الفصل 24
أتسلل من الغرفة وأنا أفرك عيوني النعسانة اللي ما أخذت قسط كافي من النوم. بس كم ساعة وعدت من لما رجعنا نرتاح بعد ما كتبنا في المكتبة. وأنا ألتفت، آخذ نظرة ثانية على فينيغ لي عشان أتأكد منه مرة ثانية، لأننا حتى ما رجعنا إلا من كم ساعة وهو خلاص في سبات عميق.
أحضن الحوض الخشبي اللي فيه المنشفة والفستان، وأنا أمشي بحذر إلى مكان الاستحمام، وأتوجه إلى الأخير اللي في الزاوية، وأنا أراقب من حولي وأتجسس فوق الستارة الجانبية، أتأكد ما فيه أحد، ولما أتأكد إني لحالي، أخلع ملابسي، وأزيل كل طبقة من القماش وحدة ورا الثانية، صوت قطرات الماء وهي تضرب الأرضية الأسمنتية يردد صداه في المكان الفاضي لما أسحب الحوض الممتلئ إلى جنب. أشعل الشمعة وأضعها أقرب إلى الجدار، أبعد شوي عن منطقة الاستحمام حقتي، عشان أمنع تناثر الماء عليها، عشان أحصل على بعض الضوء لأن ضوء القمر ما يقدر يشق طريقه إلى الزاوية. آخذ نفس عميق، وأصب الماء على كتوفي، بشرتي تتفاعل زي أرض جدباء ما جاها مطر من مدة طويلة، بسبب العرق والتعب اللي صار اليوم. أجلس هناك، وجسمي يتحرك، بس عقلي شغال على شيء ثاني.
عقلي مشغول بالرسالة اللي وصلتني من الدكتور زونغ هوا، واللي فيها يقول إنه بخير ورجع لوعيه قبل يومين. قال شيء ما قدر يتكلم عنه في اليوم اللي تقابلنا فيه، وهو عن الجزار اللي يشتغل في نهاية سوق الشارع الثاني. ويل عرف إنه يتصرف وكأنه فقير وضعيف، ويطلب المساعدة من الناس اللي يسافرون في الغابة.
الدكتور زونغ هوا قال إنه شافه يوقف الحراس، ويمسك رأسه اللي كان ينزف، وملابسه كانت ممزقة كأنه تعرض للضرب. أشك إنه وقف العربة والحراس متعمدًا عشان ما يتحركون، وبعدين الأعداء يقدرون يستغلون هذا كفرصة للهجوم من حيث لا يحتسبون، وما فيه شك في هذا.
كل شيء يبدو مخطط له، وهذا يعني الشخص اللي ورا كل هذا كان يعرف إن الأب راح يوقف المهربين، لأنه عادة بس المهاجرين يسافرون في طريق الغابة. أنا متأكد إن المهربين ما كان عندهم نية يسوون أي شيء من هذا، لأنهم أمسكوا بهم دولة ثانية وهم يسوون أعمال غير قانونية.
أمرر يدي في شعري المبلول بإحباط، وآخذ نفس عميق، وأغمس رأسي في الماء، وأغمض عيوني وأحبس نفسي. مشهد نفسي وأنا في الخامسة من عمري والأب نلعب في الثلج يمر قدامي، وأنا أغمض عيوني بقوة، وأشد على سطح الحوض أكثر لما يظهر وان كي قدام عيوني، وأرجع للخلف فورًا وأنا أحدق في الماء اللي يتدفق ويخلق موجات صغيرة بسبب الانفراج المفاجئ للضغط، وعيوني مثبتة على انعكاس غير واضح لنفسي، حيث قطرات الماء من شعري ورموشي تتساقط فيه. أشبك ذراعي، وأريح كوعي على سطح الدلو، وأدفن وجهي في كفي. أنزل كفي ببطء من عيني إلى ذقني، وأخلي الجزار يفتح فمه، وهذا راح يعطيني بعض المعلومات، أما جيانغ يي، فمن الأفضل أبتعد عنه شوي، لأني أقدر أقول إن صورتي العلوية مثبتة في عقله من الصورة اللي رسمها، والتفاصيل دقيقة جدًا.
عقلي يرجع للواقع لما كياني الداخلي ينبهني ببعض الأصوات، وأنا أقف بسرعة وأمسك المنشفة اللي معلقة على عمود الستارة، وأمسح جسمي في ثانية، وأربطها حول خصري، وأبدأ بتغطية صدري، وتوقف أفعالي لما أسمع خطوات الأقدام. نبضات قلبي ترتفع لما يتردد صوت البومة في المكان المظلم، وهذا يخلي البيئة مرعبة.
أنا مش الشبح اللي الناس تتكلم عنه؟ توقعت إني أنا، بس يبدو إنه… إنه شبح نفسه.
صوتي الداخلي يجنني ويخلق سيناريوهات مختلفة. أتقدم ببطء، وأنا أخطو خطوة للأمام، ولا أحدث أي ضوضاء تدل على وجودي، وأتحرك خلف الستارة، وأرفع يدي، وأمسك خطاف الستارة، وأنزلق ببطء إلى اليمين، وأمد المادة بأكملها بحيث تكون الجوانب مغطاة تمامًا.
أمسك حافة الستارة، وأتجسس لأرى مدخل الحمام المظلم، حيث يضيء ضوء القمر الأرضية، وصوت النسيم العليل وتمايل الأشجار والأوراق يلتقط كل ما حولي، حيث أستطيع أن أسمع صوت تنفسي.
ضوء القمر اللي يمر عبر المدخل ينحجب لما يغطي شيء مظلم. أشك في كياني الداخلي وهو يقول إنه ما فيه أحد حولي، وأرجع خطوة للخلف، وألتفت، وأميل للأمام، وأمسك حامل الشمعة، وأقفز للأمام خلف الستارة، وأتأكد من تغطية جسمي، لأنني ما زلت عارٍ، وما يغطي الجزء السفلي مني فقط، وصدري ملفوف بمادة طويلة رأسية.
أرفع حامل الشمعة للأمام عاليًا، وأجعد حواجبي، وأحدق في الطريق الفارغ، وأفحص كل زاوية بعمق، نبضات قلبي ترتفع لما أشعر بوجود أحد، شعور بوجود شخص حولك وأنت لحالك، وخصوصًا في الظلام.
كياني الداخلي يضحك على أفكاري عن الأشباح. أطلق تنهيدة ارتياح، وأدور وأنا أمسك فستاني، وأفتح الفستان، وألتفت، ويتوسع صوتي.
"آآآآآه!" أصرخ بصوت عالٍ، وأنسى وين أنا، وعيوني تخرج من محجرها من الدهشة، وأتوقف لما تجف حنجرتي، وتتأصل قدماي في الأرض.
أحاول أتكلم، بس ما أقدر، وجسمي يتجمد لما أدرك وش قاعد يصير الحين، إنه شيء ما المفروض يصير في حياتي كلها.
"أنت…" صوتي يخرج كهمسة، وعقلي ينبهني إلى مظهري، وأحول عيني عنه، وأنظر إلى نفسي، ونبضات قلبي تتسابق، وما عندي فكرة عن وش قاعدة أحس فيه الحين، سواء كان خوفًا أو توترًا أو إحراجًا.
صرخة مدوية تترك شفتيي لما أحس بالألم اللاذع في أعلى ذراعي، وأرفع نظري لما يضرب ظهري بالجدار، ويقرب وجهه من وجهي، ووجهينا على بعد بوصة واحدة.
"حياتك تدمرت إذا أمسكت" صوته يخرج منخفضًا بشكل خطير، وعيونه تحفر قبري.
أبلع ريقي، وعيني مثبتة على عينيه الخطيرتين، وجسمي ما يقدر يتفاعل أو يتحرك لأنه توقف عن العمل، وعقلي أظلم، وكل اللي أقدر أسمعه هو نبضات قلبي المتسارعة وتنفّسه الغاضب.
أقدر أثق فيه في هذا، إنه راح يحافظ على السر حسب كمية المعرفة اللي عندي عنه، ومع ذلك أحس إني أغرق.
"ليش؟ كيف؟…" يتنهد تحت أنفاسه وهو يعض على شفتيه السفلية "يجب أن تغادر" يأمرني بصرامة، ويعيدني إلى الحياة.
أزيح يده عن ذراعي في ومضة، وأدفعه على الحائط، وأحاصره بين ذراعي، وأتأكد من الحفاظ على مسافة بيننا.
"خليني أشرح" أطلب، وعيني تتوسل إليه أن يستمع.
"وش راح يصير لو كان شخص ثاني مو أنا" يسأل، وصوته يحافظ على مستوى منخفض.
"إذن… أنا…" أنظر حولي باستثنائه، وعيني تقع عليه مرة ثانية "هذا ما المفروض يصير من الأساس، ليش أنت حتى برا في هذا الو…" أتوقف، وأسقط "مي" الوقت، وأضغط على شفتيي، وتدور مقل عيني لما أسمع أحدًا ينادي.
"إنه هين يو" يطلقها كأنه يقولها لنفسه تقريبًا.
هين يو؟… وش يسوي هنا في هذا الوقت… اليوم أسوأ يوم في حياتي… تدمرت
يمر من جانبي في ومضة، ويطفئ شمعة النار بينما أنا أحدق في مساحة فارغة، وأعود إلى الواقع لما أسمعه ينادي، وهذا يخليني أنظر إليه. يرمي فستاني إليّ فورًا، وأنا ألتقطه تلقائيًا، وعيني ما زالت تحاول تسجيل حركاته السريعة، ويقفز للأمام، ويحتضنني خلفه.
"فينغ لي؟" يقول هين يو متسائلاً في نظرة "وش قاعد تسوي؟"
"هل هذا كيكي؟" يتقدم خطوة، ويخلي فينغ لي يمد ذراعيه قليلاً، ويحافظ على خطوة صغيرة إلى اليسار.
"إنه يتغير" يجيب فينغ لي ببرود، وأنا أقوم بحركاتي بسرعة عشان ألبس وأخفي نفسي خلفه، ووجودي مو واضح بسبب الظلام.
"أوه، ما يحب يكون مع الآخرين لما يتغير" يذكّر هين يو نفسه بما قلته له سابقًا، ويخدش مؤخرة رقبته وهو يبتسم بشكل معوج.
"وش قاعدين تسوون على أي حال؟" يسأل ويخلينا نخرس وما نجاوب.
25
أضع ذقني على الطاولة، وأثبت عيني على الأمام، وعيني نصف المفتوحة تحدق في مساحة فارغة. أنا الوحيد الموجود في الصف، لأنني جيت بدري، والآخرون ما زالوا ينعشون أنفسهم بعد الاستيقاظ.
تتكون شفتيي في عبوس لما أفكر في اللي صار في الصباح الباكر، بطريقة ما أفكر في حقيقة إن فينغ لي اكتشف هويتي، ومن ناحية ثانية أنا منزعج من فكرة كيف رآني، كنت شبه عارٍ. أطلق تنهيدة بصوت عالٍ، وأغمض عيوني، وأبدأ في أخذ قيلولة صغيرة.
~قبل ساعات قليلة~
أحرك أصابعي، وأنظر إلى يميني، وأعطيه نظرة، وهو يحدق بي. عيني تتوسع لما أراه ما زال يشاهد، وهذا يخليني أخفض نظري مرة ثانية.
"وش قاعد تسوي هنا؟" يسأل ببرود، وأبذل قصارى جهدي عشان ما أكون فضوليًا بشأن تعبيره، لأنني أجرؤ على ما أشوفه.
"أنا…"
"أنا بس مو فاهم" يلتفت مواجهًا لاتجاهي "كيف يقدر أبوك يرسلك هنا وهو يعرف العواقب" يقول بصوت منخفض مرهق.
"أنا اللي وافقت على هذا" أجيب بصوت منخفض، وعيني ما زالت مثبتة على أصابعي.
"ما كان يجب عليك ذلك" ألتفت إلى يساري، وأراه، وحواجبه غارقة، وعيونه تظهر قلقًا، وهذا يخليني أحس بشعور بالبهجة، يمكن لأن ما فيه أحد شافني بهذه العيون يهتم بي إلا ويل والأم.
يميل أقرب قليلاً "أنا ما أعتقد حتى أخوك راح يقدر اللي سويته."
"أنا أعرف ذلك، بس أنا أسوي هذا عشان أحقق أمنيته، لأنه دائمًا كان يبغى يجلب القوة للمملكة من خلال أفعاله" أنظر في عينيه "وأقدر أثأر فقط بالعيش كرجل."
"هذا صعب عليك" يقول بنعومة
"أنا متعود على أن أكون هكذا" أضع ابتسامة على وجهي، وأقوم من حافة السرير "من الأفضل لك أن تحافظ على وعدك" أغادر الغرفة فورًا، لأن الوضع يصير محرجًا، وأنا ما أعرف كيف أتفاعل مع تعاطفه.
~~~ ~~~ ~~~ ~~~ ~~~ ~~~~
"يا" عيوني تفتح على وسعها، وأجلس منتصبًا، وأنظر لأرى تشينغ لي "وش في بالك؟" يجلس مقابلي على مقعد هين يو.
"ولا شيء" أعبس، وأمد ذراعي وأميل للأمام "خليني أسألك شيء."
"نعم، أي شيء" يلف أكمامه للأعلى، ويتقدم باهتمام.
"أنت في علاقة مع آه شياغ؟" أسأل، وشفتيي تنتشر في ابتسامة خفيفة.
"نعم، أنا أحس بمشاعر من مدة طويلة" يجيب فورًا وبدون تردد "بس أنا راح أحترم اختيارها."
"واو" أرجع للخلف، وأنا أنظر إليه وأبتسم بإشراق "أنت جدًا رائع" أظهره إبهام، وشفتييه تتحركان في ابتسامة جذابة "أنا ما توقعت أبدًا إنك شخص بقلب طيب."
"وش تقصد؟"
"توقعت إنك شخص صعب الاختلاط به."
"أنا كذلك" يحدق بي، وأنا أنظر إليه مذهولًا بتعبير "أنت تمزح صحيح؟"
"على أي حال" أتجاهل الأمر، وأميل للأمام مرة ثانية "ليش ما تقنعها؟"
"يبدو" يحرّك بصره للأعلى، ويفرك ذقنه، وينظر إليّ مرة ثانية "أنت مو مهتمة بها؟" يحدق بي، ويحرّك بصره، ويبدأ من رأسي وينزل "هل تحبين شخصًا آخر؟" يهمس.
"تحرك" يأتي الصوت الجاف، واللي يخص ما أحد غير فينغ لي، نلتفت إلى يميننا لنراه واقفًا بجانب الطاولة.
"أنا أفضل هذه الطريقة" يطلقها، وهو ينظر إليّ.
"طيب…" أقف من مقعدي، وأقف بجانبه، وأظهره الطريق بيدي، وأجلس لما يأخذ مقعده.
أزيل عيني عنه، وأنظر إلى تشينغ لي، واللي يتحرك للأمام، ويخليني أميل للأمام، ووجهنا بينهما مسافة صغيرة "أنت…"
"اصمت، مزعج" يتنهد فينغ لي بصوت منخفض، ويفتح المخطوطة الخشبية.
"خلونا نتكلم عن هذا لاحقًا" أجلس للخلف، وأتنهد بشكل درامي.
البيئة تصمت، حيث صوت المخطوطة الخشبية وهي تتدحرج وتُقفل هو الصوت الوحيد اللي يحدث هنا. أمد ذراعي للأمام، وأتثاءب بصوت عالٍ، وهذا يخليه يواجهني، ويعطيني نظرة، وأغطي فمي، وأحول نظري وأتظاهر بالسعال.
جفون عيوني، واللي تنتظر بشوق عشان تنزل، تشق طريقها ببطء، بس تفتح لما أحس بدفعة على كتفي.
"الماجستير هوانغ طلبكم كلكم" يجلس بجانبي، وذراعه على كتفي "نقدر نستعيد النقاط" يقهقه.
"بجد، كيف؟"
أنا راح أسوي أي شيء عشان أستعيد النقاط، لأنه كمية النقاط المنخفضة بالتأكيد ما راح تساعدني في الاختبار، لأنني ضعيف في الجري في التدريب العسكري.
"يا" أضرب كتف تشينغ لي، وأدق على طاولة فينغ لي عشان أعلمه عن هذا "نقدر نستعيد نقاطنا الخمسين" أعلن بفرح.
"هل هذا صحيح؟" أحدق في فينغ لي لما يضع كفه على كتفي الأيسر، ويزيل يد هين يو ببطء عن كتفي.
"وش قاعد تسوي؟" أصرخ بصوت هامس، وعيني ترمي خناجر عليه.
هل فقد عقله، ليش يتصرف بغرابة فجأة؟
"الماجستير جاي" يسحب هين يو تشينغ لي، ويأخذ مقعده أمامي.
أحيي الماستر هوانغ، ونأخذ مقاعدنا، ونشاهده يبدأ الدرس. أضع كوعي على الطاولة، وأريح ذقني على كفي، وأحجب وجهي، وعيوني الكسولة تظلم الرؤية ببطء.
أضع تلوين الشفاه الأحمر، وألتفت لأرى فينغ لي واقفًا أمامي، وأميل للأمام، ويأخذ يدي بين يديه، ويلامس خدي بإبهامه، ويدفع الخصلة الطويلة من شعري إلى مؤخرة أذني، وتلك العينين ما تفارقني. شفتييه تتحركان في ابتسامة ساحرة، وهذا يخليني أعض على شفتيي السفلية، وأنا أحس بالفراشات ترفرف في معدتي.
"أنت جميلة" يهمس، ويقترب، ووجوهنا على بعد بوصة واحدة من اللمس، ويرفع ذقني، ويقترب أكثر، ويقرب شفتييه من شفتيي.
أوه… لا… لا
عن ماذا أحلم؟
إنه غريب جدًا…
ينخفض وجهي، وهذا يخليني أفتح عيوني بسرعة، وأجلس منتصبًا، وألتفت إلى يساري، وأحدق في فينغ لي، واللي دفع يدي، وأيقظني من نومي.
"يبدو أنك في حلم سيء" يسخر بصوت منخفض.
حلم سيء، كياني الداخلي يضحك على فكرة إنه يقول إنه حلم سيء وهو موجود.
هل من السهل قراءة تعبيري؟
على أي حال، يجب أن أكون شاكرة له قليلاً لأنه أخرجني من الحلم الغريب المسيء.
"مسؤوليات القبض على اللصوص أعطيت لنا" أنظر إلى الماستر اللي يقوم من مقعده، ويمشي للأمام، ويتجول بين الطاولات المرتبة، وينظر إلى كل واحد منا.
"الشخص اللي يكمل المهمة راح يحصل على ستين نقطة" يصفق بيديه، ويأخذ انتباهنا "من راح يتولى هذا؟" يتبسم.
أعطيت مهام كثيرة، مثل كتابة قائمة الأسماء اللي ترتشي، وتنظيف البيئة، وما عندي فكرة عن الباقي لأن حواسي كانت تعمل فقط في البداية، وبعدين نعست. بس المسؤولية الأخيرة هي الوحيدة اللي تساعدني على كسب المزيد من النقاط، لأنني بالفعل فقدت خمسين نقطة من مئتين، وثلاثين نقطة ثانية بسبب السباق.
أرفع يدي قبل ما يتكلم الماستر، ويرفع هين يو يده بعدي، ويتبع تشينغ لي. ألتفت إلى يساري، وابتسامة خفيفة تشق طريقها على وجهي، وأنا أشاهد فينغ لي يرفع يده أيضًا.
"جيد" يصفق الماستر بيديه مرة ثانية ويتابع "كلكم عندكم أسبوعين، ومهمة المجموعة الأخيرة صعبة جدًا، بس أتمنى إنكم ما تخذلون الأكاديمية" يتبسم، ويمشي نحو طاولتنا "تذكروا، ما فيه عنف، بس أمسكوهم حتى يتم القبض عليهم، لا تصابوا" يقول، ويمرر نظرة لكل واحد منا.
26
وجهة نظر فينغ لي
أشبك يدي فوق صدري، وأميل للخلف، وأنا أشاهد الاثنين وهم يتجادلون. الموعد النهائي قريب، وما زلنا ما اكتشفنا أي شيء، والمعلومة الوحيدة اللي نعرفها هي مكان إخفاء الأشياء المسروقة، بس المفتاح دائمًا حول رقبة غو ويتينغ، اللي هو زعيم عصابة اللصوص، والكثير من الناس ما عندهم فكرة إنه هو اللي يسرق باستمرار لأنه عنده صورة كبيرة في المجتمع. الطريقة الوحيدة عشان نثبت إنه هو هي الحصول على مفتاح بيته.
أصفي صوتي، وأنتظرهم يتوقفون عن محادثتهم، وكما هو متوقع، يتوقفون عن الثرثرة، ويلتفتون نحوي.
غو ويتينغ دائمًا يزور بيت زكسون كل مساء، ويبات هناك، ويستمتع مع الخادمات. خطتنا هي إن واحد منا يتنكر كامرأة، ويشتت انتباهه في الغرفة عشان نحصل على مفتاحه، بس هذه المناقشة تأخذ أكثر من ساعة.
صوتوا عشان نقرر مين راح يتنكر، حصلت على صوت من وان كي، وحصل هين يو على صوتين من تشينغ لي ووان كي، ومن ناحية ثانية، حصل تشينغ لي على ثلاثة أصوات، وحصل وان كي على ثلاثة أصوات، وهذا هو المشكلة الوحيدة الآن. عشان أكون صريحًا، رؤية الآخرين يرتدون زي الفتيات ما فيه شيء مميز فيه، الشخص الوحيد اللي لازم أشوفه هو وان كي كامرأة، وانتظرت بشوق حتى جاء دورها، ورفعت يدي فورًا، أما تشينغ لي، فأُجبرت على رفع يدي لأنها قرصت قدمي بإصبع قدمها.
"خلونا نقرر على تحدي" تميل للأمام، وتحدق في تشينغ لي، واللي يومئ برأسه استجابةً "تحدي على الخمر" تتبسم.
"لا!" صوتي يخرج بصوت عالٍ وصارم، وأتقدم، وأمرر نظرة تجعلها تنظر إليّ بفضول، وحواجبها متشابكة. كيف ممكن الخمر هو أول شيء يتبادر إلى ذهنها.
من الصعب حقًا تصديق أنها هي، حتى بعد أن رأيتها بعيني كشاهد.
"أنا ما أوافق أيضًا" يقترح تشينغ لي، وهو يبدو غير واثق.
"ليش لا؟" تجلس للخلف، وتشابك ذراعيها فوق صدرها، وجانب شفتيها اليمنى يتحرك في ابتسامة.
"لأننا يجب أن نرجع إلى الأكاديمية، وأنا أعرف إن عندك قدرة جيدة على تحمل الكحول، لأنك مشهورة في بيت جين" يقول جملته الثانية بصوت منخفض.
"خلونا نسوي هذا" الشخص اللي كان صامتًا طوال هذه المدة يتكلم أخيرًا "أنا راح أرقّمكم باثنين، واحد واثنين" يصفق بيديه بحماس "وبعدين اختار رقم، واللي رقمه هذا لازم يعترف بالهزيمة" يبتسم وهو فخور بفكرته الغبية، بس هذا أفضل من اللي اقترحته وان كي.
"طيب، خلونا نسويها" يميل هين يو وهي نحو يمينهما، ويأخذان نظرة مقربة من هين يو، بينما هو يضع العلامة في عقله.
ما أقدر أقاوم حقيقة إن عيني ما تغادر وان كي الآن، النقطة اللي لقيتها مثيرة للاهتمام فيها، وهذا يصير أكثر اهتمامًا بعد ما عرفت هويتها. في كل لحظة تقترب مني، أحس نبضات قلبي ترتفع، بس أحاول أتجاهل كل هذه الأمور، وأنا أعرف إن هذا مو صحيح، بس صورة شفاهنا وهي تتصادم تظهر في رؤيتي منذ ذلك اليوم.
أعرف إنه كان عن طريق الصدفة، وما بدا كأنه شيء كبير، بس الحين ما أقدر أساعد نفسي من أفكاري الجامحة.
ما كنت أعرف كيف أواجه أو أتفاعل لما رأيتها في مكان الاستحمام، كنت خائفًا وغاضبًا بشأن حقيقة أنها فتاة، لأن هذا يعتبر جريمة لما فعلته وتفعله.
شككت في السابق بوجود شيء مريب بشأنها، بس بعد ما لاحظتها، كنت متأكدًا تمامًا أنها رجل، أما بالنسبة لسلوكها وقوتها وشخصيتها، بس الآن أنا فقط تائه، وأنا أعرف أنها امرأة، وهذا لازم يكون صعبًا عليها، وهي تعيش هكذا.
كل سلوكها الذكوري يبدو أنثويًا فجأة.
"حسنًا، أخبرني الرقم واحد أو اثنين" أبعد أفكاري، وأنظر إلى هين يو، واللي يمرر نظرة لكل واحد منا.
"أنا ما أثق فيك" يسخر تشينغ لي، ويلتفت، ويواجهني "خل فينغ لي يفكر."
"فينغ لي" ألتفت، وهي تقترب مني، وتحدق في عيني كأنها تبحث عن شيء في وجهي "وش قاعد تسوي هنا؟" تسأل بنبرة جافة منخفضة، وكأنها شخص فقد روحه.
"اختار رقمًا" أصفّي صوتي، وأحول نظري، وهي تميل للأمام، وعيناها مثبتتان علي.
"اثنين" يجيب هين يو، وأزيل بصري عنه، وأنظر إلى وان كي، واللي ما زالت تفحصني.
"طيب، رقم اثنين" تجلس للخلف، وتنتظر بشوق الإجابة، وهذا يخليني أتنهد ذهنيًا.
"إنها وان كي" أعلن ببرود، وصوتي الداخلي يرقص مع الإثارة.
قول الأكاذيب ليس في سيناريو حياتي، بس الآن ظهر من لا شيء، ومع ذلك ما يقدر أحد يقول إني كذبت، لأن الرقم واحد كان وان كي، والرقم اثنين كان وان كي أيضًا. أتطلع لرؤية شينغ شينغ.
ننتظر داخل المتجر، ووان كي تتزين خلف الشاشة القابلة للطي، وصبري ينفد من فكرة رؤيتها، وهنا تخرج، وتجعل عيني تتسع، ويسقط فكي على الأرض.
كما قلت دائمًا، كلمة "جميلة" تناسبها جيدًا.
وهي تمشط شعرها المستعار الطويل خلف كتفها، وتتوجه نحونا، ونبضات قلبي ترتفع لما ما أقدر أنزل عيني عنها، وترتفع درجة حرارة جسمي فجأة، وأسحب طوقي بإصبعي السبابة، وأترك بعض الهواء يبرد رقبتي.
"أنت جميلة" يعلق تشينغ لي، وعيناه تنظر إليها في ذهول، وتمشي نحوه، وتضع ذراعها على كتفيه.
"هل أنا كذلك؟" تقهقه وهي تعض على شفتيها السفلية، وأنا فقط أقدر أفهم ما يحدث الآن.
كل امرأة تحب أن يمتدح مظهرها.
"نعم أنت كذلك" يتقدم هين يو، ويطوي طيات كتفها بدقة "لو كنت امرأة، لكنت خرجت معك حقًا" يعطيها مروحة يدوية كأنه يقترح، وتتشكل شفتييه في ابتسامة ساحرة.
"فينغ لي" تنادي، وتعيدني إلى الواقع، وأحدق فيها، وهي تمشي نحوي. تضع قدمها اليمنى على الطاولة الصغيرة أمامي، وتميل للأمام "كيف أبدو؟" تسأل بنعومة، وصوتها يبدو كفتاة صغيرة في أذني، وأنظر في عينيها، وأبلع ريقي، وترتفع حرارة بشرتي.
27
وجهة نظر وان كي
أمشط خصلات الشعر اللي تسقط على وجهي، وأنا ألقي نظرة مقربة على نفسي في المرآة، وقلبي يرفرف، وأنا أنظر إلى انعكاسي، وابتسامة عريضة تشق طريقها على شفتيي. هذه أعمار وأنا أشوفني أرتدي ملابس كامرأة، وما شفتي نفسي أبدًا هكذا. شعور بخيبة الأمل يدخلني لما أحاول معرفة كيف كنت سأبدو وأنا في سن المراهقة وقبل ذلك.
ألقي نظرة أخرى على نفسي، وأخفي الشيء اللي أعطوني إياه عشان أستخدمه كصدر، وأطوي الاشة الخشبية، وأخرج، وشفتيي تتحركان قليلاً في ابتسامة ضعيفة لما ألاحظ أزواج العيون الثلاثة عليّ، وهذا يخليني متوترًا، وكما أقول دائمًا، إن أكون مركز الاهتمام يجنني.
"شكلك…" يتقدم تشينغ لي خطوة، ويحرّك بصره من الأعلى إلى الأسفل "مثالي، تبدين بالضبط كامرأة" يطلقها، وعيناه تتصفّحانه من الأعلى إلى الأسفل، وهذا يخلي عقلي يسخر من ردة فعلهم، وهم لا يعرفون من أنا بالضبط.
"أنت جميلة" يتابع لما أمشي نحوه، وأقف بجانبه، وأضع ذراعي على كتفيه، وأشاهد ملامحه الجانبية، حيث تتسع عيناه ويتصرف كأن معجبته لمسته.
"هل أنا كذلك؟" أسأل وأنا أتظاهر بالفضول، وقلبي يستمتع بالتعليقات، وأنا دائمًا كنت أمتدح بالوسيم، وأنا أحب هذا، بس هذا شيء مختلف، والشخص الوحيد اللي قال إني أبدو جميلة هو الأخ لي.
"نعم أنت كذلك" يتقدم هين يو خطوة أقرب إليّ، ويطوي طيات كتفي بدقة "لو كنت امرأة، لكنت خرجت معك حقًا" ينحني قليلاً، وينظر إليّ، ويحضر المروحة اليدوية للأمام، ويشير إليّ لأخذها. آخذ المروحة، وأمرر له ابتسامة ضعيفة، وعضلاتي ما تريد أن تتحرك للأعلى.
أحول بصري، وعيني تسقط على فينغ لي، واللي يبدو شارد الذهن "فينغ لي" أنادي، وأزيل يدي من هين يو، وأمشي نحوه، وعيناه تحدقان بي. أرمي المروحة اليدوية على كرسي القصب، وأضع قدمي اليمنى على الطاولة الصغيرة أمامه، وأميل للأمام "كيف أبدو؟" أسأل بنعومة، وأتبع حركة حدقاته.
يحدق بي وشفتييه منفتحتين بتعبير غير مقروء يلعب على وجهه، وأنا أنحني أكثر لما يبدأ في الكلام، وأتوقع إجابته "لابأس" يطلقها ببرود، وينظر بعيدًا، ويقوم وهذا يخليني أتحرك للخلف فورًا، وأفرك راحتي على فخذه، وأمرر نظرة إلى هين يو وتشينغ لي "حان وقت المغادرة" يخبر، ويمشي بعيدًا.
أقف مستقيمًا، وآخذ المروحة من الكرسي "ماذا حصل له؟" أتنهد تحت أنفاسي، وأتبع الآخرين.
"الشمس على وشك أن تغرب" فينغ لي يتوقف في مساره عند مدخل بيت زكسون، ونتوقف خلفه.
"هين يو وتشينغ لي يشتتان انتباه الخادمة اللي ترافق الغرفة الخاصة" يأمر.
"وبعدين وان كي"
"نعم" أجيب بنبرة خشنة، وهو يواجهني، وأنا أحرك قطعة القماش الطويلة حول خصري، وأخفض رأسي، وأنظر إليه، وأغمض عيني بابتسامة مشاغبة، وهو يحدق بي متسائلاً، ويبتلع ريقه، وهذا يظهره بوضوح، حيث تتحرك تفاحة آدم للأعلى والأسفل، وبعدين يحول نظره في ومضة.
"وش اللي صار لك؟" يسأل هين يو، ويجعد جبينه، ويشاهدني بفضول.
"أدخل في دوري" أبتسم، وأغطي فمي بأربعة أصابع.
"إنه يخيف" يطلق، ويضع ذراعه على كتفي، وأزيح ذراعه، وألطم مؤخرة رقبته.
أتنهد داخليًا، وأولي انتباهي إلى فينغ لي، واللي يشاهد من حوله باستثنائي.