جاكسون
حركة السيارة حسيت كأنها طولت ساعات، جهاز التتبع ما تحركش من وقت ما بدأنا نتبعه، بس مع كل شارع بنلف فيه، أحس إن المسافة بتزيد. جاكسون كان ماشي بالطريق اللي بقوله عليه، واتفاجأنا إننا في المنطقة دي من المدينة. حسب كلام جاكسون، دي المنطقة اللي عايش فيها معظم ضباط الشرطة والناس الكبار. ماريو كان مستخبي تحت أنفهم مباشرة، وهما ما عندهمش فكرة. بس بصراحة، ماريو شاطر أوي في اللي بيعمله، كان عارف إنهم مش هيدوروا عليه في منطقتهم، عشان كده بالظبط استخبى فيها.
"حاسة إن جهاز التتبع على الشارع اللي جاي ده." قلت وأنا ببص في تليفوني، إحساس إني أخيرا هاقدر الاقي أبويا كان مسيطر على تفكيري.
جاكسون لف الزاوية، وظهر مبنى مكتب ضخم، كان أطول من كل المباني التانية. بصيت في تليفوني، وشفتي إن جهاز التتبع جوه المبنى، ماريو فعلا ما كانش بيحاول يستخبى في المكان ده. بس كمان، أبويا شكله متبهدل أوي آخر مرة شوفته، ازاي دخلوه المبنى الفخم ده من غير ما حد يشوف؟
"إزاي هنعرف ندخل هناك؟" سألت وأنا بأشاور على المبنى الضخم قدامنا، جاكسون ركن العربية في مكان ركن، وهو كمان بيبص على المبنى.
"زي ما قلت، دي مدينة الشرطة. بفرجيهم البطاقة بتاعتي، وبيخلوني أدخل من غير أي أسئلة، دي من مميزات شغلي في المنطقة دي." ابتسم وهو بيطلع البطاقة بتاعته من درج التابلوه، وبيحطها حوالين رقبته، شكله مش بيلبسها كتير. "بس اِقفِي جنبي شكلك حلو، وهيدخلوكي." ابتسم وغمز لي، قبل ما ينزل من العربية، لفيت عيني، بس نزلت عشان أروح معاه.
قابلته على الناحية التانية من العربية، ومشينا جنب بعض ناحية مبنى المكاتب الفخم أوي، حتى الناس اللي بتخرج منه شكلهم محترمين أوي، محاميين غالبا، شغل كنت فاكرة إن أمي كانت بتعمله سنين. الباب فتحه راجل لطيف لابس بدلة، ابتسمت له كشكر، في الوقت اللي جاكسون دخل فيه الأول، وأنا وراه على طول.
"عارفة، المفروض أبدأ ألبس لبس شيك لما نكون في الشغل، عدد المرات اللي بندخل فيها مكان وأنت بتندمجي تماما، لكن أنا بكون واضح زي الإبهام لابس كاجوال." همست، وإحنا بنبدأ نمشي ناحية المكتب، جاكسون بيبص عليا وبيبتسم.
"متغيريش يا آلي، بحب طريقة لبسك." همسلي تاني بابتسامة، قبل ما نوصل للاستقبال، وده معناه إني ما قدرتش أرد على اللي قاله.
"صباح الخير، معاك تصريح عشان تدخل؟" الراجل اللي في المكتب سأل وهو بيبص علينا، جاكسون ابتسم ورفع البطاقة بتاعته.
"أعتقد إن دي أحسن من أي تصريح ممكن تديهولي." ابتسم بغرور للراجل؛ عيون الراجل اتفتحت قبل ما يهز راسه بسرعة. "ما تنبهش أي حد إننا هنا، مفهوم؟" جاكسون قال وهو بيقرب من المكتب، والراجل هز راسه مرة تانية قبل ما يضغط على زر عشان يفتح الباب اللي بيؤدي للجزء الرئيسي من المبنى.
تبعت جاكسون، اللي كان بيمشي بغرور من خلال الباب، أعتقد إنه استمتع بالطريقة اللي اتصرف بيها الراجل لما شاف البطاقة بتاعته. لما ابتعدنا بما فيه الكفاية، قربت من جاكسون، وإحنا ماشيين ناحية المصعد.
"ليه الراجل اتصرف كده لما عرف شغلك؟" سألت وإحنا لسه بنعدي من جنب ناس كتير، أنا أكيد كنت لابسة أقل من اللازم عشان أكون هنا.
"لأني بعمل الشغل، كلهم بيتمنوا إنهم يقدروا." هو ده كل اللي قاله، وإحنا بنقف عند المصعد، بس لافتة "خارج الخدمة" خلت جاكسون يتضايق. "مكان كويس زي ده، والمصعد حتى مش شغال، يا لها من نكتة." هز راسه قبل ما يقودني عشان نبدأ نصعد السلالم، ومش عارفين كم درجة سلم لازم نصعدها.
"هنعمل إيه لما نوصل هناك، غالبا ماريو هيكون موجود؟" سألت وإحنا بنبدأ نصعد السلم الكبير أوي، جهاز التتبع كان بيقرب، بس لسه شكله بعيد شوية.
"مهما يحصل، خليكي ورايا." قال لي بنظرة جدية، هزيت راسي، وأنا فاهمة مدى خطورة الموقف اللي ممكن نكون بندخله.
استمرينا في صعود السلالم لمدة اللي حسيت إنها ساعة، رجلي وجعتني أكتر مع كل درجة بنقدر نصعدها لفوق. التجربة دي بتثبت لي إني محتاجة أشتغل على لياقتي! بصيت في تليفوني تاني، وشفتي إننا قربنا أوي من جهاز التتبع، شكله على طول الممر.
غمزت لجاكسون، خليته يبص في تليفوني، بص فوق وهز راسه وهو بيشدني وراه. الباب للدور الـ30 قدامنا، هل فعلا صعدنا 30 دور سلم؟! جاكسون بيطلع مسدسه، فكان بجانبه وهو بيفتح الباب ببطء، وده بيكشف عن ممر طويل مع شوية أبواب. بدأنا ندخل الممر ببطء، وإحنا بنقرب أوي من جهاز التتبع. وإحنا بنعدي على كل باب، بهز راسي وبقول لجاكسون إن جهاز التتبع شكله مش في الغرفة دي. بس لما وقفنا عند الباب رقم 150، جهاز التتبع شكله في مكان ما على الجانب الآخر من الباب.
جاكسون بص في تليفوني قبل ما يهز راسه، وحيث إني أقدر أشوف، كان بيحاول يخترع خطة بسرعة في رأسه وإحنا واقفين هناك. قريبا ابتسم وشدني عشان أقف على جانب الباب، وده معناه إني مش هتشاف لما الباب يفتح. جاكسون وقف ومسدسه في إيده، وخبط بهدوء على الباب، استنوا، هو بس هيخبط ويدخل؟!! كنت فاكرة إننا هنحاول نكون متخفيين، بس هو ماشي هنا كأنهم ما يعرفوش هو مين.
بعد كام ثانية، سمعت صوت الباب وهو بيتفتح، بس على طول، جاكسون رفع مسدسه وضرب بيه أي حد فتح الباب.
"انزلوا على الأرض!" صرخ قبل ما يدخل الغرفة ومسدسه موجه، هو عايزني أستنى هنا، بس هو قال لي أفضلي وراه؟!! ما كانش واضح في تعليماته!!
قررت إنه غالبا هيكون أخطر إني أدخل في أي فوضى بتحصل حاليا، فخليت ضهري على الحيطة، وضربات قلبي بتوصل لمليون ميل في الساعة. الفوضى كانت لسه عالية، بس لحسن الحظ، ما فيش طلقات نارية طلعت من الغرفة. باب تاني فتح، وطلع منه حوالي 4 رجال، كلهم كانوا مدينيين ضهرهم، فما عرفتش هم مين قبل ما يختفوا في الممر. فضولي تغلب عليا، ومشيت ببطء ناحية الباب المفتوح، اللي اكتشفتي قريبا إنه من نفس الغرفة اللي دخل فيها جاكسون. دخلت راسي، وشفتي راجل، لابس أسود بالكامل، بيوجه مسدس في اتجاه اللي أتوقع إنه جاكسون.
قلت لجاكسون إن ليا ضهره، حان الوقت أبين له ده. بصيت حواليا بسرعة، على حاجة ممكن تساعدني أفقد الراجل السلاح، وشفتي لمبة على منضدة جانبية، يعني لو ده بس اللي موجود. بسرعة رفعت اللمبة؛ السلك انفك من الحيطة وأنا بعمل كده. بدأت ببطء بهدوء قدر الإمكان أدخل الغرفة عشان أقف ورا الراجل، اللي ما كانش يعرف حاجة. بكل قوتي، رفعت اللمبة وضربته على رأسه بيها، ووقع على الأرض على طول.
رميت اللمبة على الأرض، ووش جاكسون مصدوم، بس قريبا أكبر ابتسامة بتملي شفايفه.
"وده اللي بيتعمل يا آلي!" صرخ، وده خلاني أقفز وأبدأ أبص حواليا، وشفتي راجل مربوط لسارية، لفت انتباهي.
"بابا!" صرخت وأنا أجري بأقصى سرعة ناحيته، حطيت إيدي على كتفه بس وبصيت على وشه المتبهدل.
"لقيتيني، كنت عارف إنك هتعملي كده." قال وهو بيبص كأنه هيبدأ يبكي، وده خلاني عايزة أبكي كمان. "شوفي شكلك، شكلك بيشبه أمك أوي." يبكي، وهو بيحط رأسه على كتفي، كنت بحاول بكل قوتي ما أبكيش في اللحظة دي.
"ما كنتش هأتوقف لحد ما ألاقييك، مش هتصدق الأشياء المجنونة اللي اضطريت أعملها." قلت بضحكة خفيفة وهو بيرفع رأسه، بس قريبا ريحة غريبة بدأت تملي حواسي.
"مش عايز أفسد لمة العيلة المستحقة دي، بس عندنا مشكلة." جاكسون قال، وده خرجني من اللحظة، وشفتي دخان أسود كثيف بيطلع من الباب اللي كنت لسه داخله منه.
"إيه ده؟!!" سألت وأنا بقف على رجلي، أنا متأكدة إنني ما شوفتش أي نوع من النار لما كنت هناك من أقل من عشر ثواني!
"بيحاولوا يدمروا الأدلة! آلي، انزلي مع أبوكي واخرجي من المبنى ده، هأحاول أحرك التافه فاقد الوعي ده." جاكسون صرخ وهو بيجري وبيكسر السلاسل اللي كانت ماسكة أبويا في السارية.
"وماذا عنك؟" سألت لما حرر أبويا بالكامل وساعده على الوقوف، وهو بيبعت لي واحدة من ابتساماته.
"هأكون وراكي على طول." ابتسم بينما لففت دراع أبويا حوالين كتفي عشان أساعده على المشي، ما حبيتش فكرة إني أسيب جاكسون، بس كنت عارفة إني لازم.
هزيت راسي قبل ما، بشكل أساسي، أجر أبويا من الغرفة ناحية السلالم اللي جاكسون وأنا طلعناهم لسه. ركلت الباب برجلي بينما قلت الرؤية لدرجة إنها بقت ولا حاجة. بدأت أساعده على المشي على السللم الكتير، بينما من كل باب خرج مئات غيرهم. السلم اللي كان هادئ كان مليان بالصراخ، الصيحات، الناس اللي بتجري عشان تلاقي المخارج، ونداء إنذار الحريق العالي اللي بيرن في كل المبنى.
"أنت بتعمل كويس يا بابا، مش كتير دلوقتي." قلت عشان أحاول أطمنه إن كل شيء هيكون بخير، وإحنا بنجري، بس في اللحظة دي، ما كنتش أعرف إذا كنا هنقدر نخرج في الوقت المناسب قبل ما النار تنتشر.
بعد اللي حسيت إنه عمر، وصلنا للاستقبال اللي جاكسون وأنا دخلنا منه من أقل من عشر دقايق. بس المرة دي، الجو الهادي اتحول لخوف وناس قلقانة بتجري حوالين. قدرت أعدي بينا من جنب كل الناس القلقانة، وطلعنا في الهواء النقي، حيث كان في حالة ذعر كبير، بس كمان خدمات الطوارئ كانت في كل مكان. فريق منهم شاف قد إيه أبويا مصاب، وجريوا عشان يساعدوه.
"لو سمحتم، خليكم معاه، هأرجع في دقيقة." قلت، وسلمته للرجال بينما طمنت أبويا إني هأرجع على طول؛ حملوه للمستشفى عشان يتعالج.
دلوقتي وجهت انتباهي تاني ناحية الفوضى اللي قدامي، الناس لسه بتجري صعودا وهبوطا، بينما الدخان والرماد بدأوا يملوا الشارع. بس كان فيه شخص واحد كنت بدور عليه، جاكسون. هو قالي إنه هيكون ورايا على طول، بس ما قدرتش أشوفه في أي مكان.
"جاكسون!" صرخت على أمل إنه ضاع في الزحمة بس، وهيسمع صوتي ويجري، بس لما بصيت حواليا بسرعة، هو ما كانش موجود.
بعد كده وجهت انتباهي للمبنى؛ الجزء العلوي كان مغطى بألسنة اللهب البرتقالية اللي كانت بتنتشر أكتر وأكتر لتحت المبنى! ده معناه إن الدور اللي كنت فيه مغطى بالنار! جريت بأقصى سرعة ناحية المبنى، بس قبل ما أقدر أقرب أكتر، أوقفني ضابط.
"أنا آسف يا مدام، مش ممكن نسمح لأي حد يدخل المبنى، هيكله متضرر أوي وممكن ينهار في أي لحظة." قال وهو بيمنعني إني أقرب أكتر، بس ما استسلمتش في صراعي.
"لا أرجوك، شخص أعرفه ممكن يكون لسه محبوس هناك!" توسلت إليه، بس هز راسه، كنت عارفة إنه ما فيش طريقة أي حد منهم يسمحلي بالمرور.
توقفت عن القتال بس بدأت أبكي بصوت عالي، إيدي بتمر على شعري بطريقة متوترة ولسه بدور عليه في المنطقة. لسه ما كانش فيه أي علامة منه، بس ناس تانية بتجري حوالين في حالة ذعر. انفجار ضخم هز الأرض، وحيث إني اتزنت على رجلي مرة تانية، بصيت فوق وشفتي معظم الجزء العلوي من المبنى انفجر.
"جاكسون!" صرخت بأعلى صوتي وأنا بمال لقدام، رجلي كانت بتحاول تتخلى عني عشان أقع على الأرض في كومة، ماذا لو كان محبوسا هناك؟!
"آلي!" سمعت من خلال الزحمة من مكان ما، رفعت راسي وبدأت أدور بسرعة على اللي نادى على اسمي.
درت رأسي للجانب وشفتي صاحبه، جاكسون كان واقف في نص مجموعة الناس اللي في حالة ذعر بيبص عليا. انطلقت جري بأقصى سرعة ممكنة ناحيته، وهو بدأ يعمل نفس الشيء. قريبا تقابلنا في النص، وقبل ما يقدر ينطق بكلمة، حطيت شفايفي على شفايفه. هو حتى ما تجمدش من الصدمة، بس على طول، قبلني تاني وهو بيقربني أكتر منه. إيديه كانت حوالين وسطي بينما إيدي كانت على جانبي وجهه، الجنون حوالينا تلاشى بمعنى ما. بعد كام لحظة، أخيرا ابتعدنا، وحيث بصينا لبعضنا في العيون.
"أخيرا، كنت مستني أعمل كده من زمان." قال بنفس الابتسامة اللي على شفايفه اللي حبيتها، بس ما قدرتش ما ابتسمش.
"لا تعمل كده تاني." قلت وأنا بهز راسي، عمري ما عايزة أحس باللي حسيت بيه لما كنت فاكرة إنه لسه في المبنى ده.
"أنت عارفة إني بطريقة عيشتي، ما أقدرش أعدك بكده." قال لي بينما أرسلت له واحدة من نظراتي. "بس عشانك، هأحاول بأقصى جهدي." ابتسم وإيده دلوقتي راحت على خدي قبل ما شفايفنا تقترب مرة تانية.
بعد كام لحظة، جاكسون وأنا كنا ماشيين ناحية الإسعاف اللي أبويا كان بيتعالج فيه. لما وقفنا بره الباب، شوفته نايم على السرير وبيتلقى العلاج.
"لازم تاخده للمستشفى في قاعدة الملكة، هيتلقى العلاج هناك." جاكسون قال للطاقم، الأول شكله اتلخبط بس التاني هز راسه وقفز من الإسعاف.
"أخذت شوية مرضى هناك، هناخده هناك على طول." قال قبل ما يقفل الأبواب ويجري عشان يسوق أبويا للمستشفى، على الأقل أنا عارفة إنه في أمان.
"ماريو هرب." قلت وأنا بدور عشان أبص لجاكسون تاني، بس هز راسه بيبص للمبنى الضخم اللي بيتحرق، اللي كنا فيه من لحظات.
"ما أعتقدش إنه كان هناك من البداية، بس أعوانه الأغبياء اللي اتقال لهم يراقبوا أبوكي." قال وده فعلا بيخلي الكلام له معنى أكتر، يعني ما شوفتش لمحة من الراجل أبدا.
بدأت أبص حواليا مرة تانية على المكان، حيث إن شخص بيتسند على عمود بيلفت انتباهي. كانوا منكمشين من الألم، بس لما رفعوا رأسهم، صُدمت.
"ريس؟!" سألت قبل ما أجري ناحيته، جاكسون قريبا لحقنا وهو بيصرخ إننا محتاجين مساعدة. "إيه اللي حصل؟" سألت لما وصلت عنده، حيث كان دلوقتي ممدد على الأرض، واضح إنه في ألم شديد.
"أنتِ وأمك كنا بنستنوا برة عشان ترجعوا من كلامك مع الراجل ده، لما هاجمنا ماريو." قدر يقول من خلال الألم، وده لازم يكون المكان اللي راحوا فيه.
"معاه أمك." قال قبل ما المسعفين يجروا عشان يساعدوه، وده بيخليني الف رأسي عشان أبص لجاكسون.
يا إلهي.