الفصل 64 خاتمة
بعد أربع سنين
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
من وجهة نظر الشخص الثالث....
أغستين دي لوكا بص على البنوته اللي عندها ست سنين قدامه، بتلعب مع عمها جاك.
إيريس دي لوكا.
إيريس، المصدر الوحيد للسلام في حياته اللي كلها مشاكل.
ابتسامة صغيرة ولطيفة ظهرت على شفايف أغستين، بتتعارض مع ملامحه الخشنة، اللي مبيظهرهاش غير للبنت الصغيرة دي، ضحكتها اللي بتهز جدران قلبه وهو بيبص لها باعجاب وإبهار خالص في عينيه.
تبناها بعد سنتين من لما أونيكا مشيت، السنتين دول كانوا صعبين عليه. بيصالح شياطينه.
مع الحقيقة.
الحقيقة اللي كسرت عالمه كله، وخلته عايش بألم مستمر في صدره. خلاه ضعيف. خلاه ميت من جوه.
كل نفس بياخده في غيابها كان بيموت حاجة جواه. يمكن جزء من روحه كان بيموت، فكر كده.
ميعرفش إيه اللي كان بيوجعه أكتر.
إنه مش هيشوف أونيكا تاني.
إنه هو اللي قتل بنته.
إنه هو السبب في إن أونيكا مستحيل تخلف تاني، بعد ما فقدت طفلها الأول بشكل مؤلم أوي، لما كان المفروض يكون موجود عشان يطمنها، كانت بتهرب منه... هو، وعليها ندوب هو اللي عملها في جسمها كله. مقدسة. لوحدها. عاجزة.
كتير أوي الحقيقة دي كانت بتضربه جامد لدرجة إنه كان بيسوق نفسه للسكر لغاية ما يفقد الوعي، لغاية ما يسمع الاسم ده بيردد في دماغه بشكل خفيف، أونيكا.
الغريب إن الاسم ده مكنش بيروح منه، مهما سكر، كان لسه بيفهم معنى الاسم ده حتى لو نسي اسمه هو.
أوقات جاك كان لازم يدور عليه، من حارة لحارة، بيلاقيه يا إما في ركن من بار قذر يا إما جنب قبر بنته اللي كان بيبكي عنده كتير لغاية ما يغمى عليه من الألم الشديد اللي بيوجع جسمه كله، كأن حد بيطعنه بسكينة.
بالرغم من كل اللي عمله لجاك، جاك عمره ما سابه. جاك كان دايما موجود، بيخلص شغله لما هو يكون مشغول في الشرب والحزن. بيساعده من غير كلام لما يحتاج صديق.
لولا جاك كان زمان جسمه الميت بيبوظ في مكان ما عشان الحيوانات تأكله.
جاك تأكد إنه أخد كورس التحكم في الغضب، عمره ما فوت ميعاده مع المستشار، كل حاجة أونيكا كانت عايزاه يعملها، وده كان الشيء الوحيد اللي أقنعه يستمر. "لو كانت موجودة ده اللي كانت عايزاه يا أغستين"، ده اللي كان جاك دايما بيقوله لما كان بيقاوم، والكلمة البسيطة دي كانت كافية تخليه يعمل أي حاجة. أي حاجة.
أخد سنتين عشان يسيطر على نفسه، وقتها جاك نصحه يتبنى طفل. في الأول كان قلقان من الفكرة، مش متأكد إذا كان يستحق يكون أب.
أكتر من القلق كان الخوف، ماذا لو بوظها تاني؟ هل يقدر يتحمل يجرح روح تانية بريئة ويعيش مع نفسه؟
بس بعدين كان في حاجة هو اتعلمها من أونيكا. متخليش خوفك يوقفك. اتغلب عليهم، حاربهم، متخليهمش يرجعوك لورا. كمل. اتحرك لقدام.
لما جاك أخده لدار الأيتام وعينيه بصت على البنت الجميلة اللي عندها أربع سنين، ليها إيدين ورجلين صغيرين، شعر كيرلي، وخدود مليانة، ليها عيون بلون البحر، نفس لون عيون أونيكا. حس انجذاب ليها فوري.
ودلوقتي بعد سنتين هو لسه مش متأكد إذا كان يستحقها، بس هو عرف حاجة واحدة، إنه بيحبها أوي.
مع إن ولا يوم بيعدي من غير ما يفكر في أونيكا، بس ده بيتحمل دلوقتي. مقتصر على إنه بيدعي لها بالسعادة في أي مكان هي فيه.
"بابا كسبت تاني!" رجع للواقع لما شاف إيريس بتجري عليه، بتصوت من الفرحة، وراها جاك متضايق.
"أنت غشيت!" قال جاك، ورفع إيديه في الهوا من الغيظ.
تجاهل جاك، إيريس نطت على أغستين وهو نزل على ركبه وحضن راسها الصغيرة لقلبه.
"دي بنتي الصغيرة!" مدحها، وهو بيطبطب على ضهرها.
"عايز لعبة تانية!" صاح جاك.
إيريس هزت كتفها وقالت، "عمو جاك، لازم تتقبل إنك خسرت. مهما لعبنا أنت دايما بتخسر." أشارت، وهي رافعة دقنها.
"ده مش حقيقي، يا أميرة. أنا كسبت اللعبة اللي لعبناها قبل اللي فات." قال كحقيقة واقعة.
نظرة ارتباك ظهرت على ملامح البنت الصغيرة وهي بتلف وشها ناحية أغستين وسألت، "مش فاكرة عمو جاك بيتكلم عن إيه، صح يا بابا؟"
أغستين حط إيده على دقنه وهو بيمثل إنه بيتذكر، مستمتع باللحظة، مش كل يوم جاك وإيريس بيتخانقوا.
عادة جاك وإيريس بيكونوا مع بعض، بيخلوا هو غيران في كل حاجة بيعملوها، "يبقى لازم يستغل ده طالما الفرصة موجودة." فكر أغستين بشر.
"لأ يا حبيبتي، أنا كمان مش فاكر." رد أخيرا وهو بيبتسم لجاك، بيحاول يمسك نفسه من الضحك من النظرة اللي فيها موت اللي جاك رماها عليه.
"خاينين!" تمتم جاك تحت نفسه وخرج من الأوضة وهو بيخبط الباب وراه.
"عمو جاك طفل أوي!" قالت إيريس وهي بتهز راسها.
خلاص كده. أغستين انفجر في نوبة ضحك لأنه مقدرش يمسك نفسه تاني، وراها ضحكات إيريس اللطيفة.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
من وجهة نظر أونيكا.....
دخلت مدينة الملاهي، وأليكس بيشد في إيدي عشان أمشي أسرع، بيصوت من الحماس، ومشينا ناحية منطقة اللعب. الأطفال كانوا بيضحكوا، بيجروا هنا وهنا، بيلحقوا في بعض.
باجي هنا مع أليكس كل يوم، ده واحد من أحلى أوقات اليوم. بس بتفرج على أليكس وهو بيلعب وبيضحك مع الأطفال التانيين، قاعدة في ركن من المنتزه، مع الهوا البارد اللي بيهدي عقلي، بيغسل تعب اليوم الصعب.
استنشقت الهوا النقي، وببص على الشمس وهي بتستخبى ورا الغيوم.
"ماما! دول أصحابي، بصي!" قال أليكس بحماس، وهو بيشاور على مجموعة الأطفال لما وصلنا لمنطقة اللعب.
ابتسمت له، وقلت، "أليكس روح العب معاهم، وهجيب لك ميلك شيك الفانيليا بتاعك، بس أنت عارف القواعد، صح." بصيت عليه بجدية.
"متختفيش من نظري، ومتتخانقش مع الأطفال التانيين." قولنا الإتنين مع بعض.
"ابني الشاطر،" قلت وأنا بحرك شعره.
"وأليكس، متنساش النهارده هنمشي بدري، ماما عندها عرض تقديمي مهم أوي." فكرته.
بكرة عندي عرض تقديمي مهم أوي مع واحد من كبار العملاء في الشركة اللي بشتغل فيها دلوقتي. اترقيت الشهر اللي فات والمرة دي أنا اللي هعمل العرض، دي مسؤولية كبيرة، تنهدت وأنا بفكر فيها. يارب كل حاجة تمشي كويس ومبوظش حاجة.
"عارف يا ماما،" رد أليكس وجرى ناحية الأطفال.
رحت للمحل الصغير اللي قصاد الطريق وطلبت ميلك شيك الفانيليا بتاع أليكس والكابتشينو بتاعي.
"واحد كابتشينو وواحد ميلك شيك فانيليا على طول،" قال الشاب الصغير وهو بيبتسم لي.
دفعت الحساب وروحت تاني للمنتزه، ماسكة القهوة في إيد وميلك شيك الفانيليا في إيد تانية.
أنا وأليكس مبسوطين هنا، يمكن مش أحسن حاجة، بس دي حياة هادية.
في الأول كان صعب أوي أبعد أغستين عن تفكيري، كل حاجة، الحلوة والوحشة كانت بتكرر في دماغي، ليل ونهار، بس الموضوع بقى أحسن مع الوقت، مش هقدر أقول دلوقتي إني نسيت أغستين خالص، يمكن ده مستحيل بعد الماضي اللي شاركته معاه، بس على الأقل هو مش حاجة مستمرة في دماغي تاني، مبقاش كده من فترة كبيرة دلوقتي.
وجاك، كتير أوي قربت من إني أكلمه، وأسأله إذا كان كل حاجة كويسة، إزاي هو؟ إزاي أغستين؟ بس أنا دايما كنت ظالمة لجاك وحان الوقت أسيبه يتحرك لقدام، نسيبهم هما الإتنين يتحركوا لقدام، منخليش الموضوع صعب عليه، الأفضل كده.
كنت مركزة في أفكاري لدرجة إني مشيت على طول في صدر واحد من الرجال اللي جسمهم رياضي ودفقت كل القهوة السخنة على قميصه الأبيض.
يا إلهي! عملت إيه!.
بدأت أعتذر بسرعة لخجلي، وفي نفس الوقت بدعك في صدره جامد عشان أخفف الألم اللي بيحرق.
بعدين فكرة خطرت في بالي وأنا ببص على ميلك شيك الفانيليا المثلج بتاع أليكس في إيدي التانية، وكبيته على قميصه اللي كان باظان بالفعل في نفس المكان اللي كانت فيه بقع القهوة من شوية.
"ده هيخلي الموضوع أحسن!" قلت بخجل.
حسيت صدره بيهتز من الضحك، "دي فكرتك عشان تخلي الموضوع أحسن؟" صوت خشن وناعم قال، بيعبر عن تسليته.
صوته شغل حاجة في دماغي، وعلى طول رفعت راسي عشان أقابل عينين مألوفين بتلمع، مليانين مشاغبة. قلبي وقف في حلقي لما عرفت، ذكريات الماضي بتظهر قدامي، ذكريات مش فخورة بيها أوي، يادي النيلة. ده مش كويس.
"إزاي الدنيا معاكي يا أونيكا كولين؟" سأل، وهو بيرفع حواجبه ببطء، مستني إجابتي.
يا مريم العذراء، الشخص ده، اللي واقف قدامي ممكن يكون أي شخص من ضمن السبعة مليار اللي موجودين في العالم، بس يا حظي، لازم يكون....
ثيودور بلايك.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
من وجهة نظر الشخص الثالث.....
شخص في أواخر العشرينات، قاعد على كرسي رئاسي، بيكلم البنت اللي قدامه.
"عايزك تدمري شركة دي لوكا" صوته كان بيشتعل بغضب مكتوم.
شركة دي لوكا. البنت كشرت. ده ممكن يكون خطر، الكل عارف، مدى قسوة الرئيس التنفيذي لشركة دي لوكا. بس قبل ما تفكر في أفكارها، رئيسها اتكلم كأنه بيقرأ أفكارها.
"لما تخلصي الشغل، هتاخدي مبلغ كبير من الفلوس."
ده جذب انتباهها، الفلوس دي حاجة كانت محتاجاها بشدة، وده اللي هي بتعمله أحسن حاجة "إيه اللي المفروض أعمله؟" سألت.
"لازم تجيبي لي معلومات مهمة، معلومات ممكن تساعدني أدمر أغستين دي لوكا."
"صح إني أفكر إنك عايزني أخدع أغستين دي لوكا عشان يديني معلومات؟" سألت بتوتر شوية، أغستين دي لوكا مشهور بقسوته، خيانته بتعادل حفر قبر لنفسها، هي عارفة.
"لأ." قال ببساطة، خلاها تكشر حواجبها في حيرة.
"عايزك تستهدفي، جاك نايتس."
"مدير العمليات؟" سألت، وهي بترفع حواجبها بطريقة استجوابية، معندهاش فكرة إيه اللي ممكن يحصل.
"أيوة، جاك نايتس عمليا هو اللي بيدير شركة دي لوكا، أغستين بيثق فيه، عنده من المعرفة في الشركة نفس كمية المعرفة اللي عند أغستين، لو مش أكتر."
رئيسها قال.
كانت كويسة في قراءة الناس، وممكن تقول إن رئيسها يعرفهم كويس، كويس أوي لدرجة إنها ممكن تستنتج إنهم كانوا أصحاب في يوم من الأيام.
"اعتبره خلصان." قالت أخيرا.
"متتفوقيش على نفسك، الموضوع ممكن ميكونش سهل زي ما بتفكري، هازل بلير."
"طبعا أنا عارفة إنه مش سهل، وإلا مكنتش اخترتيني،" قالت.
ابتسم على ده، ده اللي بيحبه فيها، عندها هالة ثقة حواليها ومتنساش إنها عمرها ما فشلت في مهمتها مرة في حياتها.
"بس فيه شرط،" أضاف، "ممكن يكون بيحب حد تاني."
عيونها وسعت شوية، قبل ما تخفي مفاجأتها على طول.
"مين دي؟" سألت، بنبرة فضول في صوتها.
"أونيكا كولين."
"أونيكا كولين، اللي هي مرات أغستين دي لوكا السابقة، أونيكا كولين؟" سألت بعدم تصديق، يا ترى إيه نوع الأصحاب دول، تسائلت.
رئيسها هز راسه بالموافقة.
يا خراشي، فكرت.
"كام الوقت اللي معايا؟" سألت.
"مش أكتر من تلات شهور."
"تمام، هقابلك بعد تلات شهور بكل المعلومات اللي محتاجها،" قالت بجدية، وهي بتخرج من الأوضة.
جاك نايتس، استعد للعذاب، جاي خرابك، فكرت وهي ابتسامة صغيرة ظهرت على شفايفها، إثارة المهمة اللي هتعملها بتضخ الأدرينالين في عروقها.
ممكن دخولها في حياة جاك نايتس تكون أكبر غلطة ليها، بس الصفقة تمت ومصيرهم اتعلق ببعض، للأحسن أو للأسوأ.
~~~~~~~~~~~~~××××××××××~~~~~~~~~~~~~
النهاية.