عن الصداقات النادرة
الرياح الشرقية، تريبيراس
2420 بعد الصعود العظيم.
اسم المدينة كان تريبيراس. بس، محدش عمره ناداها بالاسم ده. لأ، مش بعد اللي حصل من كام قرن. لما السقالات اتكسرت وسانكتشوري اتقسم لأربع رياح.
مش بس سانكتشوري، العالم اللي تحت كمان.
الباحثين لسه مش متأكدين ايه اللي حصل. عشان مكان الحدود اللي كانت موجودة، كان فيه سحابة بيضا كبيرة. لأ، ضباب كبير. ضباب حاجز زي ما البشر دلوقتي بيسموه سيطر على المدينة وكمان العالم اللي تحت.
هو كان ضباب بجد. حاجة بتسبب تشويه في العالم وبتمنع أي حد عايز يتحرك إنه يخوض للأمام. اللي حاولوا بلغوا عن الفشل. حتى مع الفضيلة بتاعتهم، الضباب الحاجز فضل مستحيل اختراقه بشكل كبير، وزي أي حاجة صعبة، الدراسة دي اتسابت كمان.
حتى مع وجود ضباب الحاجز، اللي فضل كان لسه جنة. جزر موجودة فوق السحاب في الأربع رياح في عالم المفروض إنه أسطوري. واحد حقيقي بس مش بيتشاف خالص بأي عين بشرية.
هنا في جزر السماء دي، العظماء ازدهروا، أو بالأحرى مؤخرًا، حاولوا يعيشوا.
عشان في السحاب، الجزر كانت بيضا بشكل غير طبيعي. بتلمع كمان، غير ظلمة السحاب الرعدي اللي تحت اللي شكله بيدعم السحاب اللي المدينة عليه.
الهوا كمان كان نضيف. نقي ووفير غير ما الواحد يتوقعه على ارتفاع عالي كده. السحاب بيلمع، بيوزع نور الأمل وهو بيتكسر مليون مرة. بيخلق وهم هوا بيلمع ومليون فراشة ملونة معلقة في جو الجزر.
الحياة بتاعة الطيور ازدهرت هنا كمان، وفي أسراب بتظهر بألوان مختلفة دايما. بتغني أغاني الصباح السعيد لأي ودن مستعدة تسمع.
بس، لروح وإدان هافيلا، كل الجمال ده ضاع في مؤامرات عالم ألوانه باهتة أكتر، وجمالياته بشعة أكتر من المكان اللي عايشة فيه دلوقتي. يمكن كان من الملل. لازم يكون كده. عشان حياتها هي في عينها هي، ما هي إلا تكرار ممل. تكرار ممل لنفس الحاجات. يوم ورا يوم، شهر ورا شهر على مدار حياة طويلة المفروض. حياة خلت كل حاجة تبان عادية قريب. لما تقارن بمناظر طبيعية بتتغير دايما، وفصول وساعات في عالم حبيته وانا بتفرج عليه يوميًا من الحفر اللي عند نقطة المشاهدة.
****
برغم جوه المقرف، العالم ده خلى الجنة بتاعتهم تفقد لمعانها كله. حياتهم الطويلة الفاضية بتبان صغيرة بالمقارنة بحياة قصيرة مليانة. واحدة مليانة غموض وتعجب وإثارة بتخليها دايما مليانة اشتياق.
ومع ذلك، هي لسه من العظماء. ده واضح من عيونها الفضية. بس، وغير معظم العظماء التانين، هي ما بتفكرش في نفسها إنها أحسن بأي شكل، بس شعبها قريب هيجردها من فضيلتها قبل ما يسمحوا ليها إنها تنزل لعالم بيتشاف دايما إنه مريض. مصيرها اتحكم فيه من زمان. بإيد القدماء. هي مصيرها مميز. دعوة أعلى. محفورة جوه النور اللي بيلمع في عيونها كعظيمة، وعشان كده، عيونها هتكون دايما زي الجواهر.
في الحالة دي، جواهر زي الفضة السايحة. ده العامل المميز بين العظماء والبشر. واحد بيميزها عن الأقلية حتى وهي بتتكلم عنهم كمرشدة. عرق أقلية بتغير منهم دلوقتي، بس، هافيلا بتخمن إن الاختلافات الكتير دي بتخليهم كلهم مجيدين بطريقة غريبة.
مش متأكدة إذا كانت نفس الأحاسيس موجودة في قلوب الستات دول. بس، بتمنى كده.
ليه صاحباتها الاتنين دايما بيروحوا معاها عشان يتفرجوا على العالم من نقطة المشاهدة في السر؟ فكرت وهي بتبص عليهم هما الاتنين. واحدة، ست شابة في سنها، والتانية بس بنت صغيرة في أوائل سن المراهقة.
موريلا كانت ست شابة عندها عشرين سنة. عندها شعر أحمر كتير. درجة جميلة من اللون القرمزي اللي بيتساقط على ضهرها كموجات. بتدي وهم الشمس عند الغروب حتى وهي مستقرة على قماش أحمر لامع من ثوب تريبون المطرز بالدهب بتاعها.
عيونها كانت زي جواهر مدورة كبيرة بتلمع زي الياقوت الأزرق. مع مجموعة من الياقوت الأصفر والجمشت متداخلين جوه الأزرق بتاع الياقوت الأزرق الأكبر.
الست التانية كانت أصغر بكتير، وعشان كده، كان عندها قامة أصغر بكتير. على راسها كان فيه خصلات صفرا شقرا مجعدة. فوضى جامحة بتتوج راسها زي صوف ذهبي. وكمان اتساقطت على ضهرها زي أكوام من الصوف قبل ما توصل تحت عمودها الفقري. الخصلات بتتعوج على جوانب وش مدور صغير وعلى جبهتها الواسعة قبل ما توصل لمسافة قليلة فوق مجموعة عيون خضرا مبهرة على شكل خصلات صفرا.
أيوة، عيونها كانت زي الزمرد. زمرد متداخل مع بقع دهب بتلمع بنور كتير حتى وهي بتبص على السطح العلوي لسحابة مظلمة عشان تشوف المناظر الطبيعية اللي بتتحرك تحتهم أحسن.
“موريلا، ليه بتفكري إنها بتتأخر؟” البنت الصغيرة اشتكت، وبتخرج إيديها البيضا الصغيرة من جوه العباية الخضرا والدهبية المطرزة بتاعتها. بتعصرهم حتى وهي بتبص على السحاب بعصبية.
“مش عارفة سيجيرا، بس أعتقد، لازم يكون ليها علاقة بمرشدها. أنتِ عارفة المُقدِّر ازاي.” موريلا، الست الشابة ردت وهي بتبعد بقية السحاب بمجرد حركة من إيديها.
سيجيرا بصت على إيد موريلا، وغيرتها واضحة على وشها. لسه ما لاحظوهاش، وعشان كده، هافيلا قدرت تسمع أفكارهم في الموضوع.
“ازاي تقدري تعملي كده بالسهولة دي؟” وهي شايفة تعبيرها اللي بيبين الغيرة، موريلا انفجرت ضحك على البنت الخضرا الصغيرة. “مش مضحك.” سيجيرا اتذمرت وهي بتهز راسها بإحباط قبل ما تحول عيونها عشان تبص على منظر المحيط اللي استقر تحتهم دلوقتي.
“ليه الشيخ بيكرهها أوي كده؟” فجأة عبرت عن إحباطها.
****
من غير تحذير، إيدين موريلا وصلوا عشان تحطهم على شفايفها الوردية الصغيرة عشان تمنعها إنها تتكلم كلمات مش مهتمة أكتر اللي كانت هتعتبر خطيرة.
“اششش...هدي سيجيرا!” اتنبهت وهي بتدور حواليها بعيون حريصة على أي عيون أو آذان ممكن تكون لاحظت. متأكد إن محدش بيسمع، بما إنها ما لاحظتش هافيلا، موريلا شالت إيديها من بق سيجيرا وكلمتها بصوت أنعم بكتير.
“دلوقتي، ما أعتقدش إن الراجل العجوز بيكرهها في حد ذاته. بس، قليل من العظماء بيقدروا يتحملوا طريقة تفكير هافيلا، وأنا خايفة، إن الشيخ الطيب مش منهم.”
“ايه الغلط في إني أسأل أسئلة؟ مش دي الطريقة اللي الواحد بيتعلم بيها؟” البنت الصغيرة ردت بغضب أكتر، بس بنبرة صوت أنعم بكتير. بعد ما اتعلمت الدرس من المواجهة اللي قبل كده مع إيدين موريلا الحادة.
“لما الأسئلة تكون عن البشر، أنا خايفة، كتير لسه هعتبروها تابو.”
*****************
“بجد؟ ومع ذلك أنتِ بتقعدي هنا طول اليوم، معايا. بتراقبي الأيام بينما البشر دول بيعملوا أنشطتهم المملة.” قررت في الآخر تظهر من وراهم، وهما الاتنين نطوا للخلف في مفاجأة، وده بيثبت إن مخاوف موريلا ما كانتش في مكانها أوي.
“هافيلا!” سيجيرا فجأة شهقت وهي بتندفع ليها.
“مافيش قوانين ضد المراقبة.” موريلا اتريق على كلامها وهي بتبص بعيد. “أو على الأقل بتمنى كده.” أضافت بعد شوية قبل ما ترجع عشان تسلم على صاحبتها بمعانقة. “كنت قلقانة عليكي أوي.” همست بعيد عن سمع سيجيرا.
“أنا كويسة.” هافيلا ردت وهي بتنسحب. تعبيرها المحبط ما فاتش صاحبتها بأي طريقة. بس اختارت إنها ما تكملش. السما عارفة إن هافيلا محتاجة فترة راحة، وعشان كده، كانت شاكرة.
غير الاتنين التانين، هافيلا حست إن شكلها عادي بزيادة، بس ده ما كانش حقيقي. صح، شعرها كان أسود داكن وبشرتها، لون كراميل فاتح. عيونها بس، كانت هي اللغز الحقيقي. واحد هي نفسها مش عارفاه. دايما كانت بتفكر إنها مش بلورية زي عيون الجواهر بتاعة العظماء التانين. في الحقيقة، شكلها كان فضة سايحة. بتغطى بخط طويل من رموش سودا داكنة، بس كان فيه حاجة تانية، سر في العيون دي قليل أوي اللي يعرفوه.
بأي طريقة، شعرها كان طويل زي شعر سيجيرا وموريلا، لو مش أطول. واتساقط على ضهرها كخصلات مستقيمة قبل ما يوصل لنهايته ورا ركبها على طول حيث الوركين المليانين بتوعها دلوقتي بيتحركوا.
في قسم الطول، موريلا كانت أطول بكتير من سيجيرا وهافيلا. بس ده كان مفهوم فيما يخص سيجيرا عشان هي أصغر بكتير من البنتين الأكبر اللي كانوا في العشرينات بالفعل.
“بتجربتك اللي فاتت، الواحد كان هيفكر إنك اتعلمتي حاجة أو حاجتين دلوقتي.” موريلا وبخت وهي بتبعد عشان تبص على مظهر هافيلا اللي شكله منهك. كان فيه أكياس تحت عيونها، ووضعية جسمها كانت غلط خالص بعد يوم قضته تحت إشراف ليونيل.
“اتعلمت ايه؟ كل المعلومات اللي هتكون موجودة جوه المخطوطات القديمة في خزائن سانكتشوري المقدسة؟” ردت بس بعدين ضحكت، وهي بتضحك على الوش المقرف اللي سيجيرا عاملاه دلوقتي. “عشان أقولك الصدق، مش بمانع القراءة. بتعرضني لمعلومات كتير كباحثة. معلومات ما كنتش هوصل ليها لو ما كنتش بينت اهتمام. الإهانات من ناحية تانية، حاجة أقدر أعملها من غيرهم، وبلاقي نفسي بتعب من نظرته المتواصلة والعيون المفترسة.” أضافت وهي بتقاطع رجليها وبتنزل عشان تقعد في نهاية السحاب خالص.
“لازم توافقي. ازاي العيون بتتغير من لون اللحم للون الجمرة ده رعب مش كده؟” سيجيرا شاركت برعشة، والواحد كان لازم يتساءل لما كانت في النهاية المستلمة لنيران الشيخ الطيب. لسه، هافيلا هزت راسها بالموافقة.
“أيوة. مش بيساعد إني فاشلة في الفضيلة الأولى.” قالت بعد تفكير. “ده بس بيدي له سبب أكتر عشان يعذبني، وأنا خايفة إني ما أقدرش أستمر لوقت طويل.”
“هافيلا…” موريلا حطت إيدها المواسية على كتفها، وسرعان ما لقت نفسها بتميل للمسة المواسية.
هل كان مواساة هي اللي بتدور عليها ولا كان لطف هي اتحرمت منه؟ في تريبيراس، اللطف ده كان نادر. مع مرسوم المرض من سبع سنين، كل واحد فكر فيه كان إنقاذ جلده هو، وعشان كده، الصداقة أو اللطف الحقيقي كان حاجة نادرة بجد بالذات بين المتدربين الأصغر بكتير. طب ليه كانت دايما باللطف ده؟ دمعة واحدة هربت من عيونها واتساقطت على خدودها البنية المرهقة عند هذا العرض النادر من اللطف.
“أنا خايفة إنهم قريب هيرموني بره.” لقت نفسها بتكشف حتى وهي بتختنق في دموع أكتر اللي بتهدد إنها هتفيض من عيونها الفضية المتوهجة.
“لأ…ما يقدروش يعملوا كده! يقدروا؟” سيجيرا تاهت بعصبية وهي بتاخد مكانها على المساحة الفاضية اللي اتسابت جنبها. “بس أنتِ كويسة أوي في الفضيلة التانية!”
“مش مهم سيجيرا. لو خسرت الأولى، هي زي اللي راحت حسب المرسوم ده من زمان.” موريلا شرحت.
“مش عدل.” سيجيرا نشفتي في الرد وهي كمان لفت دراعاتها حواليها وانضمت لصاحباتها الاتنين في البكاء في صمت.
أيوة، الصمت دلوقتي ساد بين الأصحاب التلاتة. صمت مريح بينما كل واحدة ضاعت في أفكارها هي. بعضهم بيسترجعوا السلام بينما الآخرين، بينعوا الأيام المظلمة اللي متأكدين إنها جاية بسرعة قدامهم.
“ماذا عن الفضيلة التالتة؟” سيجيرا فجأة اتكلمت وهي بتنسحب من مجموعة الحضن بتاعتهم.
موريلا رمشت بينما هافيلا بصت ليها بملل قبل ما يهزوا راسهم على اللي اعتبروه تأكيد سخيف.
“ايه؟” سألت بغضب.
“سيجيرا، حتى أنتِ تعرفي إن إنجاز حاجة زي دي مستحيل تمامًا. أنتِ شوفتي المقاييس. محدش قدر يستخدم الفضيلة التالتة من وقت القدماء.” موريلا ردت وهافيلا هزت راسها في صداقة.
“بس ما نقدرش نقعد ونعملش حاجة! هما هيرموكي بره. هتروحي فين بعد كده هافيلا؟ ايه اللي هيحصل ل…” تاهت مع نشيف تانية.
“مش عارفة سيجيرا.” هافيلا اعترفت بالهزيمة. “بس أعتقد، هعدي الكوبري ده لما أوصل ليه في الآخر.” ده كل اللي قدرت تقوله ليهم. جوه نفسها بس، كانت في عذاب. هي كانت خيبة أمل مش بس لمرشدها بس لعيلتها كمان.
هتعمل ايه بجد لو - لأ، لما اترمت بره في الآخر؟ فكرت وهي بتقعد جنب صاحباتها الاتنين، وهي بتتفرج على المشهد وهو بيتطور من خلال وجهة النظر. بعد ساعات كتيرة من عدم عمل أي حاجة تانية، موريلا وسيجيرا اعتذروا عشان يرجعوا لتدريبهم وسابوها لأفكارها هي. أفكار قربت تتجه لوجودهم.
لأي هدف بيتدربوا كلهم؟ ما قدرتش تقول. من خلال تفكيرها هي، شكل مافيش هدف في اللي الكل بيعملوه. بيشتغلوا بجد في التدريب من غير أي رؤية على الإطلاق. مدفوعين بالخوف من الطرد، كل اللي عملوه كان النوم والتدريب، ولا حاجة تانية.
ولا حاجة على الإطلاق اتغيرت في حياتهم البسيطة. في الحياة المملة دي اللي المفروض إنها كانت بتعيش في جنة نوعًا ما.
هل ده الهدف الوحيد للعظماء؟ هل ده اللي معناه إنك تكون عظيم؟ استمرت تفكر في ده بعد ما أصحابها غادروا بوقت طويل. بتبص من وجهة النظر حيث المشهد استمر زي ما هو.
كان نفس منظر المحيط وجزيرة صخرية طلعت من أعماق البحر الشرقي. الشمس ما كانتش بتلمع في المشهد ده. بما إنها خلاص غرقت ورا الأفق ودلوقتي، نسيم محيط بارد بدأ يشتغل، بيهب بعنف في المناظر الطبيعية المهجورة.
ببطء، السحب الداكنة تحت رجليها بدأت تتحرك، وبتغير شكلها وبتنمو داكنة وأسمك في كل دقيقة بتعدي. البرق لمّع من أعماق نفس السحب حتى مع صوت الرعد اللي انكسر.
الريح القوية حركت الأمواج وجدران المية اتكسرت. بتصطدم على الصخور الضخمة اللي كانت بتلوح دلوقتي زي صور ظلية عملاقة طول الطريق لتحت في المحيط تحتها.
المنظر بقى ضبابي بينما أول قطرات المطر سقطت زي ستارة للمياه اللي بتتموج في المحيط تحت. هافيلا وقفت على أطرافها واتمددت عشان ترجع. مافيش حاجة تانية تتشاف، فكرت وهي في الآخر بتلف، زي وميض مفاجئ من نور برتقالي لمع جوه رعد.
ايه ده؟ رجعت خطواتها بينما صوت رعد عالي بشكل خاص مزق السما، بيهز الهوا والأرضيات المنتفخة اللي كانت الأرض تحت رجليها.
ده غريب! انحنت وبصت من وجهة النظر. الفضول دلوقتي بياكل بطنها حتى وهي بتبص في الظلام، مصدومة أوي إنها تصدق اللي شافته.