الفصل 32
بعد اللحظة المؤثرة بيني وبين أورليا، قررنا بالإجماع أن الأفضل هو أن نكون أصدقاء، على الأقل حتى نعرف إيه اللي بيحصل معانا.
أمي بتتوتر طول التلات أيام اللي فاتوا بسبب تعبي المفاجئ.
ده كان حرفياً مجرد شوية سخونة.
أنا دلوقتي لابسة توب أسود حريري مكشوف الكتف، ولبست عليه بنطلون جينز أزرق مقطع هاي ويست.
في رجلي لبست كونفرس أبيض، وشعري بس عملت فيه كيرلز.
"هانا، إيه اللي لبستيه ده؟" أمي بتسألني بملامح وجه متلخبطة وأنا نازلة من على السلم.
آه، صح.
نسيت أقولها إني بقيت أحسن.
"عندي مدرسة" قلت وأنا بمشي في المطبخ وأخد تفاحة من طبق الفاكهة.
بتبصلي بـ"هل فقدتي عقلك" على وشها.
"هانا" أمي بتبدأ تقول، بس الجرس بيرن.
يا ربّي.
"ماما، أنا أحسن بكتير من إمبارح" قلت وأنا بمشي ناحية الباب.
بسرعة فتحت الباب وأنا بأرجحه عشان أشوف أورليا اللي مبتسمة، وبتسند على إطار الباب.
يا ترى وقفت هناك أد إيه؟
"وبعدين، أورليا هتبقى معايا طول اليوم" قلت عشان عارفة إن أهلي ليهم نقطة ضعف للبنت دي.
أمي بتتنفس الصعداء، وحطت راسها بين إيديها. فكرت شوية قبل ما تلوحلي بإيدها في صمت.
"شكراً يا ماما، بحبك" قلت وأنا بخرج من البيت.
"هتجنني أمك في يوم من الأيام" أورليا بتقول بضحكة خفيفة وإحنا ماشيين ناحية عربية أم بايلي.
ضحكت بخفة على كلامها.
"ممكن تكوني صح" وافقت وأنا بفكر في إزاي كنت موترة أمي طول التلات أيام اللي فاتوا.
سلمت على بايلي المتعبة بابتسامة قبل ما أطلع في الكرسي اللي ورا، والبنت صاحبة الشعر الأسود تبعتني.
دي فرصة إني أشوف لبس أورليا من غير ما حد ياخد باله.
البنت صاحبة العيون الرمادي لابسة تي شيرت أحمر غامق مع بنطلون جينز أسود ضيق ومقطع.
في رجليها لبست كونفرس أبيض وأسود هاي توب، وشعرها سابته مفرود على شكل موجات، ومقسم من الجنب.
"هانا، بطلي تبصي لأورليا، أنا عايزة قهوة" بايلي بتأوه بتعب من الكرسي اللي قدام.
بصيت من الشباك بس لاحظت إننا في كافية غير اللي بنروحها عادةً.
وده يفسر إزاي وصلنا هنا بسرعة.
-
فاتني شغل كتير في المدرسة طول التلات أيام اللي فاتوا أكتر ما كنت فاكرة، وده معناه إني غالباً لازم أذاكر طول الليل عشان أخلصه كله.
على أي حال، دلوقتي وقت البريك، والأكل كله وحش.
البيتزا شكلها ناشفة النهاردة.
السلطات طعمها دايماً وحش.
والتاكو ريحتها وحشة.
"ممكن أطلبلك أوبر و نروح نجيبلك أكل؟" أورليا بتعرض، بس هزيت راسي.
عندنا بس أربعين دقيقة عشان نأكل النهاردة بدل الساعة المعتادة عشان الانتخابات الرئاسية.
الناظر قرر يعملهم بدري بأسبوع.
"هانا، كلي فاكهتي" بايلي بتقول وبتشير إلى كوباية الأناناس بتاعتها.
اتخزقت من كوباية الفاكهة الرخيصة.
"مش عايزة أناناس المدرسة" قلت.
بتكون ناشفة وطعمها ورق شجر أغلب الوقت.
وأنا في عز ما بتضايق، إيمان بتمشي ناحيتنا بطريقة مش لطيفة.
"ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟" بتسألني.
جعدت حواجبي، بس في النهاية هزيت راسها بالموافقة.
قومنا، وهي خدتنا بعيد عن الكافيتيريا وراحت بينا على ممر منعزل.
"إيمان، إنتي كويسة؟" سألتها وإحنا مكملين مشي.
عمري ما شوفت إيمان هادية أو متوترة كده قبل كده.
فجأة وقفت في نص الخطوة، ودورت عشان تبصلي، وهي بتعض على شفايفها اللي فوق بتوتر.
"مش عارفة إيه اللي سمعتيه أو شوفتيه، بس أنا مابستهاش، أنا أصلاً مش معجبة بأورليا بالطريقة دي..." إيمان بدأت ترغي.
معرفتش أمسك نفسي من إني أبتسم من سخافتها.
"إيمان" حاولت أقاطعها، بس هي كملت رغي.
"مش دي النوع بتاعي، أنا أكتر معجبة بالسمراوات... استني، مش ده الموضوع، هانا، أنا بحترمك جدًا، ومش هعمل أي حاجة عشان أبظ صداقتنا" خلصت بملامح وجه متوترة شوية.
روحت عندها وحطيت إيدي على منطقة البايسبس بتاعتها.
"إيمان، عارفة، أورليا قالتلي من تلات أيام" قلتلها.
ادتني نظرة اللي هو "أنا تايهة" قبل ما تترسم ابتسامة على وشها.
"مش هتكرهيني؟" سألت.
"ليه أكرهك عشان في رمش في عينك؟" قلت، وهي بتتخزق بملل واضح من الموقف كله.
"الرمش ده أخد وقت طويل عشان يطلع" قالتلي.
ضحكت على تعبير وجهها الممل.
روحت عشان أقولها إننا لازم نرجع، بس اتقاطعت لما سمعت شهقة. لفيت وبصري وقع على شادلي على طول.
"أهلًا، شادلي" سلمت بابتسامة حقيقية.
ماردش عليا وسحبني في حضن يكسر العضم، ورفعني من على أرضية البلاط.
أوه.
واو.
طيب.
مش قادرة أتنفس.
بدأت أكح، بس الكحة طلعت غريبة عشان هو ضاغط على ضلوعي.
"شادلي، سيبها، مش قادرة تتنفس" إيمان بتزعق.
نجحت إنها تبعده عني، وسمحت للهوا إنه يدخل رئتي تاني.
يا خراشي، ده وجع أوي.
ممكن كنت قعدت في البيت أحسن.
-
"بتعملي إيه يا كينجسبري؟" تنهدت وهي بتجرني في الممر الفاضي وأنا مش شايفه.
القهوة بتاعت الصبح بدأت تروح.
مالحقتش آكل أي أكل النهاردة، وده معناه إني معنديش طاقة.
الصبح أمي فضلت تبص عليا، ودي حاجة مقدرها، بس النور في الممر صعب عليا أنام.
فمن الآمن إننا نفترض إني ممكن أقع في أي لحظة.
"اششش، خلاص وصلنا" ردت.
المفروض نكون في الأودييتوريم.
ده المكان اللي هيتم فيه الانتخابات.
بس إحنا هنا.
أنا دلوقتي لابسة عصابة سودا على عيني وهي بتجرني في الممر ناحية "مفاجأة".
يارب تكون أكل.
"المفروض نكون في الأودييتوريم" حاولت أقنعها وأنا ضعيفة، بس سمحتلها تكمل تجرني للمكان المجهول.
ضحكت عليا قبل ما فجأة توقفني، وتخليني أدور.
رحت عشان أسألها ليه وقفنا بس هي بدأت تشيل العصابة من على عيني.
يا خراشي.
ليه النور ده وحش أوي كده؟!
دي حرفياً بداية نوفمبر.
تنهدت لما النور هاجم بؤبؤ عيني.
لما عينيا بدأت تتأقلم، بصيت على البنت صاحبة الشعر الأسود، واديتها تعبير الوجه "إنتي بتهزري".
هي حرفياً عصبت عيني وجرتني على الخزانة بتاعتي.
أنا بشوف قطعة المعدن دي كل يوم!
"افتحيها بس يا أميرة" قالت، وهي بتحاول متبتسمش من تعبير وجهي.
دورت عيني على كينجسبري.
"أقسم بالله، يا كينجسبري، لو في حاجة نطتلي منها" هددت وأنا ببدا أكتب كود الخزانة بتاعتي.
ضحكت عليا، وهي بتسند على الخزانة اللي جنبي.
فتحت الخزانة وبصيت حواليها، بس عيني على طول وقعت على الأكل.
أمنياتي اتجاوبت.
بدأت ألحس شفايفي ببطء وعيني ثابتة على كيس ورقي مكتوب عليه "إن-إن-أوت".
"أفترض إن عاجبك، عشان اللي في عينك" أورليا بتهزر.
دورت راسي ناحيتها، فجأة افتكرت إنها كانت واقفة هناك.
"إزاي عملتي كده، إنتي معايا طول الوقت؟" سألت بنبرة صوت مصدومة.
"أنا أعرف ناس" بتسخر وهي بتغمز.
مسكت كيس الأكل وقفلت الخزانة بتاعتي.
"يلا، المدرس بتاع المسرح قال ممكن نستخدم أوضته" قالت، فخليت عيني تتسع.
إيه ده-
إزاي هي-؟
"إزاي إنتي-" بدأت أقول بس اتوقفت.
"مدينلي بمعروف" بايلي بتقول وهي بتمشي ناحيتنا بابتسامة شريرة.
هم خططوا لكل ده؟
يااااه.
أنا بحب صحابي.
"دلوقتي، يلا، لازم أحرس المكان" بايلي بتقول قبل ما تدور حوالين نفسها، وتاخدنا على الفصل.
أنا مبسوط أوي لدرجة إني ممكن أغيب عن الوعي!
أو ممكن ده من الجوع بس.
-
"جميل" أورليا بتعلق وأنا بأخد قضمة كبيرة من الساندويتش بتاعي.
دورت عيني عليها وخدودي بدأت تسخن، حطيت الهمبرجر بتاعي، واستخدمت إيدي عشان أغطي بوقي اللي متبهدل.
أوووف.
يا خراشي.
ده طعمه حلو أوي.
لما بكون جعانة بجد، وأخيراً باكل، طعمه دايماً بيكون مختلف.
أنا بفكر إن الأكل طعمه بيختلف عموماً لما تكون جعان أوي.
"اسكتي يا كينجسبري" قلت بعد ما بلعت اللقمة.
شيلت إيدي من على وشي لما لاحظت إنها لسه بتبصلي.
أديتها تعبير الوجه "بتبصي على إيه".
قامت من على المكتب اللي كانت قاعدة عليه، وهي بتمشي عليا.
أنا دلوقتي قاعدة على مكتب مدرس المسرح الخشبي ورجلي متقاطعة كإنها رجل هندي.
وقفت قدامي، وانحنت عشان وشوشنا يكونوا على بعد سنتيمترات من بعض.
جسمي على طول اتجمد وأنا ببص في عيونها الرمادي اللي بدأت تسود.
ضربات قلبي على طول زادت سرعتها وهي بتبتسملي، عينيها بتمشي على وشي ببطء.
قربت إيدها على خدودي فخليتني أتفاجئ.
بتمنى إنها تتحرك، بس هي رجعت لورا مني بابتسامة ساخرة ومبسوطة.
فكي فتح لما حطت إبهامها في بوقها، وهي بتلحسه بشكل مثير.
"إنتي مش نباتية؟" سألت البنت، وهي بتجعد حواجبها.
"ده كان كاتشب" قالت.
اتسعت عيني لما دورت وشي عنها ببطء، عشان أبص على حيطة الطوب، قبل ما أخد الهمبرجر بتاعي وأخد قضمة تانية.
لو بس أتظاهر إني مش عايزة تاخدني هنا على المكتب ده، يبقى محصلش.
أنا مش فاكرة إن دي الطريقة اللي بتمشي بيها الأمور.
أوووف.
في خبط على الباب قبل ما يفتح و بايلي تدخل.
"آسفة، معرفتش إذا كنتوا..." هي بتنطق الموقف بشكل مش لطيف، وبتبص يمين وشمال.
إحنا مش بنعمل س* كتير!
احمر وشي، بس فضلت صامتة وأنا بأخد قضمة تانية من الهمبرجر بتاعي.
"على أي حال، معاكوا عشر دقايق قبل ما الناس كلها تبدأ تخرج من الأودييتوريم" هي بتعلمنا.
هزيت راسي على البنت السمرا.
أورليا شكرتها بابتسامة وهي بترمي الزبالة بتاعتها.
بايلي خرجت عشان ترجع تحرس الباب.
بلعت آخر قضمة من الهمبرجر بتاعي قبل ما أكرمش الورقة بتاعتي وأقوم من على المكتب.
أنا كسولة أوي إني أمشي ناحية سلة الزبالة، اللي على بعد مترين أو أكتر.
"عايزة أرميها ليكي؟" أورليا بتسأل وهي شايفاني ببص على سلة الزبالة بتركيز.
ابتسمتلها على لفتتها اللطيفة بس هزيت راسي.
"لأ، تمام" قلت.
رفعت إيدي وعدلتها بطريقة معينة، وتأكدت إنها مستقيمة على السلة، قبل ما أرمي الورقة من فوق.
الورقة نزلت بسهولة في سلة الزبالة فخليتني أبتسم.
الكسل بيكسب.
أحياناً.
"أيوة، إنتي بتعملي كده، إمتى اتعلمتي كده؟" بتقول بتعبير وجه مبهج.
دورت وشي ناحيتها بابتسامة مشرقة.
"دي موهبتي السرية، متقوليش لحد" رديت، وأنا برفعلها صابعي وأحطه على شفايفي بحركة "اشش".
أورليا ابتسمت، وهي بتهز راسها بالموافقة.