الاستعادة
سفينة هانا ماليا،
بحر إيليدريا، شرق قارة إيليدريا
2420 ب.ص، بعد الصعود العظيم.
"وااااو! كيف ممكن يصير هالشيء؟" صرخت وحدة من الطاقم على متن سفينة هانا ماليا وهي متحمسة. كانت تطالع في المياه المتدفقة تحتهم، وابتسمت هافيلا على رد فعلها وعلى رد فعل كثيرين غيرها اللي تجمعوا حواليها.
"هافيلا!" صوت كيليون وصل لأذانها، والتفتت عشان تشوفه. كانت ناوية ترجع تحت، بس الظاهر إن مضيفها كان عنده خطط ثانية.
"مين اللي على الدفة؟" سألته.
"هذا شغل القبطان." ضحك. "وزيادة على هذا، متأكد إنه لو في أي مشكلة، بتكوني أول وحدة تدري."
"أنت واثق فيني كثير." فكرت في نفسها قبل ما تضيف بصوت مسموع. "أيه، شيء زي كذا." ردت وهي متفاجئة من نفسها، كيف بسرعة قامت تتعود على طريقتهم.
تفكير، هزت كتفها. حتى إنها قدرت تسوي حركة تدحرج العين. فكرت وهي تشيك قوة الربط الذهني بينها وبين البلورة اللي بحجم كرة القدم عند دفة السفينة.
مع حجم السفينة، أخذ منها وقت عشان تسويها، ومع إنها كويسة في هالنوع من الأشياء، لسه ما تثق في نفسها إنها تطيرها. مو مع الأرواح الكثيرة اللي في خطر الحين. على كل حال، ما رجعت زي ما كانت تمام، وبما إن الوضع كذا، شكت في قدراتها ومستواها الحالي من العظمة.
الشيء الحلو في استخدام الفضيلة، إنك ممكن تكون مرن. عشان كذا فيه طرق ثانية كثيرة ممكن تستخدم فيها نفس الأساس بس تغير في شيء أو شيئين مع خيالك. عشان كذا، صار ممكن إنها تزيد سرعة السفينة عن طريق تقليل السحب من خلال زيادة انسيابية تصميم السفينة. بهذي الطريقة، بتكون آمنة أكثر، وعلى الأقل بهذي الطريقة، ما فيه خطر من إنك ترمي خمسين شخص وزيادة في أعماق المحيط المظلم لو أو لما فشلت فضيلتها.
"كيف ممكن أساعدك يا كابتن؟"
"أوه، يعني الحين صرنا نكلم بعض بهالطريقة، هاه؟" تحدى.
"أنت الكابتن هنا، فكيف أكون غلطانة لما أكلمك بلقبك؟"
"طيب يا آنسة. تحبي كوب شاي ونحاول نحل بعض المشاكل؟"
حواجبها ارتفعت لأعلى، وحتى عيونها الفضية ضاقت من الاستهزاء اللي شافته من الكابتن.
"أنت اللي بديت." رد بابتسامة، وما كان عندها خيار إلا إنها تقبل.
"طيب! أي نوع من الأمور بنحلها على أي حال؟"
"بقولك." ابتسم بخبث. "يلا الحين، خلينا نروح." أضاف وهو يمسك يدها ويسحبها تحت السطح. شاف المرأة المجنونة اللي كانت متجهة نحوه وهي تنفث نار وكبريت.
"هي، وش السالفة؟" احتجت هافيلا وهي تحاول تشيل يدها من يد اللي ماسك يدها.
"يلا!" كيليون جذبه مرة ثانية، واندفعت وراه، وهي تخفي الضحكات اللي كانت بتهرب منها.
"ليش أحس إنك بتسوي شيء خبيث؟"
"أكثر من إننا نهرب من المشاكل." تمتم كيليون وهو يطالع حوله بحذر، وعبست هافيلا بقلق.
"مشاكل؟"
أومأ كيليون برأسه.
"صار شيء؟"
"لا!" صرخ القبطان، وعبست هافيلا من اعتراضه العنيد. "أو يمكن صار." أضاف بعد تفكير. "تربينا مع بعض، وكانت تتبعني في كل مكان..." قال بنظرة بعيدة في عينيه، "بعدين فقدت أخوها الكبير، وحسيت إني لازم أعتني فيها من ذيك اللحظة. أمي شجعت على هالشيء، بس مرات كان صعب مرة أتخلص منها، خصوصًا لما يكون عندي أمور خاصة. لسه الوضع زي ما هو حتى الحين، لدرجة إني لازم أتهرب عشان أسوي أي شيء." أنهى بنظرة يائسة محطمة خلت هافيلا تشعر بالأسف عليه.
"أتفهم." قالت وهي تفكر في إخوانها. "عندي إخوة زي كذا، وأحس إني فاهمة من وين جاي كلامك."
"إخوة؟"
"إخوة صغار مزعجين. على أي حال، خلينا نروح قبل ما أختك الصغيرة المشاغبة تلحقك!" أضافت بضحكة وهي تتخيل كيليون وهو يركض وهالأخت الصغيرة المشاغبة تلاحقه. فجأة، فكرة جديدة خطرت على بالها، وبدأت تركض فجأة. جذبت يده وهي تسحبه معها في الممر.
"هافيلا!" اشتكى كيليون، وشعرها الطويل يضرب وجهه مع حركة جسمها. "أنت تدري وين رايحة؟" تذمر وهو يحاول يشيل الخصلات اللي دخلت في عينيه.
"لا!" ضحكت، وفجأة، وقفت فجأة، وخلته يتعثر على ظهرها.
"هافيلا!" اشتكى، والتفتت عشان تعطيه ابتسامة خبيثة.
"أنت بخير؟" ابتسمت.
أومأ برأسه بعد ما استقام أخيرًا.
"من هنا." قال وهو يوجهها نحو صالة الطعام.
"آسفة." قالت بعد شوية. "بس كنت أحاول أساعد. لما كنت صغيرة، كنت ألعب استغماية."
"استغماية؟" بدا مرتبكًا للحظة. "انتظري، تقصدين الغميضة؟"
الغميضة؟ غميضة؟ فكرت في نفسها قبل ما توصل لنتيجة إن هذا اسم البشر للعبة نفسها. "أيه. كنت أحبها. الحين بس تذكرت كيف كان حلو إنك تكون حر."
صحيح. كانت حرة. إلى أن حصلت على ليونيل كمعلم وكل شيء صار سيئًا، فكرت بمرارة في نفسها. "آسفة إني انجرفت..." أضافت بعد تفكير.
"لا، لا. عادي. وصلنا على أي حال." ابتسم وهو يدخلها إلى صالة طعام مهجورة تقريبًا.
كانت فيه طاولات وكراسي فاضية في كل مكان. كانت تملأ المكان وتترك فراغات صغيرة بين الأعمدة اللي كانت تعمل كطرق للمشي.
أكثرها حكمة كان الممر الرئيسي اللي يوصل من الباب للطاولة اللي وقف عليها كيليون وهو ينادي على الطباخ عشان يخدمهم.
رجل نحيل عنده لحية رمادية على وجه ودود دار حول الطاولة وهو يمسح يديه على مريلة بيضاء.
"كابتن؟" ابتسم لها. "المعتاد؟"
أومأ كيليون.
"قدر شاي أعشاب إيليدريا الحلو والمرافقات."
"وش تفضلين؟" سألها وهو يتجه إليها.
"وش عندكم من المرافقات؟"
"كعكات إيليدريا، وخبز، وبالطبع، دونات." قالها الطباخ بابتسامة. بالطبع ما أكلت أي منها. بما إنها ما تعرف أكل البشر.
"أظن إني راح أكلها كلها." ردت وهي تدرك متأخرًا إنها يمكن بدت كأكلة نهمة.
"تمام. خلي رولاند يجيبهم لطاولتنا." قال وهو يشير إلى فتى المقصورة. "من هنا." أضاف لهافيلا وهي تشرح لها أسباب إحضارها إلى هنا. "كان ممكن أطلب منه يجيبهم للقمرة." قال لها. "بس، كل الأيدي على السطح وما نبغى نشغلهم عن عملهم الحالي." ضحك وهو يجلب شايها ومرافقاتها.
"كيف الطعم؟" سألها بعد أول قضمة من كعكة إيليدريا.
"مرة طرية ومنفوشة! ووش هذا؟" سألت وهي تفتح المركز اللزج. هل الكعكات كذا المفروض تكون؟ "هذا فطيرة؟"
"هاها! لا. الطباخ يحب يجرب. هذه من اختصاصاته. الحلو أو بالأحرى المربى مصنوع من التوت البري اللي ينمو في غابات إيليدريا، ومن هنا كلمة كعكة إيليدريا."
"أرى. وش كنت تبغى تكلمني عنه؟" سألت بعد ما ذاقت كل الحلويات الثانية. باستثناء الكعكة، الخبز والدونات كلها قياسية وتحمل نكهات ممكن تحددها بسهولة، عشان كذا ما فيه أسئلة هنا. الشاي كان عجيبًا، بس مثل ما شرح لها كيليون، كان محلى بنفس التوت من غابات إيليدريا.
"أيه!" أسقط كيليون ملعقة التحريك عشان يطالع في عيونها مباشرة. "قولي لي، كيف سويتيها؟"
"سويت إيش؟" تجعدت حواجب هافيلا في حيرة وهي تشرب من كوب الشاي الساخن بنكهة التوت.
"الرعب. كونورز يقول إنه لما أخذتك التنانين، بدأت تهمهم بكلام ما يتفهم قبل ما ينفجر ضوء ساطع من صدرك. الضوء تمكن من إن يحرقهم."
"آسفة. تهمهم وش؟" نطقت في كوبها وهي تدير وجهها له.
"ما أتذكر إني قلت أي شيء، ناهيك عن تهميم بكلام ما يتفهم."
"أوه... وش ممكن تتذكرين إذن؟ ممكن يساعد في وضع خطة جديدة عشان نهزم الرعب، لو رجعوا يعني."
"ما أدري." قالت بعد شوية. "كل اللي أتذكره إني كنت أفكر إني راح أموت، والشيء اللي بعده دراغون يصيح وهو يتبخر قدام عيوني."
"يعني فكرتي إنك راح تموتين؟" سألها وهو تبدأ الأفكار تدور في رأسه.
"أيه، هذا اللي قلته للتو، وأفكر إن النور العظيم والأبدي سمعني؟ هذا..."
"انتظري! وش؟"
"النور العظيم والأبدي. النور اللي يضيء في الظلام. مصدر كل الحياة، خالق الزمان والمكان، عشان أذكر بس كم لقب؟"
المرة ذي كيليون هو اللي تجعدت حواجبه. لحظة صمت، وبعدين، وجهه أشرق وهو يدير وجهه لها.
"هذا هو!"
"وش؟" أجابته هافيلا بحيرة.
"أفكر في ثلاثة أشياء." قال وهو يعد كل منها بأصابعه. "واحد، هذا كان رد فعل القتال أو الهروب للخطر، أو اثنين، العظيم والأبدي بلا بلا بلا.... سمعك..."
"وش هو الثالث؟" نظرت هافيلا لإصبعه الثالث بنظرة غير راضية قليلاً.
"الاثنين مع بعض." رد وهو يشرب الشاي مرة ثانية.
ظلت هافيلا صامتة، عكس توقعاته، ورفع نظره ليراقبها عن قرب أكثر. "ليش أحس إني قلت شيء أساء لك؟"
"العظيم والأبدي بلا بلا بلا؟"
"آه آسف، غلطتي. شوفي، ما عندنا آلهة. عشان كذا، ما أنا متمكن من طريقة الكلام فيما يتعلق بمثل هذه الكائنات."
"كائنات؟" حبس كيليون أنفاسه. للحظة، كان قلقان إنها راح تسيء من هذا بعد. "بس، وش عن المعبد؟ شفتيه." بدت هافيلا تنتقل من هذا، وأخيرًا قدر يتنفس صح.
"هذول موجودين من قرون. ما أحد يدري عنهم كثير. زي إن تاريخهم مسح تمامًا..."
"هم؟ بس أنا شفتي واحد بس." اهتمامها زاد الحين.
"هم أكثر. في كل مكان في العالم أعتقد. أنا شخصيًا، شفتي ثلاثة بس في إيليدريا، بس فيه تقارير عن مدن أشباح ثانية في مدن أكبر وأطلال. فيه نسخ أصغر بعد، بس أغلبها تنوجد في الأدغال في مدن وقرى أصغر بكثير."
"مدينة أشباح؟" عقلها رجع للقصر الفارغ اللي سكنت فيه قبل شوية.
"ممكن ما كانت فاضية دايمًا. يمكن دمرت في وقت قبل وقتنا، بس الشيء المدهش إن المباني لسه قائمة. فيه قصة تدور في الأجواء، مع إن أمي قالتها لي. تتكلم عن وقت مختلف، مع إن كل شيء يبدو خياليًا."
"وش تقول؟" اهتمام الباحثة فيها زاد.
"تتكلم عن سباق من الناس اللي عاشوا في العصر قبل الرعب. على ما يبدو لما اختفوا في يوم من الأيام، ظهر الرعب بعد."
فكرت هافيلا في هذه الكلمات وفي القصة اللي قالها كيليون لبقية رحلتهم. يعني، إلى أن السفينة بدأت تنحرف فجأة، وأُخبر كيليون إنهم يدخلون في مياه ضحلة.
ببطء وما زالت تفكر في هذا الأمر، تبعته هافيلا إلى السطح حيث كان الطاقم وبقية الجنود واقفين في انتظار.
من محيط عينيها، كانت ممكن تشوف أيضًا السارجنت الأنثى. اللي سمعت عنها من كيليون. بدت المرأة تتقدم، بس مع المهمة اللي في يدها، ما ممكن تضيع وقتها. عشان كذا، ما اهتمت بها. تركيزها بقى بس على البلورة اللي تحتاج تفصلها قبل ما ينزل الطاقم.
هافيلا ما قدرت تقرر إيش كان أسهل. إنشاء مودس أو إطلاقه. إطلاقه بدا أسهل، بس مثل حالة القارب المبتسم، ممكن يكون أصعب. لحسن الحظ، هالمرة ما كانوا يطيرون. عشان كذا، بس عليها تطلق المودس وبس.
مدت هافيلا يديها وهمهمت بكلامها اللي اعتبره كيليون ما يتفهم. بس مو ما يتفهم، بل لغتها الأم. لغة العظماء. كان ممكن تترجمه للشيء اللي يفهمونه البشر، بس اكتشفتي في وقت سابق إن مفردات اللغة البشرية كانت ناقصة جدًا وأضاعت الكلمات اللي تحتاجها عشان تعبر عن بعض الأوامر.
لما أنهت المودس، خيوط النور اللي كانت تحيط بالسفينة انفصلت عن هيكلها. انسحبت في البلورة الضخمة بحجم كرة القدم اللي تحركت لمركز الدفة. مع كل خصلة رجعت، البلورة بدت تضيء. نبضت أكثر وأكثر إلى أن ما قدر الطاقم يشوفها، بس مو هافيلا، عيونها هي بنفس سطوع البلورة اللي كانت تفككها.
"زي نجمة صغيرة." سمعت الجنود يقولون وابتسمت على هالشيء. أيه، كانت جميلة حقًا، وذكرتها كثيرًا بالأمل. البلورة الأكبر اللي تركتها في مكان ما ممكن ترجع له. كانت سعيدة إنها قادرة على امتلاك حتى قطعة صغيرة من بيتها هناك. وبلحظة سقطت آخر خصلة من النور في البلورة، أخرجت هافيلا كفيها وسحبتها نحوها. حالما لمستها انفجرت البلورة. تبددت إلى وابل من الأضواء اللي كسبت جوقة من اللاهثين من اللي كانوا يراقبونها.
انتهى. ابتسمت وهي تدور حولها.
"نبدأ؟" قالت وهي تمشي نحو كيليون، بس هو بس طالع فيها. فمه مفتوح على الآخر. "وش؟"
"أرديتك يا هافيلا." تمتم. "تحولت لبني." وبالتأكيد مثل ما تكلم، طالعت هافيلا في ملابسها عشان تلاقي اللون البني اللي كانت تلبسه في بداية تدريبها.