الفصل 1
من وجهة نظر أونيكا...
صحيت وأنا أشعر بأشعة الشمس على جفوني. فتحت عيوني شوي شوي، وشفتي أليكس لسة نايم بهدوء.
تنفسّت براحة.
الحمد لله، اليوم من الأيام اللي ما أصحيه فيها في نص الليل بسبب صراخي المستمر.
هو مو ابني. لقيته يبكي في الشارع في اليوم اللي هربت فيه من أجوستين. كان صغير مرة ويبكي كأنه ما أكل شي من أيام. كيف ممكن أحد يرمي طفل صغير كذا؟ أكيد كان عمره سنة بس وقتها. الحين، صار لنا سنتين مع بعض... من يوم ما هربت منه.
لسة أتذكر اليوم هذا بوضوح. اليوم اللي قررت أموت فيه، وكنت رح أسويها لولا أليكس. بعد ما شفتي أليكس يبكي هناك، قررت إني ما راح أضحي بحياتي عشان واحد زبالة زي أجوستين دي لوكا.
الأفضل تعيش حياتك عشان شخص يحتاجك، بدل ما تنهيها عشان شخص ما راح حتى يفكر فيك. هذا الوحش أخذ كل سعادتي، ما راح ياخذ حياتي، مو مرة ثانية.
حالياً، أشتغل كمساعدة شخصية لثيودور بلايك، الرئيس التنفيذي لشركة بلايك.
أعتقد إن ريّسّي معجب فيني... بس ما يدري إني خلاص ما أبغى أكون في علاقة مع أحد للأبد.
بعد ما أطعمت ولدي لصغير وسلمته للخادمة، تجهزت لليوم ورحت على مكتبي.
كنت جالسة في مكتبي من ساعتين وأنا أراجع الملفات، وفجأة رن تلفوني. "ألو، الآنسة أونيكا، في مكتبي، الحين." رييسّي أمر.
"تمام يا سيدي." قلت كأني روبوت مبرمج، ورحت باتجاه وجهتي.
تنهدت وجهزت نفسي نفسياً لتقربات جديدة ما لها فايدة منه. كأنها روتين يومي الحين. ليش ما يقدر يتعود إني ما أبغاه؟
تنهدت، وطقيت باب مكتبه.
"أقدر أدخل يا سيدي؟" سألت.
"تفضل." قال بصوته اللي فيه سلطة.
دخلت وسلمت عليه، "صباح الخير يا سيدي. كيف ممكن أساعدك؟"
ناظرني، عيونه السوداء تخترقني مباشرة، لثواني قبل ما يجاوب.
"الآنسة أونيكا، هل راجعت ملف السيد واتسون؟ أبغى كل التفاصيل على طاولتي في خلال ساعة، وتأكدي من ترتيب اجتماع مع السيد لورانس في أسرع وقت."
"تمام يا سيدي. في شي ثاني؟" سألت على طول، وأنا أدعي إنه يمشيني، بس الحظ ما كان في صفي. كالعادة.
"إيه بصراحة. لازم أطلب منك معروف.". وهنا وصلنا. "وش هو يا سيدي؟" سألت وأنا متضايقة.
"اليوم حفل زواج أخوي." قال، كأنه يفسر كل شي.
"أوه مبروك يا سيدي، بس مو شايفه كيف ممكن أساعدك في هذا؟" سألت، وعاقدة حواجبي وأنا مستغربة.
"في الواقع، كل الموظفين معزومين، وهو من أهم الحفلات في المدينة، وفي ثيم للحفلة، وكل واحد لازم يكون مع شريك. ف، كنت أفكر... يعني... أحب إنك تكوني شريكتي." سكت وأضاف، "مو لأني ما عندي بنات يقتربون مني كل شوي."
'أكيد البنات يلفون حواليك عشان الفلوس والشكل اللي عندك.' درت عيوني جوا.
بغيت أرمي عليه تعليق لاذع على عرض غروره، بس الحين الوظيفة هذه مرة مهمة عندي، لأن عندي ولد أطعمه، وهي وظيفة براتب كويس في الشركة المشهورة. الأفضل من اللي موجود، فما أقدر أخسره وأخاطر بالوظيفة.
فبدال هذا، قلت "أنا مرة مستانسة يا سيدي، بس في الواقع أمم... زي ما تعرف عندك أليكس ينتظرني في البيت، فما أعتقد إني أقدر أحضر." كان بيبغى يقول شي، بس سبقت لسانه وقلت بابتسامة لطيفة.
"وأنا متأكدة إن وحدة من البنات اللي يقتربون منك رح تكون مرة متحمسة تحصل على الفرصة." صح كذا، سويتها.
أول ما قلت كذا، قدرت أشوف الغضب يشتعل في عيونه. يا خراشي.
"أوه، إيه أكيد، عندك ولد تهتمين فيه، وأنا متأكدة عشان هذا راح تحتاجين الوظيفة، عشان هذا الموضوع أي وظيفة، وتعرفين يا آنسة أونيكا، إنك تسوين عدو مني في هذا السيناريو يبدو شي غبي بالنسبة لي، والحقيقة أنا أعرف إنك مو غبية، وإلا ما كنتِ هنا تشتغلين كمساعدة شخصية لي."
قال الجزء الأخير بصوت ساخر، وخلاني أُغلي من الغضب. كان يبتزني مباشرة، شي ما سواه قبل كذا. واللي يزيد الطين بلة، ابتسامة متكبرة ملصقة على شفايفه، بس ورا هذه الابتسامة قدرت أقرا انزعاجه. كانت تحذير، بدأ صبره ينفذ. كان خلاص، بس المشكلة إني أنا بعد كنت كذا.
كم أتمنى أصفعه وأمسح الابتسامة من على وجهه، بس أعرف إني ما أقدر أسوي كذا، هو صح، هو اللي عنده كل السلطة هنا.
فزي العادة، بلعت غضبي. شكله هذا كل اللي أنا كويسة فيه.
"ما عندي وقت يا آنسة أونيكا، فجاوبي بسرعة." سحبني من أفكاري.
'أعتقد ما عندي خيار.' تمتمت بصوت منخفض.
"آسفة، ما سمعتك." مد أذنه، ويسخر مني زيادة.
محطمة كبريائي، جاوبت، هالمرة بصوت ثابت "تمام يا سيدي، أنا جاهزة."
أعطاني ابتسامة شريرة وقال، "تمام إننا فهمنا بعض. رح أكون أنتظرك برا شقتك الساعة 9، الأفضل تكوني جاهزة وقتها."
"تمام يا سيدي، بس عندي طلب." قلت بسرعة.
"وش هو؟" رفع حاجب عليّ.
"أمم... أبغى أرجع الساعة 11، أليكس مو متعود ينام بدوني."
"ولد محظوظ." تمتم تحت أنفاسه، كدت ما أسمعها. كدت.
"تمام، رح أوصلك قبل الساعة 11." وافق شوي متردد.
"شكراً يا سيدي. الحين، أقدر أمشي؟"
"إيه، تقدرين." قال بنفس نبرة غروره، ويسخر مني.
"شي مو معقول." تمتمت لنفسي، وصفقت الباب بقوة.
~~~~~
كنت أفكر من نص ساعة وش ألبس. مو كأني مهتمة، بس الظاهر إنها واحدة من أكبر الحفلات، فالمفروض على الأقل أكون مرتبة.
طالعت في الساعة.
يا لهوي! صارت 8 ونص. أخذت فستاني الأسود، هو الأفضل عندي. كنت جاهزة في خلال نص ساعة. طالعت في المراية.
همم. شكلي كويس، أعتقد؟
طولي 5'7"، عيوني زرقاء بلون الأكو مارين، شعري أشقر. رح أصنف نفسي مو نحيفة مرة مو سمينة مرة. بشكل عام، شكلي كويس، بس ما فيه شي مميز فيني، ممكن تشوفون بنات أحلى مني بكتير يتمشون في كل شارع. ليش ثيودور متعلق فيني، شي ما رح أفهمه.
تنهدت، وبست أليكس باي باي "ماما تحبك يا حبيبي، أعرف إننا ما نقضي وقت مع بعض، بس أوعدك إني رح أرجع في خلال ساعتين، لين هذا الوقت العمة شيرا رح تهتم فيك، فلا تتعبها." أعطاني وحدة من ابتساماته الرائعة اللي سرقت قلبي.
أحبه أكثر من اللي أقدر أشرحه بالكلمات، يمكن لأنه هو السبب الوحيد اللي يخليني عايشة. رح أسوي أي شي في قدرتي عشان أحافظ عليه آمن وصحي. رح أتأكد إنه ما يجي له أي ضرر مهما كان، حتى لو اضطريت أستمر أشتغل للشيطان نفسه عشان أضمن هذا. مهما صار.
شكرت شيرا (خادمة أليكس)، وطلعت لما سمعت صوت صرير الإطارات. أكيد هو.
فتحت الباب و... واو، أكره أعترف بهذا، بس شكله يجنن. في بليزر أزرق كحلي وتوكس، شعره مرجوع لورى.
حدقت فيه، كان يشوفني. مسحت حلقي عشان أجذب انتباهه.
"شكلك... شكلك..." حبس كلامه، كأنه الكلمات ما تطلع من فمه مهما حاول.
حك مؤخرة رقبته، وبدأ مرة ثانية يشوفني، واعتقدت إنه يتصرف كذا، لأنه، خلنا نواجه، ما كنت أشبه العارضات اللي كان يواعدهم، فأخذتها بطريقة سلبية. كسر شي فيني، وذكرني بشي مر، قبضت على يدي وذكرياتي المزعجة تتصارع في دماغي عشان تظهر.
"أنا أعرف، ما أشبه العارضات اللي تواعدهم، بس مو أنا اللي بغيت أكون معاك في المقام الأول. أنت اللي أجبرتني أكون هنا، فما زال عندك وقت تراجع خياراتك وتختار وحدة منهم." قلت بهدوء ما حسيت فيه. لو في شي، قلبي كان يعتصر من الألم.
ناظرني و عيونه واسعة، بعدين غمض، غمضة، ثنتين، قبل ما اللي كنت ألمح له يسجل أخيراً، كأنه كان صعب عليه يفهم أي معنى منه.
وعرفت إني فهمت غلط تماماً.
يا رب، وش سويت؟ طالعته بنظرة اعتذار عشان ألقاه مصدوم ومنذهل. وأنا على وشك أقول آسفة على تصرفي الغير عقلاني، هو تكلم أول.
"كنت على وشك أقول إنك تبدين رائعة، بس أعتقد أمم..." طالعني مو متأكد.
غمضت عيوني من الإحراج. وش كنت أفكر وأنا أتصرّف بشكل مو عقلاني.
"أنا آسفة يا سيدي، ما كان المفروض أقول كذا. بس طلع كذا، ما رح يتكرر مرة ثانية، سامحني على تصرفي الوقح." قلت بصدق، وبلعت ريقي اللي انحبس في حلقي.
لدهشتي ابتسم لي وقال "تمام. بس ليش فكرتي كذا؟" سأل، وفجأة ملامحه اسودّت، كأنه شي انضغط في مكانه.
"هل أحد قالك شي؟" سأل بنبرة خطرة.
"لا، لا ما فيه شي زي كذا." جاوبت على طول ما أبغاه يعرف كم هو صح.
لسه أتذكر اليوم اللي مسكني فيه أجوستين من شعري وقال، "يا عاهرة، وش تفكرين في نفسك، إنك لفيتني حوالين أصابعك، يا حرامية ذهب، يا عاهرة. طالعي وجهك، لو ما كان براءة مزيفة ما كنت طالعت فيك حتى، فما بالك أفعلها معك."
"ألو هل أنت هنا؟" شفتي ثيودور يلوح بيده قدام عيني، ووجهه يبين قلقه.
"إيه أمم آسفة... أعتقد لازم نستعجل، تأخرنا."
من غير كلمة ثانية وجهني لسيارة الدفع الرباعي حقتّه. بس عرفت إنه يفكر وش يسوي من تصرفي الغريب.
الرحلة كانت صامتة، أفكاري تروح وتجي بين الماضي والحاضر، والدموع تلزق في مؤخرة عيني، بس رفضت أنزل أي دموع على أجوستين وأحرج نفسي زيادة قدام رييسي. ما يستاهل. مع هذا، تركت أفكاره وراء، ورحت للحاضر لما السيارة وصلت لوجهتها.
فتح الباب وعرض عليّ يده وقال،
"ممكن، يا جميلة؟" ابتسامة لطيفة تلعب على شفايفه، كأنها تصدق كلامه، كأنها تطمني إنه يقول الحقيقة.
جميلة. الكلمة رنّت غريبة. رديت له الابتسامة بواحدة دافئة، أول مرة أعنيها بجد، وأعطيته يدي اللي قربها لشفايفه وباسها بلطف. كنت رح أحمر خجلاً على الحركة، لو كنت أونيكا القديمة، بس ما عاد شي يحركني.
نزلنا من السيارة ودخلنا الحفلة.
يا سلام! الحفلة هذه بالفعل واحدة من أكبر الحفلات اللي حضرتها، إلا زواجي. اللي كان أسعد يوم في حياتي. لو بس أعرف وش كان بيجي بعدها.
لما دخلنا، من ولا شي، كم واحد من المصورين حاصرونا وبدأوا يصورون.
بعدين فجأة، استوعبت وش قاعد يصير، وعقلي دخل في وضعية ذعر، ما أقدر أخليهم يسوون هذا. بس قبل ما أقدر أتفاداهم، صور كثيرة بالفعل أخذت.
أنا تدمرت.
الحين ما أقدر إلا أدعي إنه ما يوصل لأجوستين، وإلا الجحيم رح ينفجر مرة ثانية، وأشك إني رح أطلع حية هالمرة.
....................