الفصل 23
أشعة القمر دخلت مبنى حجري صغير من الشباك. نانسي كانت منحنية في زاوية الغرفة الصغيرة. مافيش أي حاجة هناك تخليها مرتاحة. ولا سرير. ولا كرسي. بس الأرض الباردة الفاضية. باب كبير من معدن تقيل كان على بعد كم قدم منها وهي نايمة. كان فات ساعات كتير من لما ظهرت فجأة في المكان ده. كانت تعبانة، جعانة، ومتلخبطة. أول حاجة كانت في بيتها بتستمتع بيوم هادي وفجأة، في غمضة عين وطلعة دخان، بقت في اللي شكله سجن.
في اللحظة دي، سمعت صوت مقبض الباب من الناحية التانية. نانسي قامت بسرعة لما الباب اتفتح وحد دخل. نانسي ضيقت عيونها وهي بتبص على شكل الشخص. الشخص كان لابس عباية بغطاء للراس. لما قرب من نانسي، الشخص شال الغطاء من على راسه. الحقيقة نورت لما عرفت الشعر الأحمر المألوف والعيون الزرقا. شافتش الشكل ده مرتين على الإنترنت.
"أنتي," نانسي شهقت. "عالمة الخوارق. لوريتا توريس."
"بلاش نتمسخر هنا," لوريتا ابتسمت. "أنتي أصلا عارفة مين أنا بجد."
"مالوركا," نانسي ردت.
"بنت كويسة," لوريتا هزت راسها.
مدت صباعها السبابة ناحية نانسي وشاورت على الأرض.
"اقعدي," قالت.
قوة مفاجئة لفحت نانسي وشدتها على الأرض. قعدت غصب عنها.
"ليه بتعملي كده؟" سألت. "ليه خطفتيني؟"
"بلاش تعملي فيها بريئة," لوريتا انفجرت. "أنتي عارفة ليه. أنتي خرجتي عن جماعتك."
"جماعتي؟" نانسي كانت متلخبطة.
"أيوة، جماعتك," لوريتا ردت. "الستات."
نانسي بصت على لوريتا وهي بتمشي في الغرفة.
"كله بسبب العاطفة القذرة اللي اسمها حب," لوريتا قالت. "أنتي حاولت تخربي التضحية اللي هتجيب نهاية الراجل. مش واعية إن الستات المفروض يحكموا العالم ده. الستات المفروض يسيطروا. الراجل جنس أقل. الراجل شرير. ممكن مش شايفه ده دلوقتي، بس أنا بعمل كل ده علشان مصلحة جنسنا."
"لأ، أنتي غلطانة," نانسي قالت. "مش كل الرجالة أشرار. لو ما كانش فيه رجالة، مكنتيش هتبقي عايشة من قرون."
"شايفة حب ثالاتيان غطى على عينيكي," لوريتا هزت راسها. "بس على أي حال، لعبتي دور كبير في كل ده. افتكري، أنتي اللي رشحتيني ليه."
"دي كانت صدفة," نانسي قالت.
"لأ، ماكانتش," لوريتا قالت. "دي طبيعة القدر والسخرية. في محاولة لمساعدة حب حياتك، خلصتي عليه في إيدي."
نانسي كانت ساكتة وهي بتفكر في كلام لوريتا. لوريتا قعدت على ركبتها عند مستوى عيونها ومسكت خدها.
"مش شايفة؟" قالت بهدوء. "كان مقدر إنك تجيبي سقوط ثالاتيان سواء عجبك ولا لأ. ماعندكيش اختيار. وكعقاب على خيانتك، هتشوفي حبيبك وهو بيقع."
"جوليان هيوقفك," نانسي زمجرت، وعيونها مليانة غضب.
"بيحيرني إيمانك," لوريتا ضحكت. "نشوف هيوصلك لفين."
قامت وقفلت عيونها، بتبص لفوق. بعد كام ثانية، فتحت عيونها وبصت على نانسي، وابتسامتها بتوسع.
"هو هنا," قالت.
مدت إيديها، ومسكت نانسي من دراعها، والاثنين اختفوا في سحابة دخان.
-------------------------------------------
البوابة المعدنية الصدئة صرخت لما جوليان زقها وفتحها. إحساس بالرعب غطاه وهو بيدخل المكان. كانت المقبرة. فات سنين من لما زار المكان ده. محدش يقدر يلومه. هو نفس المكان اللي أداله كل الذكريات السيئة والكوابيس في طفولته. كان حاجة مبالغ فيها لدرجة إنه اضطر يشوف أفلام رعب عشان يعاكس خوفه. فيه مثل بيقول إن أحسن طريقة تقتل بيها خوفك إنك تواجهه. دي كانت طريقته. ساعدته لحد دلوقتي. بس وهو بيمشي أعمق والقبر المألوف ظهر قدامه بالكامل، الخوف رجع.
جوليان غطى عينيه بإيديه وهو بيعدي من قدامه. اسمها كان منحوت عليه بجرأة:
'ماريا فرنانديز.'
قبض على السيف جامد، وعيونه بتضيق وهو بيبص على المنطقة. السكوت كان مزعج. حتى بالنسبة لمقبرة. الهوا فجأة بقى ساقع وراه. دلوقتي بيشوف نفسه وهو بيتنفس من شفايفه.
"مالوركا!" صرخ. "أنتي عايزاني؟ طيب، أنا هنا. بيني نفسك، يا ساحرة!"
قفز لما سمع فرع شجر بيتكسر وراه. لف، وشافها. وقفت ورافع إيديها، وابتسامة ساخرة على وشها. عيونها الزرقا كانت بتلمع في الضلمة.
"ثالاتيان," قالت. عيونها راحت على طول للسيف اللي معاه، وعبوس ظهر على وشها.
"فين نانسي؟" جوليان زمجر.
الابتسامة رجعت تظهر على وشها، ولوريتا فرقعت صوابعها. جوليان بص بصدمة لما نانسي ظهرت في طلعة دخان جنبها. كانت مربوطة بسلاسل سودا من كتفها لحد رجليها. مظهر الخوف ظهر على وشها.
"أطلق سراحها," جوليان أمر، وهو بيغير نظره على لوريتا. "مالهاش علاقة بده."
"بالعكس، ثالاتيان," لوريتا هزت راسها. "ليها علاقة بكل ده. لعبت دور صغير في لقائنا. من العدل إني أكافئها."
"إزاي؟" جوليان سأل.
"بإعطائها متعة مطلقة إنها تشوفك بتموت," لوريتا هزت كتفها بلامبالاة.
"أنتي مجنونة," جوليان انفجر. "أنتي مريضة في دماغك."
لوريتا انحنت من الضحك وهي بتمسك بجوانبها.
"أنتي بجد بتفكري كده؟" سألت، وهي بتمسح دمعة من عينها. "أنتي بتسميها جنون. أنا بسميها ابتكار. يعني زهقت من عمل نفس الحاجة مرارا وتكرارا لقرون. تقتل سبع رجالة، تستني قرن كمان، وتعمل كل ده تاني. على الأقل، هيبقى فيه تغيير المرة دي. دي هتكون أول مرة يبقى فيه متفرج يشوف عرضي."
لوريتا انحنت ومسكت شعر نانسي. وبعدين بصت على جوليان، وابتسامتها بتوسع لما شافت غضبه.
"سواء عايزة ولا لأ," أضافت.
"قوليلي حاجة," جوليان قال. "ليه قتلت سام وراندال؟"
"راندال مات؟" نانسي شهقت.
لوريتا بالكاد ابتسمت ليها وراحت باهتمامها لجوليان.
"بسيطة أوي," قالت. "زي ما شوفت في الأسطورة وزي ما قلت من شوية، تضحيتي شملت سبع رجالة. ستة مذنبين وبعدين ثالاتيان، أنتي. سام ارتكب خطيئة كبيرة الليلة دي. كان خاين لحبيبته، شيريل. فاكرة لما أخد "الشَقراء"، تريش، في أوضته الليلة دي وانتو الخمسة لعبتو لعبتكم السخيفة حقيقة أم تحدي؟"
جوليان ما ردش. نانسي بصت على الأرض. هما الإثنين عارفين لوريتا رايحة لفين.
"طيب، هو عمل أكتر من إنه ساعدها تغير لبسها بس," لوريتا كملت. "ليه فاكرين إنهم خدوا أكتر من عشر دقايق في الأوضة دي؟ سام أذنب ولازم يدفع تمنه، وبقى أول تضحية ليا."
"وبالقيام بكده، حكمتي بشكل غير مباشر على شيريل بالسجن!" نانسي صرخت. "ست زيها لو هنمشي على منطقك!"
"ضرر عرضي من ناحيتي، لازم أعترف للأسف," لوريتا هزت كتفها.
"وراندال؟" جوليان سأل. جسمه بيرتعش من الغضب لما ذكريات جثة صاحبه المحروقة ظهرت في عقله.
"إيه الخطيئة اللي ارتكبها؟" سأل تاني.
"ارتكب خطيئة شهوة," لوريتا ردت. "كان عايز حاجة مش بتاعته. بتتعارض مع الوصية العاشرة لو بجد عندك معرفة بالكتاب المقدس. لا تشتهِ متاع قريبك. في حالة راندال، هو كان عايز حد."
لوريتا وقفت وبصت على نانسي.
"أنتي," قالت.
"إيه؟" عيون نانسي اتفتحت بصدمة.
"أنتي بتكذبي," جوليان زمجر.
"بجد؟" لوريتا تضايقت. "طيب، ده متروك ليكي تصدقيه. دي أكتر حاجة بتسليني من سنين. إزاي مناسب إن تضحياتي الأخيرة في القرن يبقوا اتنين أصحاب طفولة."
قفلت عيونها وابتسمت.
"ده شعري أوي," تأوهت.
جوليان شاف أحمر في اللحظة دي. الغضب ملأه لما صرخ وانطلق في اتجاها، والسيف في إيده. بمجرد ما وصل عندها، فتحت عيونها ومدت إيدها. جوليان انصدم لما لقى نفسه مشلول. حاول يتحرك بس جسمه كان متصلب. الابتسامة اختفت من وش لوريتا لما حركت صباعها. جوليان صرخ لما معصمه انكسر. معصم الإيد اللي ماسكة السيف. أُجبر إنه يسقط السلاح.
"أنا مبسوط إنك بتشاركي أفكاري، ثالاتيان," لوريتا قالت. "وقت الكلام خلص. جه الوقت اللي أنهي فيه حياتك البائسة."
لوريتا وقفت ورفعت إيدها التانية. دخان أسود ظهر قدامهم. لما بصوا تاني، شكله كان دوامة. دوامة سودا من الدخان.
"بس الأول," لوريتا واجهت جوليان اللي كانت رفعته دلوقتي في نص الهوا بتحريك قوى عقلية. "أنا بكسرك."
مدت إيدها ناحية الدوامة. آخر حاجة جوليان سمعها وهو بيتحدف فيها وبيتغطى بالضلمة، كان صوت نانسي وهي بتصرخ باسمه.
$الفصل