الفصل 5
ظلت ريان كارتر جالسة على سريرها بينما كان فرنسيس يراقبها بصمت. وحط مسافة كويسة بينهم، لأنه فكر إنه ممكن يخوفها. لما الباب فتح مرة ثانية، دخلوا شخصين غريبين أوضتها. جسم ريان كارتر اترعش و فجأة رجع يترقب بدون ما تحس.
الست اللي في سن الأربعين دي فجأة بدأت تعيط لما شافت البنت بتترقب في اللحظة اللي شافوهم فيها، بينما الراجل اللي وشه جامد اللي معاها حاول يهديها. الست كانت بتناديها بأسماء دلع حلوة تناسب البنات الصغيرين، بس ريان كارتر تجاهلت ده عن قصد. كمان حاولوا يشرحوا لريان كارتر إنهم أهلها، و كانوا عايزين يشوفوا أي رد فعل منها. ريان كارتر فضلت ساكتة، و بتبص لهم نظرة كلها حذر. ده خلا الست، أو بمعنى أصح 'أميها' تعيط.
بعد كده، ريان كارتر ما اتكلمتش تاني. حتى لما 'عيلتها' حاولوا يكلموها، ما ردتش عليهم. لما دكتور كالفن سألها لو فاكرة أي حاجة، ريان كارتر وطت راسها بخجل و تجنبت تبص في عينيه. قالت له بصوت واطي إنها مش فاكرة أي حاجة خالص، حتى اسمها. ده أكد في دماغهم إن ريان كارتر عندها فقدان ذاكرة.
ريان كارتر قررت تتصرف إن عندها فقدان ذاكرة بدل ما تعمل قصة في موقفها. حتى لو لقت الحاجات دي سخيفة، ريان كارتر ما تقدرش تنكر إنها مش بتحلم. تقدر تفهم موقفها جوا قلبها. الناس كانوا بيقولوا لها إنها ريان كارتر اللي يعرفوها.
بعد ما قعدت في المستشفى اليومين اللي بعد كده، ريان كارتر خرجت أخيراً من المستشفى. دكتور كالفن نصح إن الأحسن إنها تتعرض لمكان أو حاجات متعودة عليها على أمل إن ده ممكن يرجع لها ذكرياتها. عشان الأمور تكون أسهل لريان كارتر و عيلتها، دكتور كالفن كمان ضاف إنه هيزور بيتهم مرة في الأسبوع عشان يعمل عليها فحص دوري.
محدش بيتكلم بكلمة طول الطريق بالعربية. تيم بيسوق العربية و فرنسيس قاعد في الكرسي اللي جنب السواق. ورا، ريان كارتر قاعدة بهدوء و بتبص على المنظر بينما كارمي بتمسك إيد بنتها حبيبتها بحنان. ريان كارتر بس سابت الست تعمل اللي هي عايزاه. في النهاية، هي دلوقتي أمها.
ريان كارتر ركزت على المناظر اللي من شباك العربية. كل حاجة كانت غريبة أوي عليها. مش قادرة تتعرف على المكان ده بجد. كان مختلف أوي عن المناظر المعتادة في ذكرياتها.
ريان كارتر كبرت في بيئة الأطفال فيها بيلبسوا هدوم مبهدلة، و البيوت كانت مبنية من خردة خشب، و معادن رقيقة و مصدية، و الكهربا و المية كانت قليلة أوي و ريحة الزبالة كانت موجودة في الهوا. لما كان عندها ست سنين، أهل ريان كارتر ماتوا في حادثة و هما شغالين في مصنع. معندهاش أي قرايب عشان كده اتحطت في مركز رعاية. ريان كارتر كبرت هناك و سابت مركز الرعاية بعد ما كملت تمنتاشر سنة.
اشتغلت شغلانات كتير نص دوام عشان تدفع إيجار شقتها الصغيرة و تأكل نفسها. لحسن الحظ، جابت منحة كاملة في كلية محلية عشان كده ريان كارتر مش محتاجة تفكر في مصاريف الدراسة بتاعتها تاني. بعد ما اتخرجت، ريان كارتر بعتت السيرة الذاتية بتاعتها للشركات اللي كانت عايزة تشتغل فيها.
للأسف، الواقع كان قاسي و صعب أوي عليها. ريان كارتر عارفة لنفسها إنها مؤهلة تعمل الشغل، بس اللي كانت بتعينهم الشركة كانوا المتقدمين اللي جايين من مدرسة مشهورة و نخبة.
كانت دايماً الطالبة المتفوقة في فصلهم، و خدت جوايز كتير من مسابقات المدرسة اللي شاركت فيها و بقت عضو في منظمة المدرسة بتاعتهم. حتى لو ريان كارتر ملت السيرة الذاتية بتاعتها بكل الإنجازات الأكاديمية اللي خدتها، طول ما عرفوا إنها جاية من مدرسة مش معروفة و محلية، الشركات ببساطة هتقول لها إنهم هيكلموها لو بقى عندهم وظيفة تانية شاغرة. ده خلاها محبطة أوي.
بعد ما اترفضت من شركات كتير، بقت مكتئبة شوية. مليانة إحباط في قلبها، بطلت تسعى ورا حلمها في الشغل مؤقتاً. قررت تستقر على شغل بمرتب قليل عشان تدعم نفسها في الوقت الحالي و تحاول تجيب اللي عايزة تحققه بعد ما تاخد شوية خبرة. بعد أسبوع، ريان كارتر لقت شغل في محل كبير كبائعة. المرتب بتاعها كان كافي إنها تدفع فواتيرها و الأكل.
ريان كارتر فاقت من أفكارها لما حست إن العربية وقفت. كارمي ساعدت بنتها تنزل من العربية. ريان كارتر فجأة سكتت لما شافت الفيلا الضخمة.
'يعني ده المكان اللي ريان كارتر عايشة فيه؟ كأنه قصر حقيقي!'
و هي في حالة ذهول، كارمي و تيم جابوا ريان كارتر لأوضتها. الأوضة فيها ورق حائط وردي و أبيض. كان فيه سرير بحجم الملكة عليه ملاية بيضا. في الركن الشمال، كان فيه دولاب أزاز كبير مليان دببة محشية. كان فيه كمان بلكونة تقدر تشوف منها جنينة الورد اللي تحت كمنظر.
الزوجان كانوا بيتمنوا يشوفوا أي تغيير في بنتهم بس شوية بقوا محبطين لما شافوا تعبير وشها الفاضي. عشان ريان كارتر ما تحسش بإحباطهم، قالوا لها ترتاح شوية و هيكلموها لما العشا يكون جاهز. ريان كارتر طلعت تنهيدة لما أخيراً بقت لوحدها.
بعد ما قعدت في العالم ده أيام كتير أوي، ريان كارتر خلاص عرفت ايه اللي حصل لها، بس ما كانتش مستعدة تتقبل ده. أو بالأحرى، مش قادرة تتقبله خالص.
و هي بتمشي حوالين الأوضة، شافت مرآة يد على مكتب صغير. مسكتها و بصت على وشها. ريان كارتر اتصدمت لما شافت بنت جميلة في المراية.
الكتاب ما بيكدبش في ازاي بيوصف شكل ريان كارتر. ريان كارتر عندها شعر طويل و طبيعي مموج بلون الكستنائي، بشرتها فاتحة و ناعمة من غير أي ندبات، شفايف منفوخة عليها لون وردي طبيعي، و عيون زي الدمية و ساحرة بؤبؤ عينها لونها كراميل. وشها كله مدور شوية. ريان كارتر فاكرة لما كارمي قالت لها إنها لسه مكملتش اتناشر سنة السنة دي. هي لسه صغيرة بس كمان عارفة إن البنت الصغيرة دي اللي منعكسة في المراية هتتكبر كست جميلة في المستقبل. الوش ده حلو أوي.
إلا، دي مش ريان كارتر اللي تعرفها.
دمعة واحدة نزلت من عينها. بعدين شوية دموع خرجت من عينيها تاني. حاولت تمسحهم، بس دموعها انفجرت زي المية من سد بيفضل يفيض على وشها الحلو.
معندهاش أي قرايب في الماضي أو صحاب مقربين تعتمد عليهم. ممكن لما الناس يلاقيوا جثتها، محدش يهتم. بس ده مش معناه إن عادي إن ريان كارتر تموت لوحدها بالشكل ده. ريان كارتر لسه عندها خطط و أحلام عايزة تحققها.
فَـ ليه قدرها و مصيرها بيفضل يفشلها؟