الفصل 33: الفصل الأخير
الفصل الأخير
زي ما خططنا، أنا و الست دوري طلعنا طيارة رايحة الدنمارك. إيدي ما كانتش بتوقف عرق و بترتعش حتى لو الجو برد. مش عارفة إيه اللي أحس بيه. حاسة بإثارة و في نفس الوقت متوترة. دقات قلبي السريعة بتعمل صوت بيصم الأذن. الست دوري اللي جنبي كانت نامت خلاص.
يا ساتر، أول مرة أركب طيارة. الست دوري عملت معايا معروف كبير، و مش عارفة إزاي أرد لها الجميل. طيبة أوي و عمالة أفكر ليه مش بتستقر؟ تستاهل كل حاجة و شكله كدة—مش عارفة بس حاسة إن فيه حزن مسيطر عليها. زي ما بتبصي في عينيكي، تقدري تشوفي من خلال أعماق عينيها إنها يمكن يكون عندها ماضي أليم أو حاجة.
عايزة أسألها عن كدة، بس حاسة بالخجل. زي ما أنا وقحة. ومش عايزة أتعدى الخط. مش قريبين لدرجة إني أعرف عن كدة، و دي مش أول مرة تساعدني فيها. فاكرة لما كنت بتعذب في مشاعري تجاه لينوس، أدتني كلام حكيم و نصحتني أعمل إيه.
قلت للست دوري إني هفضل في الدنمارك يومين بس لأن الدراسة هتبدأ تاني بعد الويك إند. الإجازة اللي مدتها أسبوع هتخلص أخيراً. حتى لو باخد مخاطر بخصوص الحب الميؤوس منه اللي عندي لـ لينوس، مش ممكن أضحي بدراستي علشانه. لو أقدر أعمل حاجات في نفس الوقت، يبقى هعمل. بس الدراسة أهم.
و لينوس ده، هيتأكد إنه يقدر يديني سبب كافي ليه ساب من غير ما يقول كلمة. بس اللعنة، وضع حياتنا مختلف. هو السما و أنا الأرض. مش ممكن أوصله. إيه المدى اللي هتوصل له علاقتنا؟ هل هنفضل سوا لغاية النهاية؟ ماذا لو رتبوا له يتجوز حد تاني؟ إيه اللي هيحصل لي وقتها؟
بتمنى إن التضحيات اللي بعملها ما تترميش في الزبالة. مش عايزة أرجع البيت و قلبي بيتكسر لحتت. بس دلوقتي، طالما ما سمعتش وجهة نظره، هفضل أثق فيه.
قال لي أثق فيه. الثقة حاجة مهمة في العلاقة. بحبه، و مستعدة أسمع كل حاجة و أقبل كل حاجة مهما كانت.
حسب كلام الست دوري، تقدر ترافقني جوة القصر. أمن المكان كله صارم، بس الست دوري شخصية مهمة في القصر عشان وجدتها كانت سيدة بلاط زمان. عمالة أفكر في سن وجدتها. و كمان فضولي زاد عن عمر الست دوري، شكله في منتصف الأربعينات. جميلة، و صغيرة، و بشرتها بتلمع. عينيها زرقة، و عندها وش على شكل قلب، و أكتر حاجة بحبها في جسمها شعرها الأسود، الطويل، المستقيم.
"إنتِ كويسة، بيكا؟" سألت. قعدت كويس و بصت لي. "ليه ما تاخديش غفوة؟ الرحلة لسة طويلة. و هنوصل خلال تلات ساعات."
"أنا كويسة يا مدام. لسة مش نعسانة." رديت.
ابتسمت لي، "متوترة؟"
هزيت راسي.
طيب، ده طبيعي. طوت البطانية بتاعتها و حطتها قدامها.
"عايزة تسمعي قصة؟" سألت. عيني وسعت و هزيت راسي.
"بتصدقي لما أقولك إني كنتي في وضعك ده لما كنت في الكلية بحاول ألاحق الراجل اللي بحبه و بحبه طول حياتي؟"
مش عارفة أرد بإيه. ابتسمت تاني بس كان فيه شوية مرارة في الموضوع.
"هو كمان سابني من غير ما يقول كلمة، بس هو مش أمير عكس لينوس." قالت و ضحكت ضحكة خفيفة. "دورت عليه سنين. ما بطلتش لغاية ما لقيته، بس شكله القدر قطع الخيط اللي بيربطنا و صعّب الأمور عليا. بس ما فقدتش الأمل. بصلي كل ليلة إنه يساعدني ألاقيه. و فعل. دلني على الطريق إليه، بس القدر لعب معايا بجد… معانا، أخيراً لقيته، بس هو كان خلاص ساب العالم و خد صف الرب."
"أنا آسفة بخصوص—"
"لأ، عادي. بس عايزة أشارك شوية من ماضي الأليم عشان شايفه بتعملي مجهود عشان تكتشفي حاجات بينك و بين لينوس. و لما عرفت السبب ليه سابني، عالمي بدأ ينهار و كدت أفقد عقلي—ده جنون إزاي الحب بيحولنا، صح؟ تقدري تخلي المستحيل ممكن لدرجة إنك هتكادي تضيعي نفسك." ضحكت و الدموع نزلت على عينيها و ما هربتش من نظري.
"سابني عشان خايف إنه ما يقدرش يوفي بوعده لأنه عنده سرطان. اكتشف إنه مريض. و قرر إنه يسيبني لأنه ما يقدرش يكلمني عن كدة. اختار إنه يبقى جبان عن إنه يقول الحقيقة ليا. تعرفي إيه هو الإحساس لما حبيبك ما يبانش إنه بيثق فيكي؟ بيوجع، بيكا. حبيته و هفهمه، بس اختار خوفه و استخبى في الضلمة."
مش عارفة أقول إيه. و مش قادرة أمنع نفسي إني ما أعرفش أعيط بسببه.
"هاي." ضحكت الست دوري. "خليتك تعيطي؟ ما تقلقيش، أنا خلاص تقبلت ده."
"بس ما حاولتيش تدوري على راجل جديد تاني." قلت.
هزت راسها. "مش قادرة أفتح قلبي لأي حد تاني. حاولت، بس دايما بلاقي نفسي واقفة لوحدي. و بختار إني أبقى لوحدي."
سماع قصة الست دوري علمني أثق فيه أكتر. أسمعه أكتر. و إني أخليه يقول لي كل حاجة.
لما نزلنا في الدنمارك، كان فيه ليموزين سودا مستنيانا. تاني، تفاجئت. عمري ما ركبت في عربية فخمة في حياتي، و شفتيها بس في الأفلام. يا بختي.
روحنا على طول لجدة الست دوري و أكلنا غدا. استقبلوني بحرارة. و الست العجوز ضحكت بطريقة رائعة لما عرفت السبب ليه سافرت للدنمارك. حتى قالت لي إننا هنروح هناك الساعة تلاتة الضهر. اللي بيخليني أتحمس أكتر و في نفس الوقت بيخليني متوترة.
فكرت إن الموضوع هيكون سهل بس لأ. عشان في اللحظة اللي دست فيها رجلي على أرض القصر، ركبي ضعفت و كدت أقع على الأرض. كويس إن الست دوري مسكتني قبل ما أقع. الست دوري خلتني ألبس فستان كليير محيك نص نفشة. و بيبين رجلي. و فتحة الصدر بتاعتي.
"خلي بالك يا حبيبتي. افتكري اللي قلت لك عليه، بس اهدي." قالت، و هزيت راسي و أنا بجمع نفسي.
جدة الست دوري قدامنا معاها راجلين على جنبها. يا ربي، أعتقد الملكية مش بتناسبني أبدا. أنا مجرد عامية بتحب تلبس بناطيل و بلوزات أو قمصان.
"يوم سعيد، يا صاحبة السمو الملكي." قالت الجدة أجاثا.
راجل في الخمسينات استقبلنا و ورانا للقاعة. شهقت لما شفتي المكان إزاي منتصر. بصيت لفوق و شفتي الثريا الضخمة في السقف. أراهن إنها كلفت أصفار كتير.
"ممكن أعرف إيه اللي جابكم هنا. و مين الست الشابة الجميلة اللي جنبك يا دوري؟" قال الراجل اللي افترضت إنه الملك عشان شكله شبه لينوس.
ابتسمت له. "اسمي ريبيكا يا صاحب السمو الملكي." قلت بأدب و انحنيت.
"سعيد إني شوفتك يا سيدتي." قال.
"طيب، إزاي ابنك يا صاحب السمو الملكي؟" سألت السيدة دوري و هي بتقعد على الكنبة الفخمة اللي متغطية بقماش ذهبي و خرز كان بيرفرف في عيني.
"لسة عنيد كالعادة. جه من أيام بس."
الست دوري بصت لي. "طيب، هو فين؟ ما شوفتوش من شوية." قالت.
الملك اتنهد. "الساحة."
"آه. أراهن إنه بيحارب الحراس بتوعك تاني يا صاحب السمو الملكي." قالت الجدة أجاثا.
الملك هز راسه و ابتسم تاني. و مش ممكن أكون مرتاحة في مكاني لو ما شوفتوش. شكل الست دوري حاسة بيا عشان كدة استأذنت عشان تدور على لينوس، عشان الست دوري زائر مهم، الملك ما رفضش أبدا.
"تقدري تجيبي الست الجميلة معاكي يا دوري." قال الملك.
عظيم!