الفصل 13
من وجهة نظر أونيكا...
لما وصلت المكتب، كان هدوء غير طبيعي. ايه اللي حصل هنا بليل؟ بصيت في ساعتي، كنت متأخرة عشر دقايق. حسيت بإحساس وحش في دماغي، بيزن في وداني. غريزتي بتقولي اهربي. تجاهلت الإحساس، مفكرة إنه بس عشان لسه متضايقة من اللي حصل قبل كده.
ليه ما حدش جه لحد دلوقتي؟ فيه إجازة ولا إيه؟ بس لو كده، ثيودور أكيد كان هيبلغني.
بعدين شوفت أمن جاي ناحيتي. قبل ما يتكلم، سألته، "فين الناس كلها يا روبرت؟" أخد نفس عميق قبل ما يرد.
"مدام، الكل في قاعة الندوات."
عبست بتوهان. فيه ندوة شغالة وأنا ما عنديش أي معلومة؟
"مين اللي ق --" قطعني.
"مدام، ما أعرفش التفاصيل، بس اتقالي أبلغ الكل."
ده غريب. عادة الأمن هنا، هما أكتر ناس عارفين اللي بيحصل حواليهم. "طيب، أنا رايحة هناك، شكراً إنك بلغتني." وبكده، مشيت لقاعة الندوات.
قاعة الندوات كلها كانت مليانة موظفين، والكل وشه متلخبط، بيتكلموا مع بعض بصوت واطي عشان يفهموا إيه اللي بيحصل.
شكلي مش الوحيدة اللي ما أعرفش حاجة.
"هاي! أونيكا، إنتي هنا." ليلى، واحدة من زميلاتي وصديقتي، جت جري ناحيتي. "أيوه، بس إيه اللي بيحصل هنا؟"
"لسه من شوية، الرئيس التنفيذي جه وأعلن إن الشركة اتباعت لواحد من رجال الأعمال، وهو هيجي بعد دقايق. الرئيس التنفيذي راح يستقبله."
"إيه! ك-إزاي؟ إيمتى؟ يا لهوي! --" بصيتلها بصدمة، ملايين الأسئلة بتيجي في بالي كلها مرة واحدة.
"يعني ليه ما بلغوناش قبل كده؟ وكل حاجة كانت كويسة في الشركة، ليه ثيودور بيه يبيع الشركة لحد كده؟"
غريب.
الناس ما بتبيعش شركتهم لحد كده في يوم وليلة، وأكيد مش شركة بتكسب. وأنا أعرف بيه بقالي سنتين، ومهما كان بيحب يلعب، أكتر حاجة كنت بحبها فيه، غير شكله، إنه مخلص للشركة.
"ما أعرفش. خايفة بجد. طب أمان الوظيفة بتاعتنا؟ المالك الجديد هيطردنا كلنا؟" سألت بصوت خايف.
ده زود موجة رعب تانية في دماغي.
"لأ! أكيد لأ، ما يقدرش يعمل فينا كده، وثيودور بيه أكيد كان عنده اتفاق مع المالك الجديد. ما ينفعش يختفي من غير ما يعرض علينا أي أمان وظيفي." يا ربي، إيه النوع ده من الجبناء؟ إحنا ماشيين على حافة السيف وهو مش موجود، سابنا لوحدنا نتعامل مع القرف ده.
أنت أحسن من كده يا ثيودور، أو على الأقل أنا مفكرة إنك كده، بس تاني، دي حقيقة إن أنا مش أحسن واحدة في الحكم على الناس. المثال الحي على كده هو أوغستين، ابن ال -- دي لوكا.
والأكتر من كده، أنا مديونة للشركة. ماذا لو المالك الجديد طلب مني أدفع كل ده مرة واحدة؟
كل الهوا وقف في زوري.
يا رب لأ.
قولي ما يقدرش يعمل كده، بعد كل ده، عندي عقد يخليني أدفع على سنة. ما يقدرش يخالف العقد، ده أكيد غير قانوني. مش حاسة إن فيه حاجة كويسة في كل ده.
بعدين جت في بالي احتمالية. احتمالية مرعبة، بتخليني أضعف ركبي من الخوف.
افتكرت إني ما سألتش مين المالك الجديد. وأنا لسه هسأل ليلى، الرئيس التنفيذي بتاعنا دخل مع راجل مش قادرة أشوفه كويس، عشان حواليه جيش من ٢٠ بودي جارد بزي أسود من كل ناحية. أتوقع إنه المالك الجديد بتاعنا.
قلبي بدأ يسرع. فيه حاجة غلط بجد. كان لازم أسمع لغريزتي، ودلوقتي بتقولي اهربي بأسرع ما يمكن لو عايزة تعيشي.
كان ماشي ناحية المنصة، يمكن عشان يقدم نفسه. ضهره كان ليا. أشار لحراسه وغيرهم عشان يقفوا على جنب وهو بيوصل للمنصة.
لف ناحية الناس، وبعدين حصل، موجة خوف باردة نزلت في ضهري، نفسي حبست في رئتي، حسيت كأن قلبي وقف يدق، دمعة واحدة نزلت من عيني وأنا مدركة إني ببص في عيون سبب كوابيسي، أوغستين دي لوكا. كنت برتعش من الخوف لما استوعبت اللي بيعنيه. لاقاني، ومش هيسيبني المرة دي عشان هربت. هيعذبني أكتر المرة دي.
أنا ميتة.
من وجهة نظر أوغستين...
وبعدين حصل، موجة كهربا نزلت في ضهري، نفسي زادت، حسيت كأن قلبي بدأ يدق بعد سنتين طويلة، وأنا مدرك إني ببص في عيون أجمل وأبرأ عيون عرفتها في حياتي. أونيكا دي لوكا. أونيكتي.
حسيت إني حي بعد وقت طويل جداً.
كل جزء في جسمي حس إنه حي.
عيني فضلت ثابتة على وشها، بدرس كل بوصة فيه، كل تعبير. العالم كله أخد مكان خلفي. هي. بس هي. مافيش أي حاجة تانية موجودة.
الخوف في عيونها الزرقا كان واضح حتى من بعيد. وشها شاحب. كانت بتبدو ضعيفة وتعبانة جداً، وعيونها فيها هالات سودا. عمرها ما بدت كده ضعيفة قبل كده.
لعنت نفسي لما عقلي الباطن وبخني على كده.
بعدين لاحظت، كانت بترتعش من الخوف زي الورقة.
بعدين الاستيعاب جه. يسوع، هي ما تعرفش إني أعرف الحقيقة. هي مفكرة إني هنا عشان أعذبها تاني. هي على وشك نوبة هلع. نظرة الخوف الصافي على وشها في اللحظة دي خلتني أكره نفسي أكتر ألف مرة من اللي أنا بكرهها بالفعل. ده اللي أنا عملته فيها. مافيش أثر للبنت اللي دايماً بتضحك واللي ما بتهتمش، اللي كانت هي. أنا حولتها لكده.
صدري ضاق بألم لا يطاق. إبر بتوخز كل بوصة من جلدي.
كنت ببصلها بس زي الروح الممسوسة.
طلعت من شرودي بس لما جاكوب أشار لي عشان أبدأ خطابي، ورجعت للواقع إن مئات العيون عليا، وكل ما أتخلص منهم أسرع، كل ما أكون مع أونيكا أسرع.
"صباح الخير على الجميع. زي ما تعرفوا، أنا الرئيس التنفيذي الجديد للشركة، أوغستين دي لوكا. لو كلكم قلقانين على وظائفكم، ما تقلقوش، وظائفكم آمنة." شوفت الناس بتتهز براحة زي الهبل. أنا لسه ما خلصتش كلامي.
"لسه ما خلصتش، خلوني أكمل جملتي، يعني، وظيفتكم آمنة لحد ما تدوني سبب لأفصلكم. أنا ما بطيقش أي نقص أو كسل في الشغل، عشان كده هديكم فرصة عادلة عشان تثبتوا إنكم تستاهلوا تشتغلوا تحت شركة من أحسن شركات العالم." التوتر اللي بيزيد كان واضح في الجو، زي ما بحب بالظبط. ابتسمت في سري.
"هديكم كلكم ٣ شهور عشان تعملوا كده، وبعدها هقرر أفصلكم ولا لأ." كنت شايف الخوف على وشوش الكل، بس ما كنتش مهتم. الحشرات دي اللي بتشتغل مع الـ -- ثيودور بلاك ما يستاهلوش يشتغلوا تحتي. عشان كده، في الأول كنت مخطط أفصل الكل مباشرة، ما عدا أونيكا طبعاً، بس ما كنتش عايز أخوف أونيكا بكده. لازم آخد كل خطوة بحذر، عشان هي بريئة زيادة عن اللزوم إنها تشوف أي حاجة من طرق وحشيتي.
بعدين بصيت على أونيكا. كانت بتبص في أي حتة غيري. كانت بتفكر بعمق، أقدر أقول. أراهن إنها بتفكر في طرق تهرب بيها. أميرتي الصغيرة، كان لازم تعرفيني أحسن من كده. بحب أشوفك بتحاولي. لو فاكرة إني هسيبك تهربي تاني، يبقي إنتي واهمة. جاهلة. ساذجة.
يا خراشي، نسيت إني لسه ما صرفتش الناس. "فيه شوية قواعد أساسية لازم كلكم تتبعوها. عشان معنديش وقت أطعمكم كلكم، مساعدي هيقولكم. كلكم انصرفوا، ارجعوا لشغلكم، وفي نفس الوقت، هراجع ملفاتكم، ولو حسيت إن فيه حد مجرد حشو، ومش لازم يكون موجود هنا، ممكن تودعوا وظيفتكم." وبكده، مشيت من قاعة الندوات، بس مش قبل ما أشوف جاكوب غضبان جداً. تاني. قلبت عيني في سري.
أول ما وصلت مكتبي، اتصلت بمساعدي، "في مكتبي دلوقتي."
"نعم سيدي." رد بثقة. بحب ثقته، هو مش زي الباقي اللي بيعملوا على نفسهم لما يشوفوني. هو واثق جداً، زي ما بحب موظفيني. على الرغم إني بتغذى على خوف الناس، بس اختيار الناس اللي بعتمد عليهم قصة تانية. لما تكون في منصب عالي زي ده، ما ينفعش يكون معاك ناس أغبيا. لازم يكون عندهم مستوى، والثقة عشان يشتغلوا معايا.
كان فيه خبط على الباب. "ادخل." قلت بصوت آمر، مفكراً إنه مساعدي، بس، كان جاكوب، وهيييييا بينا... . .
"إيه اللي غلط فيك؟ ممكن تتصرف كإنسان مرة واحدة؟" صرخ فيا.
"بص يا جاكوب، إنت عارف إني ما بعملش جمعيات خيرية لما يتعلق الأمر بالشغل. لو عايز أنظم جودة الموظفين اللي بيشتغلوا معايا، إيه الغلط في كده؟ ده اللي دايماً بعمله، مافيش حاجة جديدة، مش شايف أي سبب أغيره دلوقتي، عشان كده ما تضايقش نفسك على كده."
"مش اللي إنت عايزه، الطريقة اللي بتعبر بيها عن اللي عايزه. حذرتك قبل كده إنك ما تخوفهاش وهي والكل، بس عملت كده. بإنك تكون نفسك القديم، لو ما ورتهاش إنك اتغيرت، عمرها ما هترجعلك، وواو، إيه الدخول العظيم اللي عملته. حط كلامي في دماغك يا أوغستين، هي ست ذكية، دايماً هتحكم عليك بالطريقة اللي بتتعامل بيها مع الناس، مش بالطريقة اللي بتدعي إنك اتغيرت عشانها. مش إنك ما تصرفتش زي وحش معاها كمان. بحذرك يا أوغستين، غير طريقتك، وإلا هتخسرها للأبد."
بصيتله باستياء. دايماً لازم يبالغ في كل حاجة.
"إيه اللي بتتكلم عنه؟ إنت قولتلي ما أفصلش حد، وأنا عملت كده عشان ما أخوفهاش، بس إنت لسه بتشتكي." رفعت إيدي في الهوا من الغيظ. جاكوب عنده مشكلة مع كل حاجة بعملها.
"يا لهوي، مين بتهزر معاه، كلنا عارفين إنك بس أجلت استقالتهم لتلات شهور، هي هي. إنت ما بتخدعنيش يا مستر دي لوكا."
"أنا بس مش فاهم، ليه بتتخانق معايا على حاجة تافهة زي دي؟ أونيكا مش محتاجة تخاف مني على طريقتي في معاملة الناس، أنا عمري ما هعاملها كده. هي مش واحدة من ضمن الباقي، هي مراتي، يلعن أبوها. بس لازم تطلب أي حاجة عايزاها، هتلاقيها قدامها قبل ما ترمش."
جاكوب بصلي بعدم تصديق.
"إنت جاهل يلعن أبوك، واهم، منعدم الإحساس، ي --" قبض قبضته عشان يسيطر على غضبه، كان على بعد ثانية من إنه يضربني بوكس.
إيه الموضوع معاه؟
"إنت عمرك ما هتعاملها كده؟ ده يضحك يا أوغستين، يمكن حتى يكون أظرف نكتة سمعتها في حياتي." قال، ونبرة كلامه فيها سخرية.
"اصحى يا راجل وافتح عينيك، إنت بالفعل عاملتها أسوأ من مجرم، مش موظف عندك بس."
كلامه خلاني أقفل على سناني. هو صح، بس ده مش معناه إنه دايماً هيفرك ده في وشي.
كان فيه خبط تاني. لازم يكون مساعدي. "استنى دقيقة بره." صرخت فيه.
أخدت نفس وطلعت نفس مرتين أو تلاتة عشان أهدى. وش أونيكا الخايف بييجي قدامي. بترتعش زي قطة صغيرة شافت ذئب كبير، ومافيش مكان تهرب فيه. محبوسة. بدت محبوسة. . . ومرعوبة.
فركت شعري في إحباط. طيب خلاص، هو صح. أنا نفسي شوفت قد إيه كانت خايفة أول ما شافتني، بس لسه عملت كده. إيه الغلط فيا؟
إيه اللي كنت بفكر فيه، أو حتى كنت بفكر أصلاً؟ بيخليني أتساءل، هل فعلاً مخي ضمر في السنتين دول من غير أونيكا.
يا خراشي، كله يروح في شغلهم، لو عايزين، هدفع لهم حتى لو ما عملوش أي شغل. مافيش أي حاجة تستاهل تزعل أونيكا. مش عشان حاجة تافهة زي دي.
"إنت صح، أنا آسف، ما كانش المفروض أعمل كده، محتاج أغير طريقي، وأنا بحاول، طيب؟ دي الطريقة اللي اشتغلت بيها لسنين، بس فهمت إن طريقي غلط، ما ينفعش أكمل بيها تاني. فهمت. مش هيحصل تاني." تقبلت غلطتي بتردد.
"الأفضل ما يحصلش. بص يا أوغستين، أنا مش عدوك، أنا بس عايز أساعدك، لازم تتعامل مع الأمور بحذر، طيب؟ هي بالفعل مكسورة جداً، اديها وقت تتعافى، وكن صبور معاها. أنا عارف إن ده ضد طبيعتك، وإنت مستني ده لوقت طويل، بس لازم تاخد الأمور على مهلك، وما تضغطش عليها زيادة، اديها وقت تتأقلم على التغيير المفاجئ في الأحداث بدل ما تديها أسباب جديدة عشان تخاف منك."
هزيت راسي لطمأنة.
"طيب، هرجع للشغل دلوقتي. مين يعرف، بعد تلات شهور، يمكن رئيسي يفصلني لو عرف إني بتكلم ورا ضهره." قال على سبيل المزاح.
ضحكت بخفة على نكتته الطفولية، وهو بيتزحلق ناحية الباب.
"هاي! مساعدك واقف بره، أبعته يدخل؟" سأل جاكوب.
"أه، أبعته يدخل." نسيت أمره خالص.
"إزاي ممكن أساعدك يا سيدي؟" سأل بلطف، وراسه منحنية قليلاً.
"أنت عايز تبعت مدام أونيكا دي.. أقصد كولين لمكتبي خلال ٥ دقايق، وإلا هتتفصل." يا خراشي، يارب جاكوب مش واقف بره. عملتها تاني، بس حقيقة إني لازم أناديها أونيكا كولين، بتوتر أعصابي. لازم يتغير ده قريباً. عيون مساعدي اتسعت على ده، بس قدر يقول، "أوكي يا سيدي." وخرج من المكتب بأسرع ما يمكن.
أنا متأكد دلوقتي إنها حاولت تهرب، عشان كده كنت بعت اتنين من الحراس بتوعي عشان يراقبوها. قلبي بيدق بعنف في ترقب، أي لحظة هتكون هنا.
حسيت بتوتر لأول مرة في حياتي. حسيت إني مش مستعد. كفوف إيدي العرقانة كانت الدليل.