10
المقابلة دي حصلت في وندسور، اللي قضيت فيها (على حسب ما أفتكر) حياتي كلها. الفرق كان إنه بعد أسبوع، كنت مجهزة بكل حاجة ضرورية، وسبت وندسور، في عربية تجرها خيول، ورايحة لريدينغ.
السيدة ناتاشا كانت طيبة أوي في الوقت ده، لدرجة إنها ما حسّتش بأي مشاعر وقت ما ودّعتني.
مع إنّي عيطت بمرارة، في الوقت ده، فكرت إيه اللي ممكن يكون أحسن لو كان ممكن يكون أحسن.
- كان المفروض إنكِ تعرفي أحسن من كده بعد سنين كتير، وكان المفروض تبقي بتحبي الحاجة دي لدرجة إني دلوقتي بسبّبلكِ حزن.
مع إنها أدّتني بوسة وداع باردة على جبيني، زي نقطة تلج بتنزل من مدخل حجري (كان يوم تلجي جداً).
حسيت إني غاضبة جدًا، وسخيفة، ومتضايقة، وجت في بالي دلوقتي، مع إني ما قولتش، إني ما حسيتش إني أستاهل كل اللوم ده لدرجة إني مسكتها وقلتلها إني عارفة إن ده ذنبي إني ودّعتني بالهدوء ده.
- مش دلوقتي يا إستير. – جاوبت. – عارفة، عن تعاستكِ!
العربية كانت قدام بوابة الجنينة، اللي حتى سبناها فيها، بس لما سمعنا صوت العجلات.
عشان كده، انفصلت عنها بقلب حزين.
ده كان وقت ما ركبت قبل ما تتحط شنطي على سقف العربية، وقفلت الباب.
في نفس الوقت، في رحلتي، قدرت أشوف القصر من بعيد، اللي بصيت من شباكه، مع إن عيني كانت مليانة دموع، وفي الوقت ده، كنت حزينة ومكتئبة.
لما افتكرت العرّابة، كنت سبتها للسيدة ناتاشا.
- ده كل اللي كان عندها. – قالت.
في الوقت ده، كان فيه مزاد وسجادة قديمة سميكة، عليها ورد مطبوع، اللي دايما كان بيبان لي إنها أجمل حاجة في الدنيا شفتيها في حياتي.
كنت مسنودة و متعلقة بره، في الصقيع، بين الرياح والثلج، في الجو المظلم والكئيب اللي كان بيغطي المكان ده.
كان هيكون قبلها بيوم أو يومين.
مع إنّي كنت هلف الدمية الصغيرة الغالية في الشال بتاعها وادفنها بحرص.
دلوقتي، حتى أنا محرجة أوي إني أقول ده — في الرمل في الجنينة، تحت الشجرة اللي بتضلل شباكي القديم. ما كانش عندي صحبة، إلا عصفوري الصغير، اللي أخدته معايا في قفص.
لما البيت اختفى عن نظري، قعدت، وقفص العصفور على التبن تحت رجليّ، قدام المقعد الواطي، عشان أقدر أشوف من الشباك العالي.
لأنه كان بيفكر في الأشجار المتلجة اللي كانت متغطية بالثلج، واللي كانت بتشبه قطع سبارك جميلة؛ والحقول، كلها ناعمة وبيضا بالثلج بتاع الليلة اللي فاتت، مع إنهم شافوا الضوء الخافت للشمس دي في السما، بتراقبهم، بتطلق أشعتها الضعيفة، في المدينة الضبابية دي.
الشمس دي كانت حمرا غامقة، بس بتشع حرارة قليلة جداً، حتى زي التلج، غامق زي المعدن، اللي المتزلجين والعربيات كانوا بيكنسوا التلج منه.
كانت فيه عربية مستنية راجل هناك، اللي كان قاعد على الكرسي اللي قدام، شكله سمين أوي، على حسب عدد المعاطف الضخم اللي كانت مغطياه، مع إنه كان محتفظًا، مع إنه كان بيبص بره، من الشباك التاني، من غير ما يديني اهتمام.
فكرت في العرّابة اللي سابت، في مقابل اتفاقيات بين كائنات خارقة، وشياطين، وبني آدمين، حتى في الليالي اللي كنت بقرأ فيها عشان تسمع، في جبينها، ثابت وصارم.
في الوقت ده، رحت عشان أنام على سريره؛ في المكان الغريب اللي كنت رايحة له؛ في الناس اللي هقابلهم هناك، شكلهم ممكن يكون إيه وإيه اللي هيقولوه عنّي... لما صوت جوه العربية خلّاني أرتعب.
- طب بتعيطي ليه في جحيمك ده؟ – واحد تاني سأل.
الغريب ظهر قدامه، ده كان في اللحظة اللي كنت فيها خايفة أوي، لدرجة إني فقدت صوتي ومقدرتش أرد غير بوشوشة.
كان واحد من التجار، حتى واحد من السحرة، اللي كانوا بيحطوها تحت مسؤوليتهم.
- قصدك إيه؟ – البنت سألت.
- جيت تتكلم معايا يا سيدي؟ — طيب، من غير شك، كنت عارفة إنه ممكن يكون بس الرجل اللي متلفف بملابس دافية، مع إنه فضل بيبص من الشباك، كان واحد من الظلال اللي بترافقها، حارس أو وصي عليها.
- بقول، آه، ده دوركِ. – قال، وهو بيقرب، لسه محاط بالظلال، بيتكلم معاها.
- أنا ماخدتش بالي إني بعيط. - قالت.
بس روحت على السرير، بوجعي، يا سيدي — تلعثمت.
- انتي، مش مجرد دموع، وقفي قبل ما الأمور تسوء. - قال. - تعالي شوفِ. - قال
- تعالي شوفِ! - قال.
في الوقت ده، قربت منه، من ركن العربية اللي كانت فيه، وقفت قدامي بالظبط، وعدّت واحدة من الأساور الكبيرة بتاعة الفرو بتاعة معطفها على عيني (بس من غير ما تأذيني) وبينتلي إنها مبلولة.
- شايفه؟ – سألها.
- دلوقتي بتعرفي، مش كده؟ – الراجل كرّر.
الدموع، بالإضافة إلى إنها بتخدرها، حرقتها كمان، نازلة زي اللولي حوالين وشها، بتسيب أثار حرق، وسط قطع اللولي على وشها.
- روحي اغسلي وشك، لمي دموعك، ماتسيبهاش في أي حتة. - قال.
في الوقت ده، قالت. - حاضر يا سيدي.
يبقى، هو كان بيرافقها. – طب بتعيطي ليه؟
- مش عايزة تروحي هناك؟
- أروح فين، على أي حال، يا سيدي؟ – سألته.
- بتقولي، فين؟ دلوقتي، رايحة فين، أي مكان، للناحية التانية من مدينة الظلال، مع شوية وسطاء. - قال. –
- على كل حال، ده مكان كويس، على كل حال، ده المكان اللي المفروض تبقي فيه. - قال. – ده مكان استولى عليه الأغنياء والبورجوازيين، ممثلي المعهد دول. - قال.
- أنا دايما كنت عايزة أروح للمنطقة دي على الناحية التانية، أنا سعيدة. - قالت.
- يبقى، بيني سعادة، مش حزن. - قال.
فكرت إنه غريب أوي أو على الأقل اللي قدرت أشوفه منه كان غريب أوي، لأنه كان متلفف لغاية دقنه وشه كان مخفي تقريبا جوه قبعة فرو، كان عنده شرائط فرو عريضة على جوانب راسه.
مع إنه اتكسر، اللي كان تحت الدقن بالظبط، مع إني استعدته، بهدوء ومخوفتش منه.
مع إني قولتله إني لازم أكون بعيط عشان بودّع العرّابة وعشان السيدة ناتاشا ما كانتش حزينة لما ودعتني.
- واحد من الشياطين اللي في الاتفاقية، هو اللي هياخدكِ، ناتاشا! – الوسيط بتاعكِ قال.
ممكن كان يخليها تطير، في هبة ريح، راكبة على عصا مكنسة، ده ما حصلش، حتى كده، فيه حد ممكن يكون السواق بتاعها عشان ياخدها.
حتى لو الفكرة دي وحشة، فيه عربية بتطير بتسوقها عجلات نار مستنياهم، خشب، مع مكانس على جنب كل باب عربية، قبل ما تركب.
بدأت أخاف منه تاني بجد وبصيتله في قمة الدهشة.
حتى كده، فكرت إن عينيه سعيدة، مع إنه فضل يزمجر لنفسه، بنبرة غاضبة، بينادي السيدة ناتاشا بأسماء.
بعد شوية، فتح معطفه الخارجي، اللي شكله واسع كفاية عشان يلف العربية كلها، وحط دراعه في جيب عميق على جنبه.
- عايزك تبصي على المستندات دي، خصوصاً الورقة دي، اللي مطوية بشكل جميل.
في الوقت ده، قدرت أشوف إنها مكتوبة كويس في جزء من الكراسة الكبيرة، في الكتاب ده، اللي فيه أحسن كيكة برقوق ممكن تشتريها.
عليها سكر من بره، سمكه بوصة، زي الدهون على قطع لحم الضأن، اللي هنا فيه قطعة صغيرة (جوهرة، زي ما
مع إنّي مشيت في المكان الغريب ده، وكمان الجودة)، البيئة والبنية التحتية بتاعته اتعملت على إيد مهندس معماري جاي مباشرة من فرنسا.
- على كل حال، بتفترضي إنه معمولة؟
- معمولة من كبد الأوز الدهنية.
- بس كيكة إيه؟
- دلوقتي، يا حبيبتي، خلينا نشوفكِ بتاكلي كل ده!
- بشكركِ، بشكركِ، يا سيدي. – لما شكرتكِ، رديت كتير، في الحقيقة، وأتمنى إنكِ ماتفكريش إنكِ اتضايقتي: دي حاجات عزيزة أوي عليا.
- اتهزم تاني. – الرجل المثقف والخارق ده، زي ما قال راجل نبيل، اللي ما فهمتش منه أي حاجة، وبعدين رمى الحاجتين دول من الشباك، سعادتي أنا، مع هبات السحر.
ما اتكلمش معايا تاني لغاية ما نزل من العربية، مسافة قصيرة من ريدينغ، لما نصحني أبقى بنت كويسة، بتذاكر، وهو بيهز إيدي.
لازم أعترف إني حسيت بالراحة إنه مشي.