الفصل 12
ابتسم وأنا أعض على شفتيي، 'عندك جواب لكل شيء. إذا تبيني أفكر حتى في رهان معاك، لازم أسمع كلام أحسن من كلامك المعسول.'
'إيش رأيك أخليكِ امرأة على حق وأوريكِ كلام أحسن من كلام معسول بس؟'
أشهق من سخافة اللي يقوله.
هو من عائلة كاتيللي.
مستحيل كاتيللي يتزوج بنت نص روسية دمها ملوث أصغر منه بعشر سنين. أنا دم ملوث. وأبويا مستحيل يوافق، يكره عائلة كاتيللي على اللي سووه لأختي.
'أبويا بيفرح لو ما اخترت رجال قريب.'
'مو زي البنات الثانية يا أليانا.' ينطق اسمي، قلبي يضرب ألف ضربة وضميري يتلخبط من اللي قاله.
'أكيد مو زي الباقي. عندي مخ.'
يضحك مرة ثانية. الرجال هذا مو جاد، صح؟ أكيد لا يا أليانا!
'كأنك واثقة في أبوك زيادة عن اللزوم. يخليك تشكِ في عندك ثقة من الأساس.'
'الثقة. هذا الشيء الوحيد اللي أقدر أملكه. أنا البنت المحظوظة في عيلتي. النص روسية.'
ماركو ساكت وأنا أقول كلام واضح، هو يعرف خلاص، ما يحتاج كلام معسول.
'بتجيك فرصة. أنتِ بنت محظوظة. الرجال ما تجيهم هذي الفرص في عالمنا.' صوته ناعم وهو يتكلم، وعيونه سرحانة في الأضواء اللي بعيد. أدري لاني أنا اللي أناظره. عيونه سوداء مرة، فريدة بس مناسبة لرجال غامض مثله.
'فرص.' أتمتم.
'ما تبين الفرصة، صح يا أليانا؟ تخافين من الرفض، الوحدة، تتمنين بس تكونين من ضمن الناس.' كلامه دقيق ومؤلم لدرجة أحس فيه في أعماقي. الأجزاء اللي أخفيها تظهر بس لما أكون ضعيفة. ما أبغى أكون ضعيفة. أكره هذا الشيء، من زمان.
'كل واحد يستحق شوية سعادة، اللي أبغاه مو أكثر من أي أحد ثاني.' إجابتي حقيقة، كلنا نبغى شوية من العادي في هالعالم.
'أنتِ مو أي أحد ثاني، شوفي حواليك، المبنى اللي واقفة عليه، اللي حياتك معتمدة عليه مبني بفلوس الدم، وأقدر أقول لك الأرواح اللي ماتت ما ماتت وهي تبتسم.'
عنده حق. ما أقدر أنكر، عشان كذا ما أقول ولا كلمة.
'هذا العالم عمره ما بيقدم لك هذي الراحة لوقت طويل يا أليانا. عاجلاً أم آجلاً، حظك بيخلص، وما بيبقى لك إلا نفسك. لازم تلقين أحد تحبينه وأنتِ تقدرين وتستمتعين ببداية الحب لأن، إذا فيه شيء أقدر أضمنه لك يا أليانا، هو إن الحب بيخلص بسرعة زي ما بدأ.'
ما قابلت هالرجال من قبل اليوم، ولقائنا القصير هو بس هاللحظة.
بس فيه شيء في السما شغال الليلة لأنه لما وقف جنبي، أقدر أقول من كل قلبي إني أحس بالأمان. وكلامه فيه صدق أكثر من اللي أقوله لنفسي.
أهز كتفي، وأستوعب كلامه اللي يعرف كل شيء.
'لازم. بس اللي أحبه بيخطب أختي قريب. أخذت 5 دقايق بس في صحبته عشان أشوف، مو أنا اللي يبغاها، وأنا قضيت 5 سنين أحبه.'
هذي الحقيقة اللي لازم أواجهها اليوم. أعرفها من فترة. أختي مو دارية، وجذبها البريء لماركو خلاني أغمض عيني عن الحقايق.
أنا شاطرة في إني أتظاهر إني عمياء، سويتها طول حياتي.
'فهمت كذا لما شفتيك اليوم. أخوي عمره ما كان أذكى واحد في اختيار أي شيء. يمكن تتحسنين. طيب إيش رأيك بالرهان؟ ولا، مو جنس.'
'إذا مو جنس، طيب قولي إيش هالرهان اللي خلاك قلقان لدرجة إنك تناديني باسمي بصوت عالي؟'
جانب واحد من وجهه يبتسم ابتسامة ملتوية، بس شريرة مرة وهو يطلع جواله من جيبه، ويسكت المكالمة.
يرن مرة ثانية، وأنا أشوف الشاشة يكتب 'قاتل' وهو يحطها على وضع الطيران. وكل هذا، أنا واعية بإن عيونه الشريرة مركزة عليّ بنية سيئة، وأدري هذا كويس.
أعصابي توترت من إدراكي لمدى فساد هذا كله.
هو.
أنا.
إحنا.
يمشي عبر الغرفة، ويشغل شوية أضواء فوق بنفسجية.
الضوء يجي من أقصى اليسار من المكان اللي أنا واقفة فيه حافية القدمين.
خطواته بطيئة، وهو يقترب مني، وما يعطيني خيار إلا إني أناظر عيونه الياقوتية.
عقلي فاضي، وجسمي متعود على خطواته اللي ما تنسمع.
عيون سوداء تناظرني بدون ما ترمش.
بس المكان اللي أنا شفتي فيه عيون كثيرة، ولا وحدة منهم امتلأت زي عيون هالرجال اللي واقفة قدامه. حتى الآن
فوضى ما انتهت.
حرب مشتعلة في نار ما تقرب من اللي أشوفه في حدقات عيونه اللي ما تتكلم. الورد يخلي الجو أحلى وهو يقترب، وأنا واقفة، في مكاني.
ذكريات تروح في رأسه وأنا ثابتة في مكاني بس لأني أدري إنه ماشي ناحيتي.
لأول مرة من لما قابلت ماركو كاتيللي، أتمنى أعرف لمدى توصل جرائمه.
هو قاتل يا أليانا، يهم؟
عقلي يصرخ إني أمشي، بس هنا أنا واقفة، أطالع في مجنون مجنون.
'تناظريني كأنك شفتيي كل اللي رميتهم على الأرض.' ملاحظته صحيحة.
'يمكن بس أفكر في كم لازم أحفر حفرة عشان أدخلهم كلهم فيها.'
يبتسم، فمه يتحرك لليسار، 'أو، عرفتي كل شيء، والحين بس تتمنين تسمعين الكلام.'
أسناني تغوص في داخل خدي، وفكه يتحرك وأنا أناظره بصمت. عنده حق مرة ثانية.
'قولي لي يا أليانا، هذا اللي يثيرك؟ هذا اللي يخلي كل هالشباب يلفون حول إصبعك الصغير ويستنونك تهمسي بأسمائهم؟'
فمي يتقفل، وعيوني تصغر، 'رين ما قال إنك من النوع الغيور.'
يدور حولي ببطء، وأصبعه يلف في شعري، 'أتفاجأ إنه جاب اسمي من الأساس. كنت أتوقع إني مو محور نقاش وبناء على نظرتك اللي حكمتي بيها عليّ بكل براءة من دقائق، أفترض إني صح.'
'تدري إني يمكن أناظرك بطرق تقييمية، بس أنت تناظرني وتعرف عني أكثر مني عنك، ومع ذلك أنت واقف هنا، تناظرني، تكلمني، مو خايف إني أحرقك.'
عيونه السوداء تخترقني بشيء مظلم مرة، يبي يطلع ويسوي لهب، وأتمنى بكل اللي أؤمن فيه إني مو اللي على الجانب الثاني من هالبرودة.
'الكلمة هي 'أتمنى' إنك تحرقيني.' يمسك بذراعي من فوق ويدورني عشان أوجه له.
أبغى أركز على صدره، بس ذقني ترتفع عشان تواجه قساوة وجهه الرجولي.
'ارقصي معي يا أليانا.' ما يسمح لي أرد وهو يلف أصابعه السميكة حول جسدي العاري وأغاني الموسيقى تشتغل. لحن مألوف، يخلي عيوني تتسع في اعتراف. يعرفني.
'أنت كنت هناك، بس...' كلماتي تموت وعيونه تحرقني بحياة مع كثافة تدمر عقلي الصغير وأنسى أتنفس.
يغطي كوعي ويشدني أقرب من حرارته. نظرة القاتل السوداء، ما تروح من عيني.
يحني رأسه.
أنفه بجانب أنفي. لحم مع لحم، نفس مع نفس.
أصابع خشنة وسميكة تمسكني. أتنفس شهقات أكسجين مؤلمة. ما آخذ شهقات سطحية، لا، أخذ كمية كبيرة من الهواء. صدري يتوسع وينكمش. لازم يلاحظ هذا، بس كل اللي يسويه إنه يمررني أعمق ناحيته. أقرب بس مو قريب بما فيه الكفاية.
'Balla con me, Mezzosangue.' ارقصي معي يا نص دم.
ما يستناني أرد بينما نينا سيمون تغني 'أشعر بالارتياح'. يد ماركو تتحرك، بلطف على ذراعي. أصابع متينة آمنة تلمس نبضي.
يدين دافئة، خشنة تحيط بيدي الرقيقة. آخذ يدي اليسار، ماركو يحط كف يدي مسطحة على صدره. دائماً أحس إني قصيرة وغير مرئية حول الناس، بس هنا، الحين، مع هالرجال المجنون، أنا أكثر من كذا.
إمساكه الدافيء يترك إمساكي وأصابعه تنتشر على الجزء العاري من ظهري.
لحم مع لحم.
نفس مع نفس.
أحرك رجلي اليسار عشان أخذ خطوة للخلف، بعيد عن سجنه المؤقت من الإغراء. أتنفس كمية كبيرة من الهواء، أتمنى أترك هذا. أيًا كان 'هذا' هو. هو كثير مرة.
ماركو يستخدم حركة الهروب حقتي عشان ينزلني لتحت.
تجاعيد حادة تغطي ملامحه وهو يرفعني مرة ثانية، ويغرز أطراف أصابعه في لحم ظهري.
هذا حرام، ومو هذي الطريقة اللي المفروض تصير. هو مو الشخص المناسب.
بس مثل شيطانة، خلقت عشان تجرك لإرادتها المؤقتة، أنا مجرد إنسانة يمسكني شيطان رغباته هي كل ما أفكر فيه الحين بينما الموسيقى تشتغل.
'ارقصي.' يهمس، وأخيراً أستسلم للشيطان اللي ماسكني تحت سماء الليل.
رجولي تتحرك والأغنية تشتغل، وجسمي يطلق نفسه، ويصير حي في هاللحظة. عيوني مقفلة ووعي جسمي يبقى مرتفع مع كل لمسة ماركو كاتيللي على بشرتي. أستسلم له. نفسه، حارة على خدي بينما يقربني من شكله الطويل. رجله تحتك برجليني. الساتان الناعم لفستاني يلامس حجارة صدري بينما ذراعه تصر تضغط على صدري اللي يدق بقوة. كل حاسة تشتد لما أقفل عيوني وأستوعب كل شيء.
رائحته - غنية، سبايسي، وترابية. الدفعات الصغيرة من فكه على بشرتي الناعمة، خشنة.
هل هذا انتماء؟ وعد حرام؟ أو هل هي لحظة مسروقة من شخصين غلط مع بعض، يتقابلون في مكان مثالي، اللي ما يهم مين، بس المكان، هو تطابق مثالي، مرتب في فقرة صغيرة من حياتك؟ شيء مفاجئ المفروض يستمر بس للحظة، حتى لو الشخصين ما يتناسبون.
لأنه هذا هو، مكان سحري، محاط بالورد، بس هو وأنا، ما في شيء صح فينا. ليش هالفكرة تبدو كذب؟ كأنه يحس بفساد عقلي، يشد مسكته على ظهري، ويسبب شهقة صغيرة تطلع من شفايفي.
قوة رجله تبعث قشعريرة على ظهري لما يمرر فخذه بين رجولي، مليمترات من جزء جسمي الملتهب بسببه. هذا كله يبدو كأنه حلم. شيء شغال الليلة لأنه، في عالمنا، أدري إن هذا ما يصير بدون عواقب.
لحظة ممنوعة، منعطف غلط، دائماً لها عواقب قاتلة.
اغفر لي يا أبي، على هذا الذنب.
بينما ماركو كاتيللي يرقص معي، أتساءل، إلى أي مدى توصل جرائمه. هل هي صدفة لما الخاتم اللي يخليه زي ما هو، يخدش خدي بينما مفاصيله تلمس وجهي؟
هو رجال صنع بالدم، وكبر في السلطة بفن الحرب، والحين، أنا المرأة في ذراعيه، وأناظر روحه. أنا، أليانا كابيللو، أنا اللي في رحمته، ويا للسوء اللي فيه.
يرن جوال، جوال ثاني ما أدري إنه عنده، ومثل كل التجارب، هاللحظة تجي نهايتها. يبدو كأن التعويذة انكسرت، والآثار تختفي بسرعة، وتأخذ كل اللي سمحت فيه في الدقايق القليلة اللي وقفنا فيها وأجسامنا قريبة، متصلة.
اللحظة انتهت والحين وهو يتركني. آخذ كم خطوة للخلف، فضولية مين اللي بيتصل.
مين وإيش اللي قطع هاللحظة؟ لازم أكون سعيدة؟ أو غاضبة؟
أناظر الرجال المهيب اللي رقص معي وجهه يصير رمادي. أصابعه تشد حول الجوال اللي على أذنه. طول هالمدة أفكر، إيش ممكن يكون سيء.
لازم أدري إنه بيكون مهم، يغير الحياة.
بس زي ما قلت، الاختباء من الحقيقة شيء أنا شاطرة فيه.
ياخذ قرار بسيط عشان يغير حياتك. بالنسبة لي، هي لحظة ضعف.
أمشي ناحية شكل ماركو كاتيللي المتجمد.
وبعدين يجي.
خيانتـي.
أكبر لحظة في حياتي.
قبلة،
زي ما يهوذا سوى ليسوع لما خانه، أمنح نفسي لما أقبل ماركو كاتيللي.
أحط شفايفي على شفايفه الباردة، بينما حدقات عيونه السوداء المسكونة تناظرني، وتطبع نظرته الياقوتية في رأسي كتذكير بهاللحظة. تحت سماء القمر، داخل بيت زجاجي.
في هذا اليوم، أنا، أليانا كابيللو، أغير قدري في بيت زهور يملكه دينو كاتيللي وأنا أقبل أخوه، مجنون مجنون.
يقبلني مرة ثانية لثانية، هي سريعة لدرجة إن لسانه يلمس لساني للحظة صغيرة، وعد.
لو كنتي أذكى، كان لازم تنسين، بس أنا ما راح. بتذكر كل شيء، حتى لما يستهلكني.
دينو يدخل.
أقفز للخلف بينما ماركو يواجه أخوه الأصغر.
'ماركو، لازم نروح.'
تركني على السطح ذاك اليوم بدون ما يلتفت ورا ولا فكرة إن صديقي المفضل، أخوه، انقتل.
أطلقوا عليه النار من الاسكتلنديين.
بعد ساعات عرفت.
وبعد ثواني، لما طحت من درج البيت اللي يملكه أبويا، وأنا أصرخ. أطيح في عجلة إني أهرب من كلام أخوي وهو يقولي إن الولد اللي ينظف ركبي كل يوم لمدة ثلاث سنين وأنا أتعلم التزلج على العجلات مات.
أعترف، في هذا اليوم، اخترت اتجاه مختلف في حياتي. موت لورينزو كاتيللي لوى بوصلتي أكثر في هذا الاتجاه. أمي لازم تكون تفكر إني ضعيفة، وأنا طايحة على الدرج، وأختي تحاول تهديني، وأخوي وأبويا واقفين بس يناظروني.
في هذا اليوم، السلسلة اللي تربطني بماركو كاتيللي صنعت بالدم. الحرب لسه جاية.