الفصل 27
وجهة نظر يعقوب........
أنا وأغوستين قاعدين هنا في مكتبه من امبارح بالليل، بنحاول نتبع هالـ"الابن/الابنة"...اللعين. بس ما فيش فايدة. كأنه فجأة اختفى من على وجه الأرض. إزاي قدر يخبي نفسه كويس كده؟
إزاي بالظبط، دي حاجة مش فاهمها.
أغوستين مش بينام، مش بياكل، يعني أساسًا مش بيعمل أي حاجة من ساعة ما سمع إن هالـ"الابن/الابنة"...اللي يودي في داهية شافوه قريب من أونيكا. فمش هيرتاح غير لما يمسك فيه.
طيب نفس الكلام بالنسبة لي. الدم بيغلي في عروقي حتى لما أتخيله في أي مكان قريب منها.
أغوستين طلعني من أفكاري لما قال: "أونيكا موجودة في قصري وأنا هنا بحاول أجيب هالجرذ من الجحر بتاعه. هخلي هالخنزير يدفع تمن كل ثانية بعيد فيها عنها. يوم واحد من 3 شهور راح. وده لوحده يساوي أكتر من حياته البائسة."
قالها وهو بياخد أقرب مزهرية ورماها على أقرب حيط، واتكسرت حتت.
"مش هقدر أرتاح غير لما أمسك هالـ"ابن/ابنة"...الـ"ابن/ابنة"...الـ"ابن/ابنة"...وأوريه جهنمي الخاصة..." قاطعه خبط على الباب.
تنهد بتأفف وصاح: "مين اللى بيزعجني وأنا مدّي أوامر واضحة محدش يزعجني؟"
بعدين، استوعبنا أنا وهو في نفس الوقت، كأنها صاعقة رعد، وبصينا لبعض برعب.
مسموح لكيل بس يدخل، لو فيه طوارئ بخصوص أونيكا، وبما إن محدش بيجرأ يخالف أوامر أغوستين، يبقى أكيد كيل. وده أكيد مش خبر حلو. وقفنا الإثنين فجأة، وأغوستين صرخ على طول: "ادخل!"
دخل كيل خايف جدًا، وشه مخطوف.
"س..سيدي..." تلعثم.
"اتكلم على طول!" صرخ فيه أغوستين، وهو بياخد كام خطوة خطرين ناحيته، واقف بكل طوله اللي يخوف.
"سيدي...مممم...الآنسة مش موجودة. دورت في كل مكان. حتى كلمت على موبايلها بس مش بترد." قالها بصوت متقطع من الخوف.
"إيه! تقصد إيه بـ 'مش موجودة'؟" أغوستين انفجر فيه، وهو بيمسكه من ياقة القميص.
"سيدي...أنا...أنا...معنديش فكرة...إزاي هي هربت من هنا." قالها، وهو عرقان بغزارة كأنه هيعملها في بنطلونه.
لو النظرات بتقتل، كان كيل بقى تحت الأرض بسته متر.
"اطلع برّه دلوقتي وحاول تلم كل فريق الأمن هنا، عندك خمس دقايق!" همس له. وجري كأن بنطلونه مولع فيه نار.
دقايق بعد كده، كل فريق الأمن واقف في كابينة أغوستين زي شوية بقر مستنيين المذبحة.
"اللي بيحرس باب الخروج الرئيسي، يطلع قدام!" أمرهم. نبرة صوته بتوضح أد إيه هو متضايق. لما أربعة حراس طلعوا قدامه، خايفين من كل عقلهم، بدأ التحقيق على طول.
"إزاي "الابن/الابنة"...اللي في داهية خرجت من المكان وأنا قولت بوضوح إنها متخرجش من الحرم الجامعي؟" سأل، بنبرة تهديد.
واحد من الحراس اتكلم: "سيدي، قبل حوالي ساعة حاولت تطلع برّه بس ما سمحناش ليها تطلع، زي ما حضرتك أمرتنا، حتى لو قالت إن فيه حاجة مستعجلة."
'مستعجلة'، دي بتدق في دماغي.
"ليه مقلتوليش؟" صرخ فيهم أغوستين.
"سيدي، هي حاولت تكلم حضرتك بس تليفونك كان مقفول...ومحدش فينا معاه رقمك الشخصي...وشكلها كان متوترة جدًا، على وشك البكا..." الحاجة اللي بعدها سمعناها هي صوت أغوستين وهو بياخد نفس حاد. بس لسه ما خلصش.
"...بعدين قالت حاجة عن إنها لازم تكلم حضرتك ورجعت جري على المبنى الرئيسي." بلغهم.
عيوننا الإتنين دارت على الحراس اللي واقفين في كابينة أغوستين. ما كانش صعب نشوفهم، لأنهم كانوا بيرتعشوا بشكل واضح. وعرفت إنهم بوّظوا الدنيا.
مسك شعره بإحباط وسألهم: "جات هنا عشان تكلمني؟" لما ما قالوش غير إنهم بيبصوا لبعض وعيونهم مفتوحة من الخوف، أغوستين انفجر.
"سألتكم سؤال، وعايز الحقيقة بكل التفاصيل...إياكم تفوتوا أي حاجة، وإلا هتشوفوا حاجات مش هتعجبكم." قالها بصوت واطي جدًا. الإتنين عرفنا إننا مش هنحب الإجابة.
"سيدي، الآنسة قالت إنها لازم تكلم حضرتك، وإن الموضوع مستعجل جدًا، بس أوامر حضرتك كانت ما ندخلش أي حد في أي ظرف، فـ..اضطرينا ن..نمنعها." بصعوبة قدر يقولها.
"إيه! كررت إيه؟" أغوستين قالها بصوت عالي لدرجة متأكد إن كل أعضاء المكتب سمعوا، ووقفوا برّه الكابينة.
أغوستين انقض عليهم، واخدنا أنا و8 من الحراس عشان نسيطر عليه.
"أغوستين، اهدا. هو بس كان بينفذ أوامر، الغلط كان مننا إننا ما بلغناهمش إنهم يدخلوها، وكمان اللي حصل حصل. دلوقتي لازم نلم نفسنا ونتصرف بعقلانية، كل لحظة بتمر ممكن تكلف أونيكا حي...حياتها." أخدت كل طاقتي عشان أقول الكلمة دي، بس الحقيقة إنها عدت ساعة وهي مش موجودة، ومعندناش أي دليل، والـ"ابن/الابنة"...اللعين ما حاولش حتى يتواصل معانا.
إيه اللي بيحصل في دماغ هالـ"ابن/ابنة"...اللعين؟ إيه اللي بيخطط له ليها؟ أيًا كان، شيء واحد واضح، مش ممكن يكون خير.
قدرت أشوف استيعاب بيغرق في وش أغوستين، أخدت الإشارة، وتوليّت القيادة.
على طول أمرت كيل يجيب تسجيلات الكاميرات من المنطقة الأمامية للساعة اللي فاتت، وفي نفس الوقت، اتصلت بأفضل محققين عشان يتبعوا تليفونها على طول.
كان فيه 5 عربيات بتتحرك داخلة وخارجة، واحدة منهم بتاعت ليلا، واحدة من صاحبات أونيكا، بس ده ما لفتش انتباهي، أكتر من إنها طلعت ورجعت تاني بعدها بـ 10 دقايق. فيه حاجة غلط.
على طول اتصلت بيها في الكابينة.
أول ما دخلت، اتصدمت لما شافت كل الزحمة دي موجودة. لما شافت أغوستين اللي شكله يقتل، الارتباك اختفى من وشها على طول، وحل مكانه الخوف.
"ساعدتي أونيكا تهرب؟ متكدبيش. عشان مش هنعاقبك حتى لو عملتي كده. ممكن تكون في مشكلة، وعايزين نعرف." قلت بأهدى طريقة ممكنة.
إيدها بدأت ترتعش، ووطت عيونها، عرفت إنها اللي عملت كده، وأغوستين كمان عرف. كان بيبص عليها زي المفترس اللي مستني فريسته. قبل ما صبر أغوستين يخلص، طلبت منها تاني: "بصي يا ليلا، ممكن تكون في مشكلة خطيرة، عشان كده جاوبي بسرعة. حياتها ممكن تعتمد على ده." حياتي بتعتمد على ده، ضفتها في سري.
أخيرًا أخدت نفس عميق وقالت: "أ..أيوة عملت كده." أول ما قالت كده، أغوستين انقض عليها.
"يا...اللي في داهية!" أغوستين انفجر فيها، وراح ناحيتها.
بس أتحدا لو سبته يضرب واحدة ست، قدامي.
"أغوستين، معندناش وقت لكلام زي ده، عشان كده اختصر في تصرفاتك، عشان خاطر أونيكا...ممكن تعمل كده؟" سألت، وخد خطوتين لورا بعد ما اسم أونيكا خرج من بوقي.
بعد ما قلت كده، طلبت من ليلا تتكلم أكتر: "ممكن تقولي لنا يا ليلا إيه الطوارئ اللي خليتها تمشي بالشكل ده في حالة من الهلع؟" قلبي كان بيدق بسرعة، كنت حابس نفسي.
فكرت لحظة قبل ما تجاوب: "قالت إن أليكس محتاجها."
ده اللي كان ناقص. على طول اتصلنا بقصر أغوستين، واحدة من الشغالات بلغت أغوستين إن أليكس كويسة، وده طمنا، بعدين أغوستين سأل لو فيه أي حاجة مش طبيعية، ولما اتفاجئنا عرفنا إن مربية أليكس مشيت من البيت قبل الميعاد، وقالت إن فيه طوارئ عائلية.
"يا لهوي، قولت لأونيكا ما تسمحش لحد من غير ما تتأكد، بس لازم تخالفني لمجرد إنها تعمل كده."
"اللي حصل حصل يا أغوستين...اعمل على طول اللي بقول لك عليه من غير ما تضيع ثانية...قول للحراس بتوعك يبلغونا عن رقم عربية مربية أليكس، والموديل بتاعها، باستخدام تسجيلات الكاميرات. دي معلومات كافية عشان نتبعها، لو مش مجرمة مدربة، وده اللي أشك فيه. مفيش وقت كتير من ساعة ما مشيت من قصرك، ومعانا أفضل فريق ممكن تستخدمه. ابعت فريقك كله لو لازم."
أغوستين قال للمحققين: "عايز الست دي قدامي في ساعة، استخدموا كل قوتكم، لو فشلتوا، استعدوا تبوسوا حياتكم، وداعًا." قالها ببرود. طيب، غضب أغوستين بيعمل عجائب. وبالتأكيد، في خلال ساعة كانت قاعدة قدامنا زي ورقة شجر، بترتعش من الخوف. وشها بيوضح إنها كانت بتبكي.
"سيدي مش عارفة أي حاجة...معملتش أي حاجة، أرجوكم سيبوني أمشي..."
"إنتي يا...اللي في داهية، فاكرة بتضحكي على مين؟ أنا هسلخ جلدك..." قاطعت أغوستين.
أتنهدت لأغوستين: "أغوستين، أدخل في الموضوع. سيطر على غضبك، مش هيفيدنا بحاجة، أو بالأحرى خليه يغلي في صدرك، عشان أول ما نمسك هالـ"ابن/ابنة"...اللعين هتحتاجه، وصدقني مش همنعك وقتها، هيبقى كله ليك عشان تعذبه زي ما تحب، ده هيبقى وقت فعلك." شفتي لمحة سادية في عيون أغوستين، وعرفت إن هالـ"ابن/ابنة"...اللعين انتهى.
من غير ما نضيع وقت، دورت عليها وسألتها:
"خليني أقولها بالشكل ده يا آنسة...لو في نفس الثانية دي ما طلعتيش كل حاجة من بوقك، هتدفعي تمن غالي." وقولت كده وأشرت على الأوضة المليانة مقاتلين مدربين، كل واحد فيهم معاه مسدس في إيده.
"معندكيش فكرة مع مين بتلعبي، صح؟"
ده كل اللي كان محتاجه عشان تنكسر.
"أنا أس...آسفة...مكنتش عايزة أعمل كده...اتعرضت لابتزاز." وهي بتقول كده بدأت تبكي بغزارة.
"ابتزاز؟ إزاي؟"
"جالي تليفون من رقم مجهول، بيقول لو معملتش كده هيموتوا جوزي. حتى بعتولي صورة ليه وهو مربوط على كرسي ومضروب..." قاطعتها.
"ممكن تدينا الرقم؟"
"أ..أيوة."
ادتنا الرقم، وديته للمحققين على طول عشان يتبعوه. وزي ما توقعنا، مقفول.
وموقع تليفون أونيكا بيوضح موقع ثابت على بعد حوالي 2 كيلو من قصر أغوستين. وده معناه إنه رماه هناك لما خطفها.
"يبقى رجعنا لنقطة الصفر بدون أي دليل، بدون أي إشارة نبدأ بيها." صوت أغوستين بيصرخ.
"كل ده بسببي، مكنش مفروض أسيبها لوحدها." ضاف.
لأ، مش هسمح بأي حاجة تحصل ليها.
دورت على مجموعة المحققين: "بلغوا البوليس، واسألوا البوليس لو فيه أي بلاغ تم تسجيله عن أي نشاط غير طبيعي حوالين المنطقة اللي آخر مرة ظهر فيها موبايلها، وبعضكم يروح هناك ويسأل السكان وأصحاب المحلات لو شافوا أي حاجة مش طبيعية...أكيد حد شاف حاجة. خطفها في عز النهار من منطقة مزدحمة...أكيد فيه حد هيلاحظ."
راحوا على طول عشان يعملوا شغلهم.
الوقت كان بيمر، وكل ثانية بتخلي قلبي يتقل. بس بدعي ربنا تكون كويسة. معندناش أي دليل لغاية دلوقتي. بس لازم يسيب وراه أي إشارة. لازم بس أعرف إيه هي، وأول ما أعرف...الأفضل ليك تحسب أيامك الأخيرة يا... اللي في داهية. عندك تمن لازم تدفعه.
بعد اللي يبدو ساعة، واحد من المحققين دخل. وقفنا الإثنين على طول.
"سيدي، السواق اللي أونيكا ركبت معاه تاكسي، سقيوه مخدرات وادخل المستشفى القريب. البوليس بلغوا، وبدأوا بالفعل التحقيق. مفيش كاميرات بتغطي المنطقة دي، وهو ذكي أقدر أقول. فيه شهود كمان، بس محدش شاف الخاطف لأنه كان متغطي كويس، ومحصلناش أي دليل قوي منهم. التحقيق لسه مستمر، وهنبلغكم على طول لو فيه أي تقدم. بس دلوقتي السواق هو أملنا الوحيد. ادوه الترياق بس هياخد 2-3 ساعات عشان يصحى تاني. عشان كده لازم نستنى."
يا لهوي.
"طيب...خلونا على إطلاع على حالته، وأول ما يصحى كلمونا." وقولت كده وخرجته.
2-3 ساعات...يا لهوي. هي فين دلوقتي؟ إيه اللي بتمر بيه؟ هل أذاها؟ يا رب ما يتأخرش قبل ما نوصل هناك.
طلعت من أفكاري لما سمعت صوت 'تنهيدة' وشفتي أغوستين قاعد على الكنبة. وشه مخطوف. العذاب واضح على وشه كأن حد قطع قلبه. قدرت أشوف طبقة من الرطوبة الخفيفة بتتجمع قدام قزحية عينه. كان بيحاول يحبسها هناك.
بص على اللي حسيت بيه - محطم، مدمر بالظبط. وكل اللي نقدر نعمله هو نستنى.
.......................