يصبح منفيًا
قاعات المجلس،
إيليدريا
2420 ب.ع، بعد الصعود العظيم.
هافيلا تفاجأت بجد لما وصلها استدعاء عشان تروح قدام مجلس الشيوخ، وكمان أمها ما كانتش موجودة عشان ترافقها، عشانها كانت سافرت الصبح عشان تحقق في السقالات الشرقية اللي لسه بتنهار، دا كله ما كانش بيبشر بخير.
في حاجة غلط، وكانت طول الوقت بتفكر إذا كان الشيخ الكويس أخيراً لقى طريقة يتخلص بيها منها، من المتدربة بتاعته اللي شكلها مالهاش فايدة. هدد بكده كذا مرة قبل كدة، ودلوقتي كمان، وهي داخلة قاعة مجلس الشيوخ، رجليها بترتعش وهي لابسة الجزم الحمرا بتاعة إيليدريا. وعلى الرغم من كل اللي حاولت تعمله، فشلت إنها تخمن الموضوع ده كله عن إيه.
هل المقاييس بتاعتها وصلت للصفر؟ هل لونها اغمق؟ بس لسه ممكن تستخدم الفضيلة بتاعتها؟ وهي بتفكر في ده، بصت على رجليها الاتنين اللي كانوا طايرين فوق الأرضيات البلورية المتلألئة بتاعة الملاذ. شوية شد عضلات هنا وهنا، وكانت مقتنعة إنها لسه تقدر تستخدم فضيلتها. مش حاجة مبهرة، بس لسه موجودة. يبقى إيه معنى الاستدعاءات دي؟
دخلت قاعة مجلس الشيوخ ولقيت أوضة كئيبة. حداشر وش كئيب وواحد شكله فرحان ورا قناع الزعل الزائف. ما كانش واضح للباقي، بس هي اللي قضت عمرها بتشتغل تحت إيده، قدرت تشوف اللمعة في عينيه بوضوح وتعرف إن فيه مشكلة.
بصت على الكرسي الفاضي الوحيد، وبعدين على الوشوش المألوفة اللي بتمثل تقريباً نص أعضاء المجلس اللي كانوا متجمعين هناك. محدش منهم قدر يبص في عينها، وده خلاها تتساءل إيه اللي خططوا له ضدها.
معظم الشيوخ، وخصوصاً اللي تعرفهم وكانوا إلى حد ما حلفاء لأمها، الشيخ تمار، ما كانوش حتى قادرين يبصوا في عينها. لأ، فيه خجل على وشهم، ولمحة من حاجة في عينهم… هل ده خوف؟ هل ده الخوف اللي شافته؟
بصت على ليونيل، وما قدرتش تمنع نفسها من التساؤل إيه اللي بيعمله دلوقتي.
إيه اللي عمله فيهم؟ هل عنده القدرة دي؟ ابتسم لما لاحظ نظرتها له، وقدرت بس ترتعش.
لما اللورد تشامبرلين كمل قراية التهم اللي اتهموها بيها، تعبير وشها بقى أكتر رعباً، وفي كل ده، محدش قام عشان يدافع عنها.
إيه معنى كل ده؟ عينيها وسعت وهي بتستوعب كل حاجة. بعد كل الوقت ده، فعلاً هتتطرد؟ كادت تنفجر ضحكاً من عدم التصديق على كل ده.
أيوة، هينتهي بيها المطاف منفية، بس مش عشان اللي كانت قلقانة منه في الأول. كان لسبب مختلف تماماً. سبب ما خطرش على بالها من البداية.
هافيلا كانت بتستهين بيه تماماً، حتى لو ده معناه إنه هيدور على سبب تاني عشان يتخلص منها. سبب ما يخليش صورته سيئة أو على مكانته كمعلم. لأ، إنها تنزل كواحدة من اللي فقدوا الفضيلة، ده هيرسم صورته بشكل وحش. هيخليه يخسر سمعته كمعلم غير كفء، والشيخ ليونيل كان فخور زيادة عن اللزوم وماكر عشان يسمح بده يحصل، زي ما أدركت أخيراً.
اتضح إن موريلا كان عندها حق طول الوقت. وجهة النظر كانت فيها عطل، وهي بتفكر في ده بجد، كشرت وهي بتفتكر كل الحاجات الصغيرة اللي اتكلموا عنها والقضايا اللي ناقشوها كتير حتى وهما بيبصوا برة وبيسترجعوا الذكريات من وجهة النظر دي.
هل هيبقوا في أمان؟ سألت نفسها وهي بتفكر في صحابها. ما كانش عندها إلا إنها تتمنى. أمل، إن الشيخ ليونيل جواه، الحقد بتاعه كان بس عليها من غير ما يمتد لأصحابها اللي على عكسها، كلهم جايين من عائلات أقل نفوذاً، وخصوصاً سيجيرا. البنت اللي تيتمت بنفس طريقة النفي ودلوقتي عايشة تحت رحمة المجلس وعيلتها الكبيرة جداً.
علشان نكون واضحين، هافيلا اتهمت بارتكاب خطأ فادح وهو كسر قوانين الملاذ الجديدة والكبيرة الخاصة بالعلاقات والتدخل. كانت متهمة بأنها جابت إنسان للمملكة وحتى ساعدته بالأدوات اللي كانت المفروض تستخدم بس من شخص عظيم. جريمة عقوبتها النفي، ومع الأدلة اللي اتجمعت ضدها، ما كانش عندها إلا إنها تتفرج وهي بتشوف الشيوخ كلهم بيصوتوا بشكل مستقل على نفيها.
إحدى عشر صوتاً، أدركت بحزن إن وجود أمها ما كانش هيعمل أي تأثير على الإطلاق. مين يعرف، يمكن بالنظر لخلفيتهم العائلية، والتاريخ، وفداحة جريمتها، هي كمان كانت هتصوت على نفيها. في النهاية هي ملتزمة بالقواعد، مهما كانت بتحاول ترفض بعضها. لسه عايشة عشان تلتزم بيها. في المجمل، واجبها الأول للمدينة كرئيسة فضيلة القبضة، وأخيراً ليها كابنة وقحة بتدخلها في مشاكل على طول. لأ، الأحسن يكون كده، فكرت هافيلا وهي بتلتفت وتبص على ليونيل اللي لسه بدأ يخطب.
"زي ما شايفين يا هافيلا، معندناش خيار غير إننا نطردك برة. المدينة دي أعظم من أي حد فينا، وواجبنا كعظماء إننا نحافظ على قوانينها ونحميها. في ده، فشلتِ، وكعظيمة، لوثتِ نفسك والمدينة من خلال علاقتك مع الوباء ده. وعليه، شايف إن من واجبي إني أسيبك تمشي كمعلمة ليكِ. دي هي القانون، ولازم كلنا نلتزم بيه." الراجل، الشيخ ليونيل، أضاف بجدية وهو بيلف نظره عليها عشان يخترقها بمجموعة عيون حمرا بتلمع.
للعين اللي مش متمرسة، بيبان إنه حزين. كأن عينيه بتلمع بدموع ما نزلتش من عبء إنه لازم يكون هو اللي يوجه التهم دي ضدها. بس، هافيلا عارفة أحسن. الراجل ما بيستناش غير إنه يتخلص منها، وكل ده كان مجرد تمثيلية عشان مصلحة كل اللي بيراقبوا اللي لسه موجودين وبيشوفوا. يعني، المواطنين الكتير، وحتى أقرانها اللي اتجمعوا لمجرد مسؤولية إنهم يقعدوا أثناء الجلسة ويضمنوا إنها تكون محاكمة عادلة.
هافيلا لفت للشيوخ الباقيين اللي حضروا عشان يقرروا مصيرها، بس مرة تانية، كلهم بيبعدوا نظرهم عن وشها وخصوصاً عينيها. نظرتها مرة تانية راحت للكرسي الفاضي. كرسي الشيخ تمار، وزفرت بصمت.
بتفكر في إيه؟ وبخت نفسها. حتى أمها ما تقدرش تنقذها دلوقتي. فكرت وهي بتنزل بنظرها. مهزومة وبتستنى الحكم اللي هيتنفذ قريباً.
كرسي دهبي بيتحك في الأرضيات البلورية، ومن طرف عينها، لاحظت إن الرداء الأرجواني والذهبي اللي يخص اللورد تشامبرلين، بيطيروا ناحيتها.
صمت حمل كل القاعة حتى الراجل بيتحرك قدام عشان يعمل حقوق الإقصاء النهائية.
هل هم آسفين ولا بس قلقانين؟ ما قدرتش إلا إنها تتساءل. إيه اللي هيبلغوه لأمها؟ هل هي عارفة؟ هل هي واعية؟ فينها؟ الأسئلة كترت في رعبها، بس الإجابات فضلت مستحيلة. اتضح إن هافيلا لسه محتاجاها، حتى لو حست إنها بس عشان تشوفها ماشية. عشان تلوحلها بالوداع ولا إيه، عشان تديها الخاتمة؟
"هافيلا، ابنة جايكوب وتمار، شيخة العظماء، تم إثبات إدانتك بالتخلي عن قوانين الملاذ والتمرد على المدينة العظيمة دي. من خلال الأدلة المرئية اللي تم توريدها لمجلس العظماء ده، تم تحديد ما وراء الشك المعقول بأنك لوثتِ نفسك ونداءك كعظيمة من خلال العلاقات والتدخل في مسألة البشر. وعليه، بالسلطة العليا الممنوحة ليا بالنور العظيم والأزلي كلورد تشامبرلين لهذا الملاذ وكـ رئيس مجلس شيوخ العظماء، أحكم عليكي بالنفي. أنتِ الآن منفية من المدينة دي ومن اللحظة دي فصاعداً، أنتِ منبوذة!"
مد إيده اليمين ولمس كتفها الاتنين. وهو بيعمل كدة، التطريز الدهبي اللي كان على ردائها الأحمر بتاع إيليدريا اختفى فجأة، ومعه الوعي بالفضيلة اللي كانت بتتدفق في عروقها لحد اللحظة دي.
اللورد تشامبرلين بعدين سحب إيده، وهافيلا شهقت، رعبانة وهي بتشوف رداءها الجميل اللامع بيتحول من أحمر فاتح للون حبر أسود بيلف في الظلام.
"هافيلا، أنتِ دلوقتي منفية. بس، عشان خاطر أمك، تمار، شيخة العظماء، الشيوخ وافقوا إنهم يسيبوكي تختاري وجهتك الأخيرة." تشامبرلين أضاف بس الشيخ ليونيل قام وبصلها بابتسامته الماكرة المميزة.
يبدو إنه في الاحتفال بانتصاره، نسي التمثيلية الصغيرة اللي لسه عاملها عشان مصلحة أقرانها واللي بيراقبوا اللي موجودين.
"ليه يا سيدي تشامبرلين؟ ليه بس ما تبعتهاش للشخص البشع اللي هي مهووسة بيه؟ في النهاية أنا متأكد إنك قلقان عليه، أليس كذلك؟"
اللورد تشامبرلين بص للشيخ ليونيل وزفر. بعدين لِف تاني لهافيلا وسألها. "بيتسيدا؟"
عشان تفكر إنهم حتى عارفين الاسم. إيه المفروض تقوله لما كل أسرارها اتكشفتي؟ لما غرقت في الفشل وندمها على إيه اللي كانت غبية فيه؟ طبعاً هم عارفين؟ أكيد عرفوا اللحظة اللي كسرت فيها الأبواب دي، وحتى كانوا عارفين اسم بلدة، لحد فترة قريبة، فضلت مجهولة بالنسبة لي.
إيه الغباء ده؟ إيه الغرور السامي اللي خلاها تتنافس مع الراجل ده؟ لأ، مع الشيطان ده؟ كان المفروض تعرف أحسن وتتذكر مكانها دايماً زي ما موريلا حذرتها كذا مرة قبل كدة. المرة دي، ما بقاش عندها حاجة تقولها، وعشان كدة، هزت راسها بس. مع كل اللي بيحصل حواليها، الرعب بتاع كل ده مسك فيها أخيراً، ودلوقتي، كانت حاسة إنها متضايقة زيادة عن اللزوم عشان حتى تحاول تعترض أو تقول أي حاجة بالعكس.
فين تاني المفروض تروح؟ ما تعرفش حد من العالم ده غير الراجل ده.
كيليون كان اسمه، وكانت بس بتأمل إنه على الأقل هيكون سعيد شوية إنه يشوفها، لو كان عندها حظ وفعلاً قدرت تلاقيه.
"حسناً جداً. دلوقتي نهار في الأرض اللي تحت، بس الشمس هتبقى موجودة لبضع ساعات زيادة. مش هقدر إلا إني أنصحك عشان تعيشي، لازم تلاقي مأوى وتقعدي فيه. دايماً خليكي جوة لحد ما الشمس تطلع تاني." اللورد تشامبرلين نصحها وهو بيتكلم، ولّف إيديه وظهر ضباب أبيض وبدأ يغزو رؤيتها.
للحظة، رعبت وهي بتشوف الضباب بيزيد وبيلمع. زي شرايط صغيرة بتسبح جوة سحابة بيضاء. من غير فضائلها، ما تقدرش تعرف إيه اللي بيحصل. بس، ما عندهاش وقت كتر للقلق. مش على الموقف ولا على التشويش اللي حصل بعدين. عشان لما الضباب مسح أخيراً بعد ثواني، هافيلا لقت نفسها في طريق ضيق وفاضي، وحواليها مباني. قصور ضخمة مهدمة فجأة صغرتها.