً. أصابتك نوبة هلع وأيوه رجل مصابة. هو كمان كان عنده نزيف من مناخيره وكدمات كتير.' بلعت لقمة في حلقها وكملت، 'شكله كان في خناقة. ومن نتيجة التحاليل اللي وصلت إمبارح، لقينا أثار مخدرات في دمك. أعتقد ده بيفسر التعب اللي حاسه دلوقتي؟'
ساشا حاولت تستوعب المعلومات اللي وصلتها. وكما وعدت، حافظت على هدوئها بقدر الإمكان.
'أنا عارفة إن الست جين دي هتديني مخدرات.' تأففت بعدد من الكلمات الغير مفهومة لجين.
'يا عزيزتي، لازم تكوني حذرة زيادة. أي حاجة وحشة ممكن تكون حصلت أو حصلت.' همست الجزء الأخير بهدوء زيادة عن اللازم لساشا عشان تسمعه. 'أنا سعيدة إن أليكس كان معاكي.'
'هو ما أنقذنيش من جين. أنا ركلته وهربت بينما هو كان بيستمتع بالعرض زي الباقي.' قالت ساشا وهي بتبص على صوابعها. مسحت الدمعة اللي نزلت من خدها وسألت، 'بس ده ما بيفسرش الكدمات ونوبة الهلع. كنت حزينة بس مش لدرجة إن يحصلي نوبة هلع.'
الممرضة حاولت بأقصى ما عندها تطلع بحاجة مقبولة ليها لأن حقيقة ليلة السبت مش هتتهضم. كانت خايفة إن ده هيدخل ساشا أعمق في الحفرة السودة اللي كلهم بيحاولوا يطلعوها منها.
'يا حبيبتي! بتفكري كتير. كنتي تحت تأثير المخدرات، ممكن تكوني اتعثرتي على صخور. و عن أليكس ممكن يكون اتخانق مع الواد اللي دارك المخدرات وجابوكي كدمات في رجلك؟ ممكن بسبب رد فعل المخدرات أخدتي الموضوع بجدية وحصلتلك نوبة هلع.' قالت علشان تخلي الموضوع طبيعي على قد ما تقدر.
ساشا استوعبت المعلومات وماتش أي سبب يخليها تكذبها.
'مش عارفة ليه شايفه وميض لعربية سودا وحاسة كأن... كأني بهرب من حد. كأن حد ورايا. مش فاهمة ليه حاسة إن حاجة وحشة هتحصل؟ كأني عملت غلطة كبيرة هتطاردني وهتقلب عالمي المتشابك أصلًا.'
اللون راح من وش الممرضة.
'لا. أنتِ بس... بس بتفكري زيادة.' تلعثمت، 'دلوقتي إنك عرفتي كل حاجة، خدي دواكي.'
ساشا هزت راسها وهي بتحس إن فيه أكتر من قصة ليلة السبت بس دفعتها في آخر عقلها، بتشرب دواها.
الممرضة اللي كانت في عمر أمها، طبطبت على راسها وساعدتها تتمدد. ساشا ابتسمت ليها وحسّت فوراً بحب الأمومة بينتشر منها. أم. افتقدت أمها. ممكن حد يناديها أم من فضلك؟ فكرت بس على طول رفضت الفكرة لأن لو أمها شافتها بالشكل ده هتشيل شنطها وتنتقل لقريتها معاها اليوم التالي. بالرغم من إنها بتحب تلتصق بأمها وتنام على حضنها للأبد، كانت عايزة تقعد هنا بعيد عنها. علشان تقدر تكسب فلوس وتجمع مبلغ كبير لعملية أبوها. مبلغ مش هيتجمع حتى لو اشتغلت لمئات السنين في المطعم ده. يمكن حان الوقت علشان ألاقي شغل بمرتب عالي دلوقتي. فكرت قبل ما تغرق في نوم عميق. أليكس وقف في نص الطريق وهو شايفها نايمة زي البيبي. مسكت مخدتها على صدرها وهي بتتنفس بعمق. شكلها كان هادي بعد فترة طويلة. ابتسم ليها قبل ما يبوس جبهتها بلطف.
خرج من الأوضة علشان يكمل الأوراق بعد كل ده، هو هياخدها لبيته قريب.'