الفصل 49
من قلبِ أماه.
"لازم يكونوا قلقانين عليكي، بيدوروا عليكي في كل مكان. لازم تظبطي الأمور هالمرة..."
"كيف.. كيف بالظبط؟" سألت.
"بالرجوع للبيت. لازم تروحي تشوفي الوالدين، عيلتك كلها. خليهم يعرفوا إنك عايشة وبخير. تفضلي تكوني سعيدة بالعودة وتكتشفي إن أمي في حالة حرجة، ولا تخسري فرد من العيلة بسبب اختفائك؟ ممكن واحد من أفراد عيلتك يجيله ضغط دم عالي والحالة تسوء وفي النهاية، الشخص يموت..."
"الله لا يجيبها..." صرخت.
"أيوه، الله ما يجيبهاش، بس حان الوقت تظبطي الأمور، لازم تحطي الماضي وراكي وتركزِ على استقبال الجديد. ما تقدريش تكملي كده يا أبريل، إنتي مش يتيمة ولا إنتي من غير عيلة..."
أخذت نفسًا عميقًا.
"مش متأكدة إذا كانوا بيفتقدوني أو بيهتموا بي. هما أحسن من غيري وأنا بحس نفس الإحساس..."
الذكريات كلها رجعت تطفو على السطح. غمضت عيني بسرعة عشان الدموع ما تنزلش.
أنا سعيدة إن فيليب فضل، كان خلاص هايفتح الباب ويمشي بعد خناقتنا الصغيرة، لما طلبت منه ما يروحش.
قرر يفضل من غير ما أترجاه كتير.
قعدنا وبدأت أحكي قصتي من جديد.
بالرغم من إنها حاجة تحزن، كنت مستعدة أحكي له كل حاجة، يمكن بس يفهمني وليه كنت في الموقف اللي لقاني فيه.
ليه اضطريت أعيش مع حيوان في شكل إنسان.
لويس، اتغير من الإنسان اللطيف اللي وعدني بحب وسلام وأمان كتير، لوحش.
بقى وحش بيتحرش بي، ويسرق مني، وكان عاوز يخليني عبده.
تحول لـ "بلاك ميلر" بعد ما اكتشف إن فيليب اللي كان مهتم بي أوي، غني.
من الخوف، كدت أخليه ينجح في ابتزاز فيليب.
لويس ما كانش بس هاياخد عربية فخمة من فيليب، كان هيبقى راجل غني لو كنت مشيت على هواه.
أساء معاملتي جنسيًا وعاطفيًا، حتى إنه خدعني وأخد كل مدخراتي.
هددني حتى بعد كل ده، وفقدت تقديري لنفسي.
حسيت إني ما ليش قيمة حقيقية تاني.
بقت زي ظل نفسي.
ما قدرتش أرجع البيت لناسي ولا قدرت أهرب من لويس.
كان عن طريق فيليب إنقذت.
بعدها، بدأت الحرب بيني وبين فيليب.
كنت أكلت علقة في الحياة.
في حالتي الضعيفة، وفي حالتي العاجزة، فيليب تدخل وأعطى معنى لحياتي.
غمرني بالحب والهدايا والاهتمام وأعطاني أمل تاني.
عمري ما هاأذي ملاك زي ده عن قصد.
كنت محطمة، مكسورة، كرهت نفسي لما فيليب عرف عن لويس وأنا.
لسه قدرت أمشي في الحياة لأني بس لقيت نفسي في المدينة الكبيرة دي وكنت عاوزة أكون نسخة أفضل من نفسي.
كنت عاوزة أرجع لناسي كشخص أفضل، مش كطفلة غاضبة اضطرت تهرب من البيت لأني حسيت إني مش محبوبة.
الحياة علمتني درسًا وتعلمت بطريقة صعبة.
كسرت أجنحتي المتكبرة وأذلتني.
دلوقتي أنا أذكى، أفضل من أمس، أكثر اعتمادًا، مجتهدة، وأكثر حبًا وتسامحًا.
أنا سعيدة إن الحرب بيني وبين فيليب انتهت أخيرًا اليوم، الحرب انتهت بعد شهور من المشاكل التي لا تنتهي، والندم، والشعور بالذنب، ووجع القلب، والانهيار العاطفي، والخوف، والغيرة، والأذى.
فيليب رجع، وهالمرة هو مستعد يفضل جنبي كصديق حقيقي.
كنت أرغب في صداقة مع فيليب بشدة، حتى لو مش حنكون أحباب.
كنت بس عاوزانا نقرب من بعض.
في البداية، بدا وكأنه مش حيحصل، لكنه بيحصل أخيرًا، ومش قادرة أخفي فرحتي.
هو الرجل اللي ربنا بعته في حياتي عشان ينقذني من القفص اللي حطني فيه لويس.
كان شعور حلو أوي إني أخيرًا حرة من لويس، لكن كان بيوجع القلب إني أعرف إن الرجل اللي أنقذني بطريقة غير مباشرة ما كانش عاوز مني حاجة.
أنا تحررت مرة تانية، وهاأعمل أي حاجة عشان أعتز بكل لحظة مع فيليب.
بأدعي إن صداقتنا تدوم وتخلق ثقة وتفاهم وحب أكتر بينا.
مش عاوزة أخسر فيليب تاني، لكن الحياة علمتني إن أي حاجة ممكن تحصل بشكل غير متوقع.
مش عارفة إذا كان سامحني تمامًا من قلبه.
مش عاوزة الماضي يفضل ماسكنا أو يبعدنا عن بعض.
مش عاوزة ماضي يجي بيننا تاني.
مش عاوزة أتذكره كمان.
يارب فيليب يحس إنه أفضل معايا مع مرور الوقت، عشان صداقتنا تزدهر.
"أنا متأكد إنهم بيفتقدوكي، وهايدفعوا أي حاجة عشان ترجعي..." قال، جايب تفكيري للحاضر.
في الحقيقة، أنا فعلاً أفتقد البيت. أفتقد أمي وأبي.
أفتقد إخواتي والأخت الصغيرة.
مرت سنين، ساعات بتخيل هما بيعملوا إيه من غيري وأتمنى إني معاهم.
أتمنى لو عمري ما مشيت من البيت.
بس ما كنتش أقدر أتحمل التحيز أكتر، ما كنتش أقدر أتحمل بطاقة المفضلة اللي كانوا بيلعبوا بيها حواليا.
أخدت كفايتي وقررت إن الوقت حان للهرب.
بينما كنت هاربة، وقعت في أيدٍ غلط.
لكن قصتي بتاخد شكل جديد تدريجيًا وأنا بحبه أوي.
"أنت شايف كده؟" سألت.
"أكيد، أنا عارف كده. من كل اللي جمعته، هما ما عملوش أي حاجة من اللي عملوها ليكي عن قصد. أنا متأكد إنهم حتى ما لاحظوش إنك كنتي حاسة إنك مش محبوبة أو مستبعدة. هما شايفينها طريقة لتدريبك، لكن أتفق، ما كانتش أحسن طريقة. ليكي كل الحق إنك تغضبي، لكن الهروب كان غلط. لويس كان ممكن يؤذيكي أو حتى يقتلك، ومحدش هايعرف إيه اللي حصل ليكي. ده يخوف، صح؟"
هزيت رأسي.
كان فعلاً يخوف لما فكرت في الموضوع.
كمل:
"...إيه رأيك؟ عاوزة تزوري البيت ولا لسه مش مستعدة لكده. مش عاوز أجبر الأفكار عليكي، ده قرارك، أنا محتاجك تقرري إذا كان ده اللي عاوزاه بجد ولا ها تفضلي تفكري في الموضوع كويس الأول..."
أخدت نفس طويل. الموضوع كله صوته أصعب مما فيليب يتخيل.
"خليني أفكر في الموضوع، على الأقل أسبوع..." قلت أخيرًا.
"ده تمامًا يا أبريل. خدي كل الوقت اللي تحتاجيه، تمام؟ لما تكوني مستعدة، عرفيني. وبالنسبة لمدرستك..."
سكت.
استغليت لحظة الصمت عشان أعرفه إني فعلاً بدور على القبول ومش في المدرسة لسه.
"أوه، كذبتي...؟" قال وهو بيرفع حاجبه.
ما قدرتش أعمل أي حاجة من تعبيره. فجأة حسيت بالخوف إنه ها يغضب مني عشان الكذبة.
"طيب، عملت كده. ما كنتش عاوزة أبين كإني خسرانة، كإني ما قدرتش أحقق كتير في الحياة. إن أقول إني في المدرسة بيخليني أحس إني على الأقل رايحة في مكان في الحياة. هدف كبير كنت محتاجة أحققه شخصيًا..."
شهقت وكملت: "...أنا آسفة على الكذب. مش عاوزاكي تغضب مني تاني. بوعدك إني ما أكذبش عليكي... تاني..."
ضحك.
"أنا مش غاضب منك يا أبريل. من دلوقتي، ممكن نحاول نكون شفافين مع بعض؟ إنتي عارفة إني بكره الكذب أد إيه. بغض النظر عن مدى الأذى، من فضلك لسه قولي الحقيقة. ما فيش حاجة ممكن تهزني أو تصدمني تاني لما يتعلق الأمر بيكي. أنا بجد عاوزنا نبدأ في صفحة نظيفة، خلينا نسيب القديم ونستقبل الجديد للمضي قدمًا. تمام؟"
"بالتأكيد... أوافق..." قلت.
"زي ما كنت بأقول، بالنسبة لمدرستك؟ يارب مش تمانعي تروحي لمدرسة عادية... دوام كامل، مش شوية وقت؟ الشغل والدراسة مش حاجة سهلة. أنا عاوزك تدرسي أي حاجة عاوزاها وتركزِ بس على دراستك. أنا هاأتكفل بكل المصاريف... بس لو ده تمام معاكي..."
هزيت رأسي بحماس، شكرته تاني.
طلب مني أمشيه لعربيته، وكمان هايوصلني للمكان اللي كنت أنوي أروح له في البداية.
قفلت الباب وخرجنا.
دي فعلًا فصل جديد في حياتي.
أنا عارفة إن الصفحة الجديدة دي حتكون شيقة جدًا.