البشر
بحر إيليدريا،
2420 بعد الصعود العظيم.
فتحت عيون كيليون بفجأة ولقى نفسه بيبص في مجموعة عيون كبيرة مش عارفها. عيون فضية؟ كشر في الوش اللي كان بيبص عليه دلوقتي بنظرة مليانة قلق. شاف حتى لما الشفايف الحمرا الممتلئة اتفتحت على وسعها. صرخة مفاجأة بتطلع منها. وبعدين بالظبط كده، الوش اختفى من نظره.
بسرعة لقى نفسه بيفكر لو كان شافها بجد ولا مخه المحروم من الأكسجين كان بس بيلعب بيه. لازم يكون كده. كان فقد دم كتير ومخه كان بيغذيه بأوهام بس عشان يعديه.
حاجة خبطت في الأرض جنبه وراها صرخة تانية. المرة دي، كانت صرخة ألم. ده بس اللي قدر يعرفه من الصوت وعلى طول، أكد إنه كان حقيقي وإن ما تخيلش أي حاجة منه. كان فيه حد جنبه بالظبط و بالرغم من إنه ما قدرش يلتفت و يبص عليه، كان واعي بوجوده.
الشخص ده بطريقة ما قدر يفتح الدرع بتاعه وحتى لمس إيده على وشه.
كيليون اتصارع عشان يلتفت و يدور عليها. عشان صاحب الوجود ده، بس الألم الحاد اللي كان بيتقطع فيه بطنه أجبره إنه يفضل في مكانه. صح، كان مصاب.
صوت خشخشة رجلين على الرمل والصخور السائبة والعيون الفضية رجعت تبص عليه.
المرة دي، لاحظ كمان الشعر الأسود الطويل. شعر أسود طويل كان نازل من جوانب راسها زي ستارة من الأوبسيديان والرداء الأحمر اللامع اللي كان مغطي جسمها كله، من رقبتها لصباع رجليها.
أحمر و دهبي، لاحظ لنفسه وبشرة سمرا لدرجة إنها لازم تكون كراميل أو بس شوية درجات أفتح من الحقيقة.
"أنتي الخط الأحمر." همس بابتسامة. صوته كان بيطلع مخدوش حتى على ودنه. أكيد كان من كل الصراخ اللي عمله. أيوه، الصراخ اللي صرخه وهو بيتشال، فكر بابتسامة قبل ما يلوم نفسه.
ليه دايما بيعمل كده في أكتر المواقف إحراجًا؟ لازم تكون رد فعل عصبي، قرر أخيرا وكاد يضحك على اللي مخه لسه مخترعه. بيتحول لفيلسوف؟ مستحيل.
"الخط الأحمر إيه؟" سألته الشابة وهي بتميل لتحته. حواجبها الغامقة اتكرمشت في تجعيدة عميقة اللي طلعت ضحكة من شفايفه الجافة. التعبير ده كان كوميدي أووي! فكر حتى وهو بيفكر إزاي هيبدأ يخاطبها.
"أنا مش ميت، وده بيشرح الألم الحاد اللي في بطني وحالتي الضعيفة أووي." صرح وهو عارف كويس إن الدرع بتاعه هو اللي بيمنعه من إنه يغرق.
"لأ، أنا ما أعتقدش إنك ميت." ردت عليه واضطر إنه يمنع نفسه من الضحك على تعبيرها المفكر أووي. مش فاهمة إنها مزحة؟ كسر للجليد؟ طيب، كان بردو قلة أدب إنه يضحك عليها وهي شايفها مهتمة أووي برفاهيته. "أنا كنت بحاول أساعدك. بالرغم من كده، أنا مش عارفة إزاي أشيله." أضافت وهي بتحاول تاني تشيل الخوذة بتاعته.
"لأ! لأ! من فضلك! متعمليش كده!" همس في محاولة عشان يوقفها. مش بس إنه لابس بس ملابسه الداخلية الخاصة تحت الدرع، بس كمان، الدرع كان بيشتغل كنظام دعم حياته. يعني إزالة الخوذة هتثبت إنها مضرة أووي لصحته.
"الدرع ده هو اللي مخليني عايش!"
"مش كتير للأسف، خصوصا لو فضلت مصرة كده." عيونها الفضية بتبص بغضب عشان ما عملش اللي هي عايزاه. مستحيل طبعا، بس كمان كان مقتنع إنه شاف العيون دي بتنور. ممكن ده يكون صحيح؟ لأ، ده ما ينفعش يكون صح، صح؟
"أنا هموت في كل الأحوال، يعني، لو ما وصلتش للحضارة في الوقت و لو الشمس غربت تاني مين يعرف إيه اللي هيحصل لما الرعب ده يرجع."
"أنا ممكن أساعدك." الشابة مدت إيدها في ردائها وطلعت زجاجة كريستال صغيرة. فتحتها و قلبت محتوياتها في إيديها. كمية صغيرة من السايل الدهبي تدفقت في كفوفها و كيليون بيبص بفضول. هتعمل إيه بده؟ تسائل. إزاي الزيت هينقذه؟ ما كانش عايز يفكر وحش عنها، بس لو أصرت وواظبت على إزالة الخوذة، هيضطر إنه يعترض. مش هيجازف بحياته عشان شوية زيت.
"اسمك إيه؟" سألت وهي بتقفل الزجاجة و تحطها على الأرض جنبها. وبعدين فركت كفوفها مع بعض ووزعت السايل بالتساوي، على كل أطراف صوابعها وعلى ظهر معصمها.
"كيليون وأنتي بتعملي إيه؟" سألها. ما ردتش. بدلًا من ده، قفلت عينيها ومدت كفوفها عشان تلمسه. للحظة رجع لورا لما لمسته وحتى حاول يهرب بعيد عنها، بس طبعا، ما قدرش يعمل كده.
ما كانش عنده الطاقة عشان يعمل كده، ولا قدر ينجح. و مع ضخامة الأرض الرملية وراه و جروحه اللي لسه بتقيده. عشان كده، و مع عدم وجود اختيار إلا إنه يفضل في مكان واحد، لجأ إنه يراقب، مصدوم حتى و المرأة بعيونها المغلقة و كفوف إيديها بتضغط بلطف على جوانب جبينه، بدأت تنور.
بدأت بلمعة، ضوء أبيض بيتصاعد من مركز كفوفها. الضوء بعدين غطاه، بداية من المكان اللي إيديها ماسكاه فيه و بعدين، انتشر من راسه لكل جسمه. قدر يحس بالدفء بيتخلل جلده الرطب حتى وهو بيتحرك لتحت وبيستقر عميق في نخاع عظامه.
ببطء جلده بدأ يهرش. ما قدرش يشوفه بس قدر يحس بيه وهو بيتجمع مع بعض. الثقوب الواسعة اللي كانت في بطنه بتترمم حتى مع كل مرور وقت.
أخيرا، عيون المرأة اتفتحت و قوته رجعت له. صحته اتحسنت و حتى قدر يتحرك. ما بقاش حاسس بالضعف و بشرته اللي كانت باهتة زمان بقت مفعمة بالحياة حتى وهو بيحرك نفسه عشان يقعد.
"إزاي قدرتي تعملي كده؟" تسائل، قادر إنه يدعم نفسه لأول مرة في أكتر من ١٢ ساعة.
"أنا عظيم و المرطب بيسمح لنا نشفي الجروح." ردت بابتسامة ناعمة وهي نزلت عشان تقعد على الرمل جنبه. في إيديها كانت زجاجة الكريستال و جواها السايل الدهبي المتبقي اللي استخدمته عشان تطلي إيديها قبل ما تستخدمهم عشان تشفيه.
"وده المرطب؟" هزت راسها. "إيه بالظبط هو العظيم؟ امسح ده - اسمك إيه؟" أضاف بعد ما فكر تاني. مخه كان مليان أسئلة كتير. معظمهم ليه و حتى بالرغم من إنه كان لسه فضولي، كان أكتر تهذيب إنه يسأل عن اسمها قبل أي حاجة تانية. بالحديث عن التهذيب، هو حتى ما شكرهاش! بص في إحراج.
"أنا هافيلا، بنت جايكوب و تمار، شيخة العظام." نطقت تلقائيا و خمن إنها بالسهولة دي نطقت الكلمات دي، إنها حاجة اتعلمت تقولها حتى وهي طفلة صغيرة.
"أوكي... عظيم." تمتم، وهو بيضيع تاني في تعريفها الغريب. عظيم، إيه ده؟ قبيلة ولا حاجة؟
كان مغري إنه يفكر إن البنت مجنونة، بس شاف و حس بقوتها. ما حسش بس إنها شفيته بس كمان، شافها بتطير! بص في ردائها الثقيل المتلألئ تاني. ردائها اللي كان موضته ما شافهاش ولا سمع عنها قبل كده و بعدين، كان فيه دهب. زي في دهب حقيقي و مش مجرد خيط مطلي بالدهب و كيليون حس إن عقله بيخرف.
"بصراحة، أنا مش عارف إيه اللي أعمله في كل ده، بس شكرا إنك ساعدتيني. دلوقتي، كل اللي لازم أعمله بس إني ألاقي طريقة عشان أرجع البيت. بالصدفة، تقدري تطيريني هناك؟" ابتسم بسحر. كان بس بيأمل إنها ما تلاقيش طلبه وقح و عشان كده، ابتسامته زادت إضاءة.
مع قواها، مين يعرف هتعمل إيه لو فعلا قدر يضايقها. فكر وهو بيحط كل اللي عنده فيه.
"أنا آسفة بس ما أقدرش!" ابتسامته اتراجعت وهي بتكمل. "زي ما هو، أنا مفتقدة للفضيلة الأولى و ما أقدرش أجرب حاجة زي كده في اللحظة دي. هيكون فيه مجازفة أووي حتى لو جربت." أضافت و هو بس قدر يهز راسه بالرغم من إنه ما فهمش حاجة عن اللي لسه قالته.
فضيلة أولى؟ إيه ده؟ فكر لنفسه وهو بيرتب في مخه عشان إجابة. هل ده اللي استخدمته عشان تشفيه؟ هل ده معناه إنها ممكن تخلص؟ ولو فيه أولى، هل ده معناه إن فيه تانية ولا حتى أكتر من الفضائل؟ إيه هي الفضيلة على أي حال؟
"أنتي ما فهمتيش أي حاجة من اللي قولته." ابتسمت بإحراج، واضح إنها محرجة عشان تجاهلت حالته.
"أكيد." ضحك كيليون.
"طيب... أنا عندي فكرة." قالت و هي بتمسك دراعه و بتشده لفوق. "متسيبش." كان ده بس التحذير الوحيد اللي خده لما الهوا تحت رجليهم بدأ يتقلب و يتموج زي ما الرياح اللطيفة بتعمل على سطح مياه ساكن.
فجأة طلعتهم لفوق أووي لدرجة إن كيليون لقى نفسه بيصرخ في خوف و متعة.
بالرغم من وجود دفعات صاروخية في نعال الدرع بتاعه، السرعة دي و الارتفاع كانوا حاجة كان ممكن بس يحلم بيها حتى مع اختراع زي ده.
"لمرة أولى، أكيد مش بتبص خايف." علقت و هز راسه في موافقة.
"أنا فعلا مجنون إني أثق في واحدة غريبة تماما إنها تعمل ده فيا!" ضحك. "على أي حال بعد ليلة كاملة من الطيران مع حيوانات الويفرن، ده مافيش حاجة مقارنة بالرعب ده."
"ويفرن؟" قطعت حواجبها في حيرة و كيليون كمل عشان يوضح.
"ديدان ليند، تنانين... هما زواحف عندها أجنحة و ممكن تتنفس نار؟"
"آه... يبقى ده كان إيه؟" ردت برفق لنفسها. لحظات بعد كده، رجليهم هبطت على السحب و هو كاد يصرخ وهو متوقع إن الأرض هتعدي منه.
"إيه ده؟ عمري ما فكرت إن السحب كانت جامدة حقيقي؟" استقر بعد ما أدرك أخيرا إنه مش هينزل من خلالها. كان مغري إنه يجرب النظرية دي. و على أي حال، في الدقيقة الأخيرة، منع نفسه من إنه ينط لفوق و لتحت خايف أووي إنه يروح في قفزة في السماء تانية.
"هما مش كده. صعب أووي أشرح، بس دي حاجة ليها علاقة بالتفاعل بين الضغط الجوي والخصائص الخاصة للطائرة القريبة." قالت البنت بلا مبالاة و قدر يقول إنها مش مستعدة ولا عندها رغبة إنها تدخل في العمق بشرح حاجات هتاخد للأبد عشان تحددها. "على أي حال، إحنا هنا." قالت وهي بتقعد على حافة السحابة و بدأت تقلب الضباب بلمسة من إيدها. "هحاول أوصلك للبيت من هنا. لو بس تقدر تغمض عينيك وتحاول تتخيله، ده هيكون مفيد أووي. تقدري توصفه ليا؟" أضافت و هي بتحضه إنه يقعد.
الفكرة جاتلها بس بعد ما أدركت أخيرا إنها قدرت تخرق البوابات. عمرها ما سمعت عن أي حد بيعمل نفس الشيء، بس كان مدهش إنها تفكر في اللي أنجزته. هي بس راحت للعالم الآخر!
كيليون رفع حاجب بفضول عليها، بس أطاعها على أي حال و بدأ يوصف بلدته.
"دي بلدة صغيرة. بلدة ميناء بنسميها بيتسدا." أغمض عينيه و ابتسم. بيبتسم للصور اللي أفكاره كانت بتخترعها في جبينه اللي عليه الخوذة. "دي جزء من قارة كبيرة بنسميها إيليدريا مع شبه جزيرة في الشرق، غرب بحر إيليدريا." استمر وهو بيرسم شكل بلده على خريطة القارة. وهو بيعمل كده، حس البنت بتتحرك جنبه و بفضول، فتح عين واحدة وراقبها.
وهي مش واعية بالاهتمام، التفتت للنظر و بدأت تقلب السحب زي صفحات كتاب. السحب غيرت شكلها تحت إيديها العارية و بعد كده، المنظر اللي كان بيظهر تحتهم.
إيه ده؟ تسائل كيليون وهو بيخلص وصف بلدته و هي رجعت تبص عليه، بتبتسم على اللي لسه كشفتي عنه.
"هل ده -" عينيه اتوسعت حتى فكه سقط في مفاجأة.
"أيوه! إزاي؟ إزاي عملتي..." بدأ يسأل، بس بعدين غير رأيه لما أدرك إنها ممكن ما تكونش عايزة تكشف. "مش مشكلة، أنا مش هفهمها على أي حال." ابتسم و هي هزت راسها.
إيه هي التكنولوجيا دي على أي حال؟ هل هي حتى تكنولوجيا؟ بدت زي حاجة من حكايات خرافية أو واحدة من القصص اللي وجدته كانت بتحكيها له. أولا كان فيه الطيران، الشفاء، المشي على السحب واستدعاء مكان بس من الذاكرة؟ كان عنده أسئلة كتير بس كان خايف إنه يتخطى حدوده بسؤاله. بعد كل ده ما يعرفش إزاي عظيم مضطرب بيتفاعل في مواقف معينة.
"هل نبدأ؟" هز أفكاره عشان يطلع ضحكة عالية عن إزاي كانت رسمية و دعائية أووي. كالا أكيد هتكره ده، ضحك في أفكاره و كلمات البنت اللي بدت أكتر زي دعوة للرقص. "أنا آسفة." استمرت تقول له. "هضطر أرميك في المحيط." أضافت بعد شوية. كانوا بيهبطوا لفترة و لقى نفسه بيرفع حاجب على اللي لسه قالته. "زي ما هو، أنا مش مفروضة إني أتشاف من قبل إنسان." استمرت تشرح بعد ما افتكرت فجأة القانون الجديد اللي لسه صدر.
"صح، عشان إنتي عظيمة؟"
هزت راسها قبل ما تكمل.
"أتمنى إنك تقدر تحافظ على المقابلة دي سر؟"
سر؟ كان دوره إنه يهز راسه حتى بالرغم من إنه ما فهمش أي حاجة عن أسبابها.
"أنا أوعد." كان عايز يقول، بس كل حاجة حصلت بسرعة أووي لدرجة إنه ماخدش الفرصة إنه يقولها لها. وهو بيترش في المية، شاف البنت بتنطلق تاني في السما، مصدوم من التجربة و حقيقة إنه كان عايش.