الفصل 2: مقابلته
« إذن، رح نمشي بأي مكان؟ » قلت و أنا أتعب من ركوب الحصان. « ممكن ندخل فخها على طول، و هي تاخد كل جزء في جسمنا لحد ما نتحول لولا شيء. » كنا نركب الحصان لأن استخدام سيارة كان فيه خطر كبير، و كنا لسه في الجزء الغابوي من مجتمعنا.
وصلنا لمنطقة واسعة و مفتوحة، و كان فيها علامة تحدد حدود الأرض و منطقتها، و ده خلانا نفهم إننا داخلين على منطقة عصابة، و ده ما كانش أحسن شيء نعمله في الوقت الحالي. كنا من المتشردين، و ما عندناش عصابة، و الذئاب اللي في العصابات بيشوفونا خطر، و بيقتلونا من أول نظرة، و أنا مش بلوم أغلبهم بسبب اللي حصل قبل كده، لكن ده برضه ما يعنيش إن الموضوع عادل.
ما كانش فيه مكان تاني نروح له، ما نقدرش نسكن في نزل لأنهم رح يعرفوا عننا و يبلغوا. كنت جوعانة بشكل فظيع، و مش فاكرة آخر مرة أكلت فيها. كنت لسه بفكر فين ممكن نروح، و إزاي ممكن أملا بطني، لما سمعت صوت صفارات الإنذار، و بعدها صوت نشوق سهام بتنطلق علينا. عرفنا نتفادى ده، لكن جاي أكتر. و بسرعة، كنا محاصرين بحوالي تلاتين راجل. بس ما أعتقدش إن ده عدل، إحنا عددنا أقل هنا، تلاتين مقابل تلاتة مش صفقة عادلة.
« إيه اللي حصل هنا؟ » سأل واحد منهم.
كان أجمل إنسان قابلته في حياتي. عينيه كانت غامقة قوي، و مرعبة شوية، و ده خلاني أحس بضعف في ركبي، شكل عظامه كان مثالي، و متناسق، و رجولي. غالبا طوله حوالي متر و تمانين سم، و عنده شعر بني منكوش، و عينيه كانت خضرا زي الندى اللي على أوراق الشجر، بتلمع في ضوء الشمس، زي الزمرد الأخضر. بجانب مظهره، كان فيه شيء تاني بيجذبني إليه، و هو ريحته. كان ريحته زي الخشب الطازة، و فيها شوية فاكهة، زي الحمضيات و القرفة، يا لهوي، ريحته كانت حلوة أوي.
ما أخدتش بالي، بس أعتقد إنه أمر رجاله يطلقوا علينا النار، و قال إننا متشردين، لأن اللي حصل بعد كده هو إن السهام كانت بتطير من كل الاتجاهات علينا. استخدمت قدراتي عشان أتفادى، و استخدمت عيني عشان أوجه السهام بعيد عنا، و أغير اتجاهها، و ده خليهم يتلخبطوا و الراجل يغضب.
« يا جماعة، أنتم أغبياء » صرخ بغضب، و أخد سهم، و بعته مباشرة ناحيتي. كنت مشغولة أفكر ليه عمل كده، بس دي كدبة. كنت سرحانة في إني أبص عليه، و أستنشق ريحته. و حتى ما أخدتش بالي لما السهم ضرب كتفي اليمين. سام و جوناثان بدأوا يضربوا سهام عليهم، و يصيبوا كل أهدافهم، في الوقت اللي أنا كنت بتأكد إن سهامهم ما تصيبناش، باستخدام قدراتي. وقفت لدقيقة عشان أبص على الراجل، كان عنده نظرة بتطلب احترام، و مع الهالة القوية اللي كانت بتطلع منه، ما كانش فيه شك إنه ألفا. يا ترى إيه عايز مننا، و إيه رح يعمل فينا؟
حتى ما أخدتش بالي إنه ضرب سام و جوناثان بسبب إهمالي، كانوا على الأرض فاقدين الوعي، و أنا متأكدة إن السهم كان فيه مادة مخدرة.
« خدوهم » أمر، و هجموا علينا و قبضوا علينا. صوته كان بارد و جليدي، و ما أعرفش ليه حسيت إن ده جذاب. و بعدها أدركت، إنه كان الـ زميل بتاعي.
كان ممكن أمنعهم من إنهم ياخدونا، كان ممكن أعمل حاجة. بإشارة بسيطة، كل الرجالة اللي قدامي كانوا رح يتحولوا لجثث بتتعفن في العشب تحت رجلي، بما فيهم ألفا اللي بيخوف، لكن اخترت إني ما أعملش. ما أعرفش إيه اللي مستنينا، لكن رح يكون ولا حاجة مقارنة باللي كنا عايشين فيه.
على الأقل ما كانش رح ياخدنا إليها، أو لسه. لو حبسنا، محدش رح يلاقينا، و على الأقل رح نعرف إننا في أمان في الوقت الحالي، و لو كنا محظوظين، ممكن نحصل على أكل. مستحيل يقتلنا، صح؟
ضربني بسهم تاني في دراعي، في نفس المكان اللي ضربني فيه قبل كده. الألم في كتفي زاد. اخترق العضلات و الأنسجة، و أشعل نيران الألم اللي بتلسع الأعصاب. شهقت، و خطواتي بدأت تضعف، و أسناني انقبضت على بعض. بدأت أحس بتأثير الضربة و هما بيبعدونا.
تجاهلت دراعي اللي بينزف، أو حقيقة إنهم كانوا بيركزوا على إنهم يشدوا إيدي اليمين، و دي كانت آخر حاجة فاكراها قبل ما أنضم للبقية في النوم.
« صحوهم » سمعت الصوت البارد بيقول، و قبل ما أعرف إيه اللي حصل، جردل كامل من المية الباردة، و لما أقول باردة، يعني باردة جدا، اتصب على كل واحد فينا.
« بجد، دي الطريقة اللي بتصحوا بيها حد؟ شوية طبطبة على الكتف كانت رح تكون كويسة » قلت ببرود. ما حبيتش المية الباردة أبدا.
« و إيه رأيك، إحنا خدامين عندك عشان نخدم الأميرة العظيمة؟ » قال بازدراء.
« أنت شكلك كده فعلا » تمتمت، و أخدت خبطة من سام. « و أنا تماما أصلح لدور أميرة. »
« ما تدلعيش نفسك يا حبيبتي، دي حقيقة. تقدري تبطلي تحلمي دلوقتي، مش شايفة إنك كبيرة على كده؟ » قال. الطريقة اللي اتكلم بيها خلتني أحس باشمئزاز مفاجئ منه. ما كانش بيبدو ودود بأي شكل من الأشكال. قلبت عيني، و ما كانش فيه رد كويس، و هو ابتسم بسخرية.
« دلوقتي نرجع للكلام، إيه اللي كنتم بتعملوه يا متشردين و أنتم بتتمشوا في أرضي؟ » سأل ببرود.
« كنا في رحلة » جوناثان اتكلم لأول مرة من ساعة ما حبسونا هنا.
« إلى؟ » سأله، و حثه على الاستمرار.
« نزور قريب » سام علق.
« بجد؟ » سأله، و صوته ما كانش مقتنع. « لو كنتم رح تزوروا قريب، يبقى ليه كل ده؟ » صوته كان بيطالب بإجابة. النوع اللي لازم تجاوب فيه بسرعة.
كل الأسلحة اللي معانا اترمت على الأرض. « أنا عايز تفسير لده. أنتم ما كنتوش رح تزوروا قريب أبدا. »
« طيب، كنا رح نزور قريب. كلنا عارفين إزاي المكان خطر، و مع لوراندا طليقة، كان معانا ده للدفاع عن النفس » قلت. على الأقل ده كان معقول شوية.
عمل حاجة ما كنتش متوقعاها. ضحك، مش النوع اللي يخلي الواحد يبص أو بيعجبه إنه يسمعه. كانت ضحكة ساخرة، و كرهت ده. « الدفاع عن النفس؟ إيه اللي بتعرفيه يا بنت عن الدفاع عن النفس؟ ما قدرتيش تعملي حاجة لما اتهاجمتي، إيه ممكن تعمليه لو قابلتي لوراندا؟ »
« مبدئيا، ممكن أديك كأكل لكلابها » قلت.
« يا ريت. أنا بتكلم بجد هنا. أنت و أصحابك تعديتم على أرض. كل المتشردين اللي بيدخلوا أرضنا بيموتوا. بغض النظر عن مين هم » قال الجزء الأخير و هو بيبص عليّ.
كنت بحاول أقنع نفسي إنه ما يعرفش، لكن الوغد بيعرف. كان يعرف من الأول، و أنا ما أعرفش ليه كان بيعاملني كده. أنا كنت الـ زميل بتاعه، من أجل الله، و من المفروض الـ زملاء يكونوا بيحبوا بعض، و إيه اللي يخلي زميلي يعاملني بالطريقة دي، و حتى بيهددني إني رح أموت.