الفصل 4
عليانة
وصلنا البيت بعد ساعتين بسبب الزحمة. حسيت بالراحة لما دخلت البيت، متعودة عليه. عشت هنا فترة طويلة، وأبوي كان موجود أغلب الوقت.
البيت هذا واحد من أملاك أبويا الكثيرة. زي أغلب الناس في العائلة، أبويا عنده شغل قانوني وكمان شغل ثاني ما حد يعرفه.
القصر اللي فيه أربع طوابق اللي أنا وأختي دخلناه هو واحد من الأشياء القانونية اللي يملكها أبويا - عقارات.
'أهلًا، وصلنا البيت يا بابا!' صرخت.
أبويا ما ردش.
يا إما مشغول، يا إما برة في الجنينة. أتوقع إنه مشغول.
'اليومين دول شكلكم فايقين، متحمسين لليلة؟'
فيليبو، أخويا الكبير، طلع من المدخل الواسع اللي يودي للمكتبة. صوته عميق وعالي، وابتسامته الكبيرة خلتنا نضحك. ما شفتيوش من شهور. العيشة هنا ليها مساوئ لما يتعلق الأمر بعيلتي. بس أنا عمري ما كانت لي علاقة قوية بأي حد فيهم غير أبويا.
فيليبو شكله وسيم وأنيق في البدلة الكحلي والربطة الرمادي. أنا وجيوليا اخترناها له الأسبوع اللي فات كهدية عيد ميلاده.
إحنا الاتنين بنقول إن أخويا هو النسخة الإيطالية من كريستيان غراي. عيونه رمادي/بني وشعره غامق، يكاد يكون أسود، زي أبويا. صاحبتي كيلي بتقول إنه نمط تقليدي للولد الشرير اللي بيكسر القلوب. شكله حلو بزيادة.
اليوم دقنه نضيفة. أنا بفضله وهو عنده دقن خفيفة. ابتسم لنا، وورينا الغمازة اللي تحت عينه.
'ما كنتش أعرف إنك هنا. بابا قال إنك هتيجي بس النهاردة بالليل' قلت وأخويا باسني أول مرة على خدي، وبعدين على أختي.
'آه. بابا كان عايز يفاجئكم. بقالي كام شهر ما شفتيكمش، لازم تيجوا نيويورك أكتر.'
ما ردتش على فيليبو، هو عارف إن فرصة إني أروح نيويورك عشان أشوفهم ضعيفة جدًا بسبب كره إيلاريا ليا.
هنا، عندي الجامعة وأصحابي. أقدر أهرب في أي وقت. البيت ده اللي عايشة فيه هو البيت اللي أمي وأبويا اختاروه عشان نتربى فيه. سياتل هي بيتي، نيويورك هي سجني.
أبويا بيفهم ده.
بيقضي أغلب وقته هنا معايا أكتر من نيويورك. جيوليا مش فارق معاها كتير عشان عندها فيليبو وأصحابها عشان تشغل نفسها.
إيليا وسيرينا ما عندهمش نفس إحساس جيوليا.
عرفت ده عشان دايما بيتصرفوا بطريقة وحشة لما بيكونوا هنا. حاسة إني فظيعة إننا كلنا متفرقين.
أبويا مش بيفكر بنفس الطريقة. مرة قال إن إيلاريا كانت أم عظيمة، وإن وقته أغلى من إنه يقضي في تربية العيال واللعب.
فيليبو حط دراعه حوالينا إحنا الاتنين.
'امشوا ورايا.'
إحنا عارفين إن فيليبو هيجيب لنا حاجة. دايما بيجيب لنا هدايا. ساعات أتمنى إنه يتجوز ويستقر. عمره قرب للتلاتين.
أبويا قال لي إن فيليبو حب واحدة بجنون، بس في النهاية، هي اختارت إنها تعيش حياة الوحدة. قال إنهم الاتنين أغبياء عشان حبوا، ودلوقتي عايشين زي الأغبياء، لوحدهم. بتساءل لو هخلص زي أخويا الكبير. شخص مليان مرارة وبيخبي ورا مشاعر مزيفة.
سألت أبويا عن اسمها، بس أبويا ببساطة قال إن اسمها مش مهم.
لما سمعت صوت أختي التانية، سيرينا، بتصرخ على أخويا واحنا بنعدي من الباب الخلفي اللي بيودي على حمام السباحة، اتنهدت.
جيوليا بتحب تسميهم التوأم الشياطين. ممكن يحرقوا البيت من غير عود كبريت.
'صوتها زي العفريت' جيوليا تمتمت في نفسها. هزيت راسي، وأنا بابتسم، بينما فيليبو بيشدنا لقدام.
جيوليا مش بتحب التوأم كتير. أنا عارفة إن كرهها ليهم جه من كرهها العميق لإيلاريا. بحاول أقضي وقت معاهم لما أقدر، عارفة إنهم أخواتي زي الاتنين اللي بيمشوا معايا دلوقتي، بس بشوفهم بس كام مرة في السنة.
إيليا قالت مرة إني زي كوباية عصير، في لحظة موجودة وفي لحظة اختفيت، بس دايما بسيب طعم في البق.
'أنت عارف بابا فين؟' سألت أخويا.
'راح بره، المفروض يرجع كمان شوية. معايا حاجة ليكم انتوا الاتنين' قال وهو بيفتح باب الجراج.
أنا اللي شفتيها الأول وصرخت، وقعدت أنط زي حيوان مش متعود على الكلام. إنها أستون مارتن فانتج خضرا ليموني.
أختي أخدت كام ثانية عشان تستوعب إن دي العربية اللي إحنا الاتنين كنا عايزينها من ساعة ما رحنا فندق ستون هارت بالاس مع صاحبتي كيلي وشوفنا العربية الجميلة واقفة في موقف السيارات تحت.
أخويا عمره ما بيبخل لما يتعلق الأمر بعيلته. أعتقد إن دي طريقته عشان يعوض عن قلة الوقت اللي بيقضيه معانا كلنا. ما عدا جيوليا، كنت أعرف إنه بيحاول يشوفها مرة في الأسبوع على الأقل.
جيوليا بدأت تنط وتصرخ. يضحك إزاي إننا بنتبسط بسهولة بالحياة المادية. السعادة السطحية سريعة ومثيرة زي ما هي مؤقتة وفارغة.
حضنت فيليبو، 'شكرًا. ما كانش لازم.'
ضحك بينما جيوليا رمت نفسها علينا إحنا الاتنين. أخويا كبير، بس مع جيوليا اللي بتنط، عنده صعوبة إنه يمسكنا إحنا الاتنين.
'طلبت اتنين، التانية هتوصل كمان أسبوعين، يبقى لازم تتشاركوا في الفترة دي. كويس، هنكون في سياتل الأسابيع الجاية.' وشه كان بيفكر وهو بيبص علينا. أنا بابتسم ومبسوطة، بس أعترف إني مش مجنونة بيها زي أختي. الأشياء المادية مهمة بالنسبة لي، بس مش هسهر لو ما عنديش حاجة. جيوليا هتعمل كده.
هي صورة الأميرة المافيا على الغلاف. هي عايزة، لازم تحصل عليها.
أسنانها كلها باينة وهي بتضحك، بس بطلت تنط لما فيليبو سابنا. الشمس ساطعة النهاردة لدرجة إنها بتعكس مباشرة على آلة الأحلام اللي كلفت أخويا دينار في البنك. عمري ما هضيع فلوسي زي ما بيعمل. كل قرش هيتصرف كويس.
'بحبك دلوقتي أكتر بخمسين مرة' جيوليا قالت وهي بتصقف إيديها.
'بس خمسين؟' أخويا سأل بصوت بيشاكس. بيجنني إن رجالتنا ممكن يكونوا طبيعيين ولعوبين معانا بس مميتين للي بيعدوا طريقهم.
شفتي غضب رجالتنا. بيخوفني جدًا إني في يوم من الأيام ممكن أخلص زي ما بيخلصوا هم من شدة الغضب المميت ده. أسراري ضمنت ده.
جيوليا راحت ناحية العربية. إيدها لمست الكابوت كأنها طفل. أنا وقفت جنب فيليبو، وبراقبها.
لفت عشان تواجهنا، خطوة واحدة أقرب للمكان اللي واقفة فيه دلوقتي على اليسار.
'طيب' قالت وهي بتقرب.
ثانية واحدة جيوليا بتضحك، والثانية اللي بعدها بتفقد توازنها، مش شايفه لوح تزلج سيرينا وبتقع.
'جيوليا' صرخت، وحركت جسمي ناحيتها وهي بتتزحلق.
حد أوقفها في اللحظة المناسبة قبل ما وشها يخبط في الأرض بينما أطلقت صرخة عالية، ودفنت أطراف أصابعي الجامدة في دراع أخويا لما مسك وسطي، ولفني في حضنه.
جيوليا عملت صوت مضحك، واللي خلاني أسيب أظافري من دراع أخويا. وأنا ببص على وش أخويا اللي دلوقتي بقى جاد، صدمتي خفت لفضول شديد. أي لعب في مزاج أخويا دلوقتي اتملى بالقلق.
درت، مترددة إني أبص على أختي بينما الشمس بتشرق على يوم السبت الجميل ده. حسيت بعقد بتدفن نفسها جوه بطني. ليه؟ إزاي؟ مش قادرة أقول، بس لما درت عشان أشوف أختي والراجل اللي حاطط دراعه حوالين وسطها، في إحساس واحد أقدر أقول إنه مسيطر دلوقتي، الخوف.
نظراته السودا بتساير نظرتي الخايفة. بس نظراته مليانة عاصفة كانت بتتكون قبل ما يتولد.
مين الراجل ده؟
عنده خطوط فاتحة حوالين عينيه وجبينه، وتجعد صغير بين حاجبيه. وشه منحوت من الحجر. أيديني بتحكني عشان أستخدم فرشاة الرسم بتاعتي عشان أنسخ تقوس خط فكه، الغمازة اللي تحت ذقنه على طول. وشه قاسي، و ياه، يالها من نظرة بدائية هتتعكس على لوحتي.
هو أكبر من فيليبو، يمكن في أوائل أو منتصف الثلاثينات. كتفه عراض جدًا عشان يتحبسوا في سترة بدلته، مهما كانت مفصلة كويس.
التعرف بيظهر في نظراته الثابتة. هل يعرفني؟ أكيد لا. كنت هتذكره.
بيشبه شيطان محاصر بسلسلة مسحورة. مفترس، غير مروض. بتساءل لو كيلي هتسميه نمط تقليدي كمان.
طويل، يقارب 6 أقدام وبوصة واحدة، حتى وهو واقف وساقيه الطويلة مفروقة شوية. مش متأكدة إيه سبب إن ضربات قلبي عالية و بحس بيها. مش قادرة أشرح ليه النبض في رقبتي بيدق بضربات غير منتظمة لدرجة إني سامعة الأصوات في ودني. لا، مش فاهمة أي حاجة من ده.
أقدر أحس بضربات العضو، اللي هو قلبي اللي بيضخ الدم في جسمي.
عبست بينما ظللت أبص عليه، عالقة.
الألفة اللي فيه مش طبيعية، بخلاف نظراته الجزعية اللي بتبص لي، وبتتحداه. بس ليه؟ ليه؟
ممكن ما يبصش زي رين. على أي حال، دينو والراجل ده، بالتأكيد شبه بعض. هل يعرف إني صاحبة أخوه؟ هل ده سبب إني البيادق اللي خدت اهتمامه دلوقتي؟
نظراته السودا بتخترقني بينما بتغطينا نسمة. برتعش.
عيوني، أنا متأكدة إنها بتشبه حد شاف نهاية العالم في 4D Xtreme.
كل ما أطل فيه أكتر، كل ما لحمي بيسخن، واعية بزيادة بالراجل ده، اللي واقف قدامي. ولا واحد من الإحساس دي كويسة أو مرحب بيها.
أختي بتاخد خطوة لورا، وبتكسر تركيزي بينما الصوت الصغير اللي في ودني بيوشوش، عيون القاتل.
وش مظلل بظلال سودا وشعر أسود مش متسرح، على عكس رجل-صنع أعرفه. بس كل حاجة تانية عن الراجل ده بتصرخ مافيا. صح لغاية جسر أنفه ووجوده الأسود المميت.
من الجزمه الشمعة البني لغاية البنطلون الكريمي المفصل والجاكيت اللي بيلبق عليه.