الفصل السابع
اجتماع من نوع ما.
ترايبيريا،
السقالة الشرقية،
2420 ب.ص.ط، بعد الصعود العظيم.
الوقت كان بيمشي أبطأ بكتير في ترايبيريا عن أي حتة تانية في الأرض اللي تحت، أو كده علموا هافيلا وهي صغيرة.
طبعًا، كان فيه دليل على الكلام ده، ومن اللي جمعته من بحثها الخاص، استنتجت ده برضه. وعشان كده، لما جمعت شجاعة كفاية عشان ترجع لمنطقة المشاهدة، كان الصبح طلع خلاص.
بس، عرفت تحدد الوقت اللي فات. هل كان أيام، أسابيع، ولا مجرد ساعات قليلة من ليلة الحادثة؟
من وضع الشمس، عرفت إن الفجر طلع. ده أكيد، لأن المنظر في منطقة المشاهدة كان هو هو. نفس البقعة من المحيط الأسود مع جزيرة صخرية فيها منحدرات بارزة وشاطئ صغير في الجانب الغربي. كان نفس المنظر بالظبط اللي شافوه وهما قاعدين على الغيوم قبلها بكام ساعة في ترايبيريا. يعني، محدش تاني كان هنا غيرها. لا موريلا، ولا حتى سيجيرا اللي طول الوقت بتدور على طريقة تهرب بيها من تدريبها عشان تيجي هنا.
هافيلا قعدت على السحابة الهشة الفاضية وبدأت تتفرج على شروق الشمس. عقلها كان غرقان في كمية المشاكل اللي بتضايقها دلوقتي. سمعت عن المرسوم الجديد، ومزاج أمها اتغير للأسوأ بسببه. في الواقع، كان بسبب حاجة أمها إنها تكون لوحدها إنها قدرت تهرب وتزور منطقة المشاهدة دي.
مكنش فيه كتير في المدينة. مناطق المشاهدة يعني، وكان شيء كويس إن قليل من العظماء حسوا بالحاجة لاستخدامها.
يا إما دي لسه ما اتعرفتش، وعشان كده، هافيلا قدرت توفر لنفسها العزلة اللي كانت بتدور عليها.
عشان كده فضلت تتفرج. معجبة بالأحمر القرمزي والمرجاني. البرتقالي الفاتح وحتى البنفسجي الغامق. درجات الأزرق والبرتقالي اللي بتدور على اللوحة اللي كانت أفق شبه فاضي. وحتى وهي بتعمل كده، عقلها رجع لليوم ده من سنين. اليوم اللي كان نهاية كل مشاكلها.
"البشر ضعفاء. هم وقحون، متمردون ونسيون!" دي كانت الكلمات اللي بتتكرر كل يوم لمدة كام سنة في بداية كل دروسها.
الكلمات ليها قوة، أو كده علموها، وإعلانها وصلها لخرابها. لسه، مقدرتش تطلع الأحاسيس دي من عقلها، وحاولت على قد ما تقدر، فشلت إنها تقنع نفسها بضعف الأنواع دي اللي بتستمر تعيش بخطر في العالم الخطير والجميل اللي تحت.
ودلوقتي، مع أخبار المرسوم الجديد، لو مجربتش كويس. لو معلمتش نفسها تمسك لسانها. هي عارفة. هتعرف قريب إيه معناه تعيش في نفس الظروف زي البشر دول.
هل ده وحش بجد؟ لقت نفسها بتتساءل ومش قادرة تقرر في الموضوع. بس، كانت متأكدة إنها مش عايزة تنفصل عن عيلتها، وبالتأكيد، مش بالطريقة دي، زي المنع. لو بس بوابات العالم كانت مفتوحة بالكامل. ساعتها، كان فيه فرصة إنها ممكن تنزل في مغامرة ولسه تعرف ترجع.
بس، زي ما اتعلمت في سن صغير برضه. ده كان ممنوع برضه على العظيم، حسب كلام ليونيل. كلمات هي متأكدة إن أمها هتقولها لو السؤال ظهر، خاصة بعد إعلان المرسوم الجديد.
في كل الأحوال، على الأرجح هتنتهي هناك. في النهاية، مين مش شايف كده؟ بالطريقة اللي الأمور ماشية بيها دلوقتي، ده هيكون استنتاجها الوحيد.
فجأة، ظل لفت انتباهها وقطعت نفسها من التفكير الحزين. عينيها الفضيتين ضاقت وهي بتحاول بجد تحدد الشكل اللي لسه ظاهر تحت ظلال الغيوم.
للأسف، قبل ما تعرف تحدده، الشكل اختفى وساب وراه أثر ضبابي من البخار الأسود اللي لسه بيتلاشى بسرعة مع طلوع الشمس.
هافيلا بصت في اتجاه تاني.
أكيد عينيها بتخدعها، أو كده قالت لنفسها. ظلال بتتبخر؟ سخرت، بس بعدين، من طرف عينيها. ركزت على شكل أسود تاني. واحد مبيختفيش زي الأول. كان أصغر بكتير وبيتتحرك دلوقتي. عشان نكون أدق، كان بيقع. بيقع لتحت في الأعماق، حتى في كل مكان حواليه، دوامات عميقة من الدخان الأسود اللي شكله بيبلعه، بيتلاشى بسرعة زي البخار الأسود من الظل الأول الأكبر.
إيه ده؟ تساءلت حتى مع معرفتها كباحثة عظيمة. بعد لحظة تفكير، عرفت قريب إنه شكل إنسان. بالظبط، وكان بيقع، بسرعة في أعماق المحيط الأسود البارد اللي مستني تحت.
في لحظة، المرسوم الجديد اتنسى خلاص، هافيلا لقت نفسها بتنزل من السما، نازلة من العالم وهي بتسقط ناحية الشخصية. ما وقفتش تفكر ازاي قدرت تعمل ده. ليه البوابات ما اتفعلتش ضدها. هي بس عارفة إنها لازم تجيبه. تنقذه من إنه يختفي في الأعماق.
عشان كده استخدمت الفضيلة وسرعت، وزي ومضة برق، مدت إيدها ومسكت الشخصية لحظات قبل ما تضرب سطح المية وتغرق في المياه السوداء.
عملتها. طلعت تنهيدة ارتياح، بعد ما قدرت تمنعه من الغرق في الوقت المناسب. كان تقيل بس شكله غريب. اتأوهت وهي بترفع، حاطة رجليها بحذر على سطح المية عشان تسنده.
لازم بطريقة ما تمشي عليه، اعترفت أخيرًا. وهي عارفة كويس مستوى الفضيلة الأولى الحالي. كان كفاية إنها تخليها تطفو أو تطير، بس مع الراكب الأتقل على المركب.
عشان كده سحبت الشكل. بتشده على سطح المية وناحية الشاطئ الصغير على الساحل الغربي للجزيرة الصخرية القريبة.
شويه من الفضيلة الثانية ولسه بتشد، بقى أسهل. بلورات الأمل كانت تخصصها، وعشان كده، لما يكون فيه إرادة وطبعًا، صورة ذهنية، مفيش حاجة مش هتعرف تعملها. المشكلة كانت دايما مع الفضيلة الأولى وإتقان أسلوب الرؤية للغير مرئي اللي كان أساسي مع الفضيلة دي.
هافيلا رمت شكل الإنسان على قطعة رمل ناعمة كانت أبعد عن مدى المد، ووقفت تدرسه. أكيد كان طوله ستة أقدام أو أكتر. طول أطول بكتير من طولها اللي يادوب خمسة أقدام وثلاث بوصات. مش غريب إن كان صعب أوي تحمله. مع اختلاف الطول والوزن التقيل اللي كان متصل بيه، أي حد مكانها كان هيلاقيها صعبة، مع كل العوامل في الاعتبار.
من النظرة الأولى، مقدرتش تعرف إذا كان الشكل ذكر أو أنثى، لأن مكنش فيه أي نتوءات ظاهرة على الصدر أو منطقة العانة اللي ممكن تحدد. بدل كده، كان عادي بس. شكل إنسان عادي، لا جنس له، خلاها تتساءل إذا كانت الحاجات دي موجودة بجد. بس، بعد لحظة تدرسه، استنتجت أخيرًا إن لازم يكون إنسان. إنسان لابس نوع من البدلة المدرعة، وبما إن الكل عارف إن الفضائيين من الكواكب الخارجية مش موجودين فعلًا، ده كان أقرب تخمين.
بس ليه الإنسان هيلبس حاجة زي دي؟ أحدث موضة عندهم يمكن؟ بجد، ده لازم يكون مش مريح. بوجوههم المتخفية، ازاي حتى بيعرفوا بعض؟
ببطء، تتبعت حافة اللي عرفته دلوقتي إنه خوذة وشدت عليها، من غير فايدة. خدت نفس عميق، وقفت وخدت خطوة لورا وبدأت تدرس البدلة تاني. واضح إنها معمولة تكون قوية. يمكن متينة، بس حتى وهي بتفكر في ده، لاحظت الألوان المختلفة اللي بتحدد منتصف الجزء السفلي اللي كان فيه علامات خدش وثقب مع سائل أحمر بينزل منه.
دم! معظمه نشف طبعًا. لأ، متجلط كان الوصف الصح، واستنتجت إن الدم لازم يكون جاي من جرح جديد من مستوى التجلط اللي لقاته هناك.
يمكن من تأثير ضرب المية بعد ما وقع من مسافة عالية كده؟ بس بجد؟ لأ، هي أنقذته في الوقت المناسب، وهي متأكدة إنها مش مسئولة عن علامات الخدش دي برضه.
"يبقى، لازم ميكونش متين." همهمت لنفسها بهدوء. "ولازم يكون إنسان برضه. إنسان أكيد." وافقت مع نفسها، عينيها دلوقتي بتبص على السائل الأحمر اللي وقف يخرج من الثقب بتعبير مفكر على وشها.
بدلة؟ وهي بتفكر في ده، حنت كتفيها لقدام وبصت على شكل الإنسان من مسافة أقرب.
إيه سر البدلة دي؟ المرة دي، خدت وقتها ودرستها بعناية أكبر، وكانت أدق لما خدت في الاعتبار التصميم المعقد والآليات اللي كونت البدلة السوداء. درست القناع الشفاف البلوري والخوذة السوداء اللامعة. الدرع والقطعة الخلفية اللي كانوا معمولة من أجزاء متعددة بتتراكب على بعض زي در حيوان المدرع. البنطلون الشبكي، الأحذية الفخمة والحزام اللي كان بيحمل أدوات مختلفة. كل الدرزات والشقوق والخطوط والانحناءات اللي بتلمح لوجود حجرة مخفية، وبعدين، عرفت أخيرًا!
الخوذة كانت معمولة منفصلة عن باقي البدلة. ده اللي لاحظته حتى وهي بتنزل تضغط على الزر الأحمر الصغير اللي اكتشفتيه لسه على بعد بضع بوصات تحت ذقن الخوذة. كان فيه صوت صفارة، وبعدين، قناع البدلة انكمش في الخوذة وكشف عن الوجه الإنساني لشخص كان فاقد الوعي وراه.
"عرفت!" ابتسمت وهي بتنحني عشان تدرس وش الشاب.
على عكسها، كان بشرته فاتحة أكتر مع جلد زيتوني أفتح بكتير من لون بشرتها الكراميل الفاتح. بالرغم من السمرة الخفيفة، جلده بدا مبلول وكان شاحب شوية اللي خلاها تصدق إنه مكنش كويس. خاصة مع النزيف، جرح الثقب، علامات الخدش وكل حاجة.
بشكل عام، ملامحه كلها كانت مميزة شوية مع رموش طويلة سودا، يمكن أطول ما شافتها على راجل، وخصلات سودا رطبة كانت بتبقع جبهته، بتبان من تحت الدرع بتاعه، مكان ما الخوذة مكنتش مغطية راسه بالكامل.
خدت في اعتبارها وشه الزاوي، عظام الوجنتين العالية الأرستقراطية. الفك القوي ولازم تعترف إنه بالرغم من كل الشحوب اللي جه من النزيف، الراجل ده لسه بيصدر نوع من السحر "الرجولي" اللي بس راجل بمكانته يقدر يتحمله. وإيه هي المكانة دي؟ تساءلت مع نفسها وهي بتقعد تفكر.
"أعمل إيه فيك؟" همهمت تاني وهي بتمد إيدها عشان تمسح الخصلات المبلولة اللي كانت بتبقع جبهته المبلولة. لما صوابعها لمست جلده الرطب، عيون خضرا بدأت ترمش ووقعت لورا بصوت مفاجأة.