16 احتمالات ونهايات
بعد ما نزّل **فيليكس** عند مسكنه وفارق **تارسوس**، اللي راح البيت عشان يودّع وصيّه، رجع **ديمون** إلى نزل الخنزير والصفارة. المحقق اللي كان مستأجره رجع بأخبار كويسة عن الشخص اللي مهتم فيه.
على ما يبدو، **فيجيلس** لقوا ولد صغير يتسكع في **كوبا**، يطلب أكل وماي. صحيح إنه مسموح بالصدقة، بس التسوّل ممنوع في **باغو** و**مودو** بأمر حكام المدينة. اللي يخالفون يتم اعتقالهم ويقدمون للمحكمة عشان المحاكمة. البدوي كان مذنباً بجرائم إضافية أثناء محاكمته، لأنه رفض يكشف عن أصله أو جنسيته. وحُكم عليه بشهر سجن في سجن **فيجيلس** المدينة في **الأغورا**. وبعدها بيصير في تقييم بعد ما يخلص مدة عقوبته.
رجال **الماجيستريت** قاموا ببعض التحقيقات عشان يكتشفون إن الطفل يتبع لأحد الأثرياء في **مودو**. من خلال سفارة **مودو** الموجودة في **الأغورا**، فتحوا مفاوضات مع الطرف الثاني. **الماجيستريت** طلب سعر كبير عشان يرجع الولد. إذا ما تدفع كاملة، الولد راح يتباع كعبد، لأنه كسر قوانين كثيرة خلال فترة وجوده في المدينة. بس القضية ممكن تاخذ أكثر من شهر. الولد راح يعاني في حجز **فيجيلس**، اللي مو معروفين بإنهم ناس حنونين.
بس ليش يهتم، تساءل **ديمون**. لأنه يبغى فلوس المهمة عشان يرجعه لأهله؟ أو إن معاناة الولد كانت تسبب له أزمة ضمير؟ إيش اللي قالت له **فيليسيتي**؟ 'أنت مو شرير في هالحياة.'
غير **ديمون** ملابسه لملابس سهرة رمادية وتوجه غرباً.
**الأغورا** كانت في الشمال الغربي من **كوبا**. كانت محاطة من الشرق بحلبة سباق الخيل ومن الغرب بتل **بالوس**، اللي كان فيه معبد لـ **أيّون** على جهة، والمسرح على الجهة الثانية.
المكان كان مهم لأن مجتمع **باغو** يجتمع عشان يناقشون أحداث اليوم، السياسة، الدين، الفلسفة، والأمور القانونية. **الأغورا** كانت ساحة وقاعة مدينة. كانت منطقة مزروعة بالأشجار، الحدائق، النوافير، التماثيل، المنحوتات، المعالم، المباني، والمحلات الراقية اللي تبيع بضائع متنوعة.
القاتل الشاب وصل من المدخل الشرقي. كان فيه عدة مداخل، لأنه كان فيها ممرات بين المباني على ثلاث جهات. المنطقة اللي تشكلها المباني كانت مربعة وكان طولها أكثر من خمسمية قدم. نافورة كبيرة بثلاث فتحات كانت في النص. الموسيقيين والمغنيين كانوا جالسين على المقاعد الحجرية حولها، يغنون ويزيدون من جو السهرة بأغانيهم.
المباني المحيطة كانت خاصة وعامة. مكتب **الماجيستريت** كان أطول مبنى، يواجه تل **بالوس**. معبد **أيّون** كان مبنى منحوت في التل. بعدين كان فيه مكتبات، متحف، سجن **فيجيلس** المدينة، سفارات **فوجي** و**مودو**. موقع لـ **أسنيدنسي** كان في زاوية.
المواطنين كانوا واقفين في مجموعات صغيرة يتناقشون في مواضيع مختلفة. زي معظم التجمعات الاجتماعية الثانية، سياسة الآلهة كانت هي الأساس. كان فيه مجموعات متعارضة - مؤيدين لـ **ماركوس بيتروماكس** و**أناكسيماندر**. فصيل يعبد **إلكترا** كان يجند أعضاء.
**ديمون** مشى بين الحشود. كان معدل ملابسه ومشيه عشان يندمج مع مواطني **باغو**. للي ما يعرفون، كان واحد منهم، يتمشى في سهرة لطيفة.
'انتباه! انتباه أيها المواطنون الشرفاء في **باغو**!' صوت صرخ من منصة قدام مبنى **الماجيستريت**. **هيرالد** كان يعلن نيابة عن مسؤولي المدينة. معظم المواطنين ما انتبهوا لأن **هيرالد** يكرر نفس الرسالة كل ساعة.
'كل الغرباء اللي يدخلون **باغو** لازم يبلغون مكتب **الماجيستريت** بدون فشل ويحصلون على ختم الغريب الإلزامي! إذا تم الإمساك بكم بدون نفس الشيء، السجن القاسي ينتظركم!' **هيرالد** كرر الإعلان مرتين، لف الورقة، ورجع للمكتب.
**فيليسيتي** شاركت خططها معاهم. عشان يسافرون عبر **باغو** كطامحين لـ **لابورز**، لازم أول شي يحصلون على الأختام المناسبة من كل **سوبورا** في طريقهم. لذا، **ديمون** لازم يدخل مكتب **الماجيستريت** في اليوم التالي. كان الأفضل يخفض راسه وما يخلي ناس كثير يتذكرون وجهه خلال مهمته الخطيرة.
سجن **فيجيلس** المدينة كان بين مبنيين منفصلين عن مكتب **الماجيستريت**. أربعة حراس كانوا متمركزين عند مدخله. اثنين من الحرس كانوا يراقبون من الشرفة. ما كان فيه طريقة لـ **ديمون** يدخل السجن بدون ما أحد يكشفه من الأمام.
المؤسسة المجاورة كانت بنك تجاري. **ديمون** قرأ اللوحة.
بنك **بيرايوس** الإلهي.
دخل من الباب الواسع، ورجل سمين، أصلع، لابس ثوب مزركش، حيّاه.
'أيها المواطن! مرحباً بك في بنك **بيرايوس** الإلهي. أنا، **رولوس بيرايوس**، سأكون دليلك,' قال البنكي، وهو يبتسم من الأذن إلى الأذن.
'لك مني جزيل الشكر على الترحيب اللطيف.'
**رولوس** أخذه إلى صالة جلوس مريحة، وجلسوا.
'هل تسمح لي أعرض لك بعض النبيذ قبل ما نتكلم عن الأعمال؟'
'هذا راح يكون رائع.'
**رولوس** طق أصابعه، وامرأة طويلة، ممتلئة، لابس ثوب خفيف، اقتربت وقدمت له كوب. غمّزت بعيونها عليه وراحت، وهي تحرك وركيها بإغراء. **ديمون** حول عيونه بعيداً. الرغبة في امرأة ثانية بطريقة ما جعلته يحس بالذنب.
'هل أنت مواطن في **باغو**، إذا سمحت؟'
'نعم,' كذب **ديمون**.
'هل يمكنني رؤية ختمك؟'
**ديمون** لف أصابعه داخل جيبه وخلا ختم حجري يظهر. قدم الشيء للبنكي.
'أنت يا صديقي، تاجر مسافر، **فاسيليس**؟' قرأ.
'هذا صحيح.'
'آه، عندك توصية **الماجيستريت** بعد.'
'هو صديق للعائلة.'
'ممتاز. الحين قلي خطط أعمالك.'
'أرغب في تأسيس بذور وبقوليات في **كوبا**.'
'خطة رائعة. الأمطار جاية. هذا هو الوقت المثالي لبيع البذور. وكم ترغب في اقتراض؟'
'ألفين ذهبية في البداية وخمسمية كل شهر حتى تنتهي الأمطار الموسمية.'
'آه، أرى. اسمح لي لحظة-'
**رولوس** طق أصابعه، ونادل نظر في السجل وهز رأسه.
'عندنا الأموال جاهزة. بس راح نحتاج بعض الرهن العقاري,' قال، وهو يفرك يديه بابتسامة عريضة.
البنكيين غالباً ما يستفيدون من خراب الأعمال لأنهم يرثون كل الممتلكات كدائنين.
'عندي نصف طن من السمك تحت الثلج في مخزن في **كوبا**. قيمته خمسة آلاف ذهبية.'
'ممتاز. ممتاز. اسمح لي ببعض الوقت لأعد لك الوثيقة. لو سمحت استمتع بالمزيد من النبيذ.'
المرأة الممتلئة اقتربت مرة ثانية، و**تارسوس** حاول بجهده ما يرفع نظره لفوق وهي تقدم النبيذ. **رولوس بيرايوس** اختفى في غرفة خلفية، راضٍ لأنه عمل صفقة جيدة بفائدة ثلاثين بالمية على القرض.
'النبيذ عبّى مثانتي,' صرح **ديمون** بحرج مصطنع. 'هل فيه مكان عشان أريح نفسي؟'
النادل أشار إلى غرفة في الفناء الخلفي.
ممتاز، احتفل **ديمون**. الحين يقدر يطلع من الخلف، يتسلق الجدار المجاور ويقفز إلى سياج السجن.
وهو يمشي للخارج عن طريق رواق الخروج، شاف بنت صغيرة، عمرها ما يزيد عن خمس سنوات، تبكي جنب موقد صغير بالقرب من جدار المجمع.
نظرت إليه بعيون كستنائية دامعة.
'دميتي مكسورة,' قالت، وهي تشير إلى دمية خشبية راسها انفصل.
'ياي، أبوك راح يجيب لك وحدة جديدة، يا حلوة,' طمأنها **ديمون**.
'بس ما عندي أب,' قالت البنت، وهي تبكي.
**ديمون** نظر إليها بملابس رثة. من المحتمل إنها بنت امرأة عبدة. العبودية ممنوعة في **باغو**، بس الأغنياء والمؤثرين غالباً ما يحتفظون بمساعدين محليين بأجور وشروط منخفضة تشبه العبيد.
'همم، هل هذا صحيح؟' تمتم **ديمون** بصوت مبالغ فيه، 'بس أنا قابلت أبوك لما كنت في أرض بعيدة، وطلب مني أعطيك هدية.'
'بجد؟' البنت فرحت. 'لو سمحت أعطيني إياها.'
'غمضي عيونك.'
لما البنت أغمضت عيونها، **ديمون** خلا دمية بشعر أشقر تظهر. كانت منحوتة بشكل جميل وتشبه **فيليسيتي**.
'الحين، افتحي عيونك.'
البنت فعلت ما قيل لها وصاحت بفرح وهي تشوف الدمية.
'إنها حلوة مرة,' قالت الصغيرة، وهي تحضن هديتها.
'صحيح، هي كذلك.'
'متى راح يرجع أبوي؟'
'آه، هو في الأراضي النائية يحارب الوحوش مع الآلهة، عشان تكونين آمنة. تقدري تكبرين وتنضمين له.'
البنت ضحكت وزرعت قبلة على خد **ديمون**. كانت المرة الثانية اللي يتباس فيها في ذيك الليلة، وابتسم.
'الحين,' قال للبنت، 'أنا راح أتسلق ذا الجدار وأنقذ صديق لي. بس ذا راح يكون سرنا الصغير، اوكي؟'
'سرنا؟'
'نعم. إذا سأل أحد، فأنت ما شفتييني. هل تعدين؟'
'أعد,' أجابت.
**ديمون** تسلق بسرعة الجدار الحدودي، وتوقف عشان يغمز للبنت من فوق. البنت لوحت له.
مشى على طول الجدار حتى شاف مجمع السجن. المدخل الآمن الوحيد راح يكون من الشرفة، حيث اثنين من الحراس يراقبون.
بقدر ما **ديمون** يبغى الليل يخلص، ما انتهى بعد. كان عنده أميال يقطعها قبل ما ينام.