الفصل الثاني
أنا آنا، أنا..." الكرسي ورا طاولة القزاز الخشبية لف، وفجأة لقيت الشخص اللي كنت متحمسة أشوفه جالس.
كان لابس بدلة كحلي غامق، والقميص اللي تحت أبيض، وربطة العنق فيها خطوط بيضاء وزرقا. بشرته البيضاء مرة مناسبة لشعره الأسود القصير.
"آنسة آنا،" نطق وهو مركز عيونه علي، وهذا خلاني أحس بالإحراج، واسمي طلع مختلف بصوته.
نظر فيني من فوق لتحت، وشفتيه تحركت لما عيونه وصلت لـ"أحذيتي". عقدت حواجبي بفضول، ونزلت عيوني على أحذيتي عشان أشوف إذا فيه شيء.
تجاهلت نظرته، ومشيت قدام وحطيت الملف على الطاولة.
"تفضلي اجلسي،" قال وهو يمد يده على الكرسي اللي قدامي. ناظرته ومشيت على الكرسي وجلست، أحاول أسترخي لأن نظرته المركزة جننتني.
"وأنتِ،" نظر على الشخص اللي كان واقف جنب الطاولة، شكله في أواخر العشرينات، ووجهه يبين عليه القلق، "جيب لي الملف قبل ما أطردك،" همس بصوت عالي، وطلع من المكان في لمح البصر.
أحس إنه وقته يخلص، فكرت.
أنا آسفة عليه.
سمعت السيد هان ينظف حلقه، وهذا خلاني أقفز من تفكيري عن الولد وأناظره.
هو حقاً شيء، ما توقعت أن أول مرة أقابله تكون كذا، لأن جاني شعور غريب، ووجوده شيء ثاني.
يا ربي... آنا، اطلعي من أفكارك الغبية.
"توقعت شكلك بيكون مختلف،" قال وهو يرفع حاجبه، كأنه يمزح.
"أنا..." قبل ما أتكلم قاطعني.
"ليش تلبسين ذي؟" سأل وهو يناظرني بعمق.
"هاه؟" ذي طلعت من فمي لأني ما كنت أعرف عن ايش يتكلم.
حاولت أتأمل كلامه، ونزلت عيوني عليّ عشان أعرف عن أيش يتكلم.
"النظارات،" قال وهو يفتح ملفي، وبدأ يقرأه.
تنهيدة راحة طلعت من شفايفي، لأن أخيراً ذي العيون ما كانت مركزة عليّ.
أخذت نفس عميق، وناظرته وهو يقرأ ملفي.
"عندي مشكلة في النظر بعيد،" جاوبت، وهذا خلى عيونه تطلع فوق، وناظرني.
"أوه،" حرك عيونه على الملف مرة ثانية.
أفرك كفوفي على بعض، لأن توتري كان ينهيني، وجلست هناك أناظره وهو يقرأ الملف.
أناظر فيه الحين، وأفهم ليش كثير بنات يركضون وراه، وليش هو معروف بأنه أحسن مدير تنفيذي.
"آنسة آنا،" نادى فجأة، وهذا خلاني أطلع من أفكاري، وكلمة "آه" طلعت من فمي بدون ما أحس.
ابتسامة ظهرت على شفايفه وهو يناظرني، وهذا خلاني أحس بالإحراج.
رجع على ورا على كرسيه، ورمى الملف على الكرسي اللي جنب الرف اللي مليان كتب وملفات.
"السيد أندروز مدحك كثير... يبدو إنك موظفة مجتهدة، وعلشان كذا أبغاك تكوني مساعدتي،" شرح وهو مركز عيونه عليّ.
"يسعدني،" جاوبت وابتسمت له، وابتسامتي اختفت لما لاحظت ابتسامته كبرت.
"مساعدتي الشخصية، آنسة آنا،" قال وهو يميل على قدام، حاط ذراعينه على الطاولة.
زي ما قلت قبل، وجوده شيء ثاني، لأنه يوترني مرة.
قام من مكانه، وميل على قدام زيادة، وصارت وجوهنا على بعد سنتيمترات. جلست هناك أناظره، ما أدري أيش أسوي.
"أتطلع للعمل معك، آنسة آنا،" ضحك وقام بسرعة، وهذا خلاني أطلع من عقلي الفاضي على طول.
قمت من مكاني، ووقفت ورا الشخص الطويل، اللي كان يدور على ملف في الرف.
"وأنا بعد،" جاوبت بأدب.
هذا كله كان يخليني أحس بالإحراج، وهي أول مرة أقابله.
فكرة "الانطباع الأول هو أحسن انطباع" اختفت.
وفكرة إنه متكبر طلعت من عقلي بعد.
"مكتبك هناك،" لف ونظر على اليمين، وتابعت نظرته.
المكان اللي أنا فيه الحين، والمكتب اللي مفروض أشتغل فيه، مفصول بس بالقزاز.
أوكي... هو أو أنا نقدر نشوف بوضوح إيش نسوي من اليوم ورايح.
آنا لا تتصرفي بغباء وتحرجين نفسك.
"هان،" صوت جذاب قاطعني، وهذا خلاني ألف وأناظر على الباب.
إنها البنت اللي كلمتني في المصعد.
"وريها المكان،" قال ببرود.
"أكيد، يا صاحبي،" غمزت له، ومشيت على الباب.
"يبدو إن كل شيء تمام،" سألتني واحنا نمشي مع بعض.
جاوبتها بـ"هممم"، ما أدري بالضبط أيش صار هناك. حتى ما تكلمت بكلمة، وحتى ما تكلمنا عن الوظيفة أو العقد. يمكن هو ناقش كل شيء مع رئيسي السابق، السيد أندروز، أو...
على العموم، المهم إني أسوي شغلي.
"أوه، نسيت أعرفك بنفسي،" توقفت ونظرت فيني، وأنا غارقة في أفكاري.
"أنا شارلوت، مديرة المكتب،" مدت يدها قدام.
"أنا آنا،" صافحتها، وكملنا نمشي.
شارلوت ورتني المكان، مو كله، بس تقريباً كل الأماكن المهمة اللي لازم أعرفها. المبنى كان مرة كبير، ورجولي بدت تخدر، وهذي الكعب كانت تعذبني.
ما عندي فكرة كيف شارلوت تمشي في الكعب اللي طوله 6 انش، وأنا هنا رجولي تحرقني من الكعب اللي طوله 2 انش.
ورتني المتجر، غرفة الاجتماعات، المكتب العام، مركز الاتصالات، وأماكن ثانية بعد. عرفتني على الموظفين الثانيين، وأغلبهم يبدون ودودين، وبعضهم كأنهم "مو مهم مين هي".
رجولي توقفت عند مدخل غرفة، فيه طاولة على شكل حرف L في الزاوية، عليها كراسي دائرية. فيه كنبة كبيرة في النص، وكمان آلة قهوة.
"وإيه، تقدري تقضي وقت استراحتك هنا لو تبغين..."
"واو،" دخلت وجلست على الكرسي، وأنا أناظر حولي.
"يبدو إنك تبغين توقفين الاستكشاف هنا،" قالت شارلوت وهي تحط ذراعيها على صدرها.
هي حقاً ملكة دراما.
أفرك رجولي، ورفعت عيوني عليها، "ايش رأيك في السيد هان؟" سألت، وهي تعبي كاستين قهوة وجلست على الكرسي اللي جنبي.
"السيد هان،" قالت لنفسها، "مممم.. هو وسيم."
"و؟" سألت وأنا أشرب قهوتي.
"و... هو وسيم،" قالت، وهذا خلاني أشرق.
صدق... ما فيه شيء ثاني عنه...
حطيت كاستي على الطاولة، وناظرت فيها ورفعت حواجبي.
"ايش؟" سألت بفضول، كأنها عطتني جواب مثالي.
"ما في شيء، لازم أبدأ أشتغل،" ودعتها، وأنا للحين أبتسم على جوابها.