الفصل 14 عناق طال انتظاره
«الآنسة مو، الرئيس مش عايز يشوفك، لو سمحتي ارجعي».
النور اللي كان في عيون ليسا اختفى فجأة بعد ما سمعت كلام شين يي.
مش عايز يشوفها!
دلوقتي حتى مش عايز يشوفها ولا مرة واحدة.
قلبها كأنه اتمسك جامد، و بيوجعها أوي لدرجة إنها مش قادرة تتنفس.
شين يي بص لها نظرة شفقة وبعدين لف ورجع للعربية.
صوت الموتور وهو بيشتغل جه في ودنها، و بؤبؤ عيونها ضاق فجأة. لو ما شافتهوش المرة دي، مش هتشوفه تاني أبداً.
مع الفكرة دي في دماغها، فجأة جريت لقدام، خبطت على إزاز الشباك اللي ورا، وصرخت للناس اللي جوا من الإرهاق: «جافين، عندي كلام أقولهولك، هتشوفني؟»
بسبب خصوصية إزاز الشباك، هي مش شايفه الناس اللي في العربية، بس الناس اللي في العربية يقدروا يشوفوها.
جافين اتخض من صوتها. لو ما كانش عارف كويس إن الكلام ده طالع من بقها، كان هيفتكر إن ده صوت راجل.
لأنه خشن وناشف أوي، كأنه الحلق تم صنفرته.
و …
بص ببرود على ليسا اللي بتترجاه من بره الشباك، حواجبها اللي على شكل سكينة مكشرة شوية. كانت أرفع من المرة اللي فاتت اللي شافها فيها، خدودها مافيهاش لحم، وعيونها الكبيرة الجميلة الأصلية غرقانة في محاجرها.
تجاهل الإحساس الغريب اللي في قلبه، وسكت وأمر: «شين يي، سوق!»
لما سمع كده، شين يي داس على البنزين فوراً.
ليسا ما كانتش مستعدة، و فجأة العربية خربشتها وهي بتجري بسرعة. جسمها كله وقع على الأرض جامد.
«جافين …»
حاولت بجد تقوم من الأرض وتجري ورا العربية، بس جسمها كأنه اتفرغ من قوته ومش قادرة تبذل أي قوة.
ما قدرتش غير إنها تتفرج على العربية وهي بتمشي وبتسيبها.
من المستشفى لـ فيلا عيلة آلان، هي تقريباً استهلكت كل قوتها البدنية، وعاشت لليوم ده عشان عايزة تشوفه. بس دلوقتي هو مش عايز يشوفها، يبقى هو بجد كسر كل أفكارها.
اليأس والألم غلفوها في لحظة، ووعيها بقى مشوش أكتر وأكتر. مدت إيدها كأنها عايزة تمسك حاجة، بس ما مسكتش أي حاجة. وقريباً، سقطت في الضلمة، وإيدها وقعت بلا حراك.
«تشيب …» الإطار احتك بالأرض وعمل صوت وحش، والعربية اللي مش بعيد وقفت بفرامل مفاجئة.
«شين يي!» جافين وبّخ بدون سعادة.
«يا رئيس، الآنسة مو وقعت على الأرض.» شين يي قال بحرص.
عيون جافين غرقانة. «اعمل نفسك ميت واتجاهلها.»
ليسا ما عندهاش حاجة تصدق فيها في قلبه.
ده اللي قاله، بس هو لسه خلى شين يي ينزل من الأتوبيس ويبص عليها. لو هو بجد بيعمل نفسه ميت، يخليها تخرج بسرعة.
شين يي جري عشان يفحص، بسرعة لف ورجع وخبط على الشباك. لما جافين وطى الشباك، أبلغ بتعبير وقور: «يا رئيس، الآنسة مو شكلها مش بتركب.»
جافين كشر، ونزل من الأتوبيس ومشى من جنبه.
شوفت ليسا نايمة بهدوء على الأرض، كلها في ورطة، بدون حركة كأنها فقدت غضبها.
جافين جز على أسنانه وأخيراً انحنى عشان يشيلها.
عيون سودا لمعت فيها لمحة صدمة. ليه هي خفيفة أوي كده؟
بص على وشها الرفيع، وشك قليل طلع في قلبه. إيه اللي حصلها؟ إزاي ممكن تكوني رفيعة كده؟
…
جافين خد ليسا للمستشفى.
بعد ما الدكتور فحص، وشه بان عليه تركيز وبص على جافين بإحراج.
«لو عندك أي حاجة، بس قولها.» جافين سكت.
الدكتور تردد للحظة. «بعد فحصنا، كمية صغيرة من السموم فضلت في جسم المريضة.»
سموم؟
جافين بص للدكتور بصدمة. «يعني إيه؟»
«أنا بستنتج إن المريضة ممكن تكون أكلت حاجة بتحتوي على كمية كبيرة من السموم قبل كده، اللي قاتلة بما فيه الكفاية، بس ممكن يكون الإنقاذ في الوقت المناسب، الحياة اتنقذت، والسموم اتشالت أساساً، بس كان لسه في شوية بقايا.»
جافين افتكر إن شين يي كان أبلغ بنفسه قبل كده، بيقول إن ليسا كانت اتجننت وأذت نفسها. هل هي عايزة تنتحر؟
بص على ليسا الشاحبة في سرير المستشفى بعيون تقيلة وسأل: «هل السموم المتبقية هتأثر على الجسم؟»
«ده اللي أنا عايز أقوله بعد كده.» الدكتور تنهد وكمل كلامه، «للأسف، السموم أكلت الأعضاء الداخلية للمريضة وعذبت المريضة من وقت للتاني، يبقى مش بدون سبب إن المريضة رفيعة أوي كده.»
جافين ما سمعش اللي الدكتور قاله بعد كده. فضل مركز بتركيز على وش ليسا الشاحب والرفيع، وأيديه اللي بتتعلق جنبه اتكمشت ببطء، وإحساس لا يوصف طلع في قلبه.
إيه اللي حصلها بالظبط؟ ممكن تعذب نفسك للشكل ده.
لما الدنيا نورت بره الشباك، ليسا فاقت.
أول ما فاقت، شوفت جافين قاعد جنب السرير. في الأول كانت ضايعة ومش مصدقة. وبعدين كانت متأكدة إن ده بجد هو، وعيونها طلعت فيها شوية سعادة.
فتحت بوقها عشان تناديه، بس حلقها كان ناشف أوي عشان يعمل صوت. ما قدرتش غير إنها تبص عليه بعيون كبيرة، خوفاً من إنه يختفي في لمح البصر.
جافين نادى للدكتور. بعد الفحص، هي عدت الفترة الحرجة، بس الألم تقريباً قتلها.
وهو بيبص على شكلها الضعيف والنحيف، جافين ما قدرش يربط ليسا الأنيقة والواثقة معها قبل كده، وقلبه حس بألم غير مفهوم. تقدم وحضنها بهدوء.
عيون ليسا غرقت في دموعها فوراً لما شمت الريحة اللي بتعرفها عليه.
من زمان أد إيه وهو ماسكها كده؟
دفنت وشها في حضنه وخلت الدموع تتزحلق بصمت.
لفترة طويلة، بصت لفكه الصافي بعيون حزينة. قالت: «جافين، لو مت، لو سمحت احميني من أي ضرر.»
لما سمعت كلامها، جافين لوى حواجبه وما قالش حاجة.
بدون ما تسمع رده، ليسا طلبت تاني، «جافين، وعدني، هتعمل؟ احمي عقلك ومتخليش ناس تانية تأذيه.»
«ميسنج هو ابني، مش هخليه يتأذي.»
مع إن صوته كان بارد وبدون مشاعر، ليسا لوت شفايفها وابتسمت.
بوعده، هي ممكن تمشي بأمان.
جافين حطها بهدوء على السرير وقال: «ارتاحي كويس ومتفكريش كتير.»
مع إن شكله لسه مو مو وبيتكلم بدون أثر من المشاعر، ليسا كانت راضية.
قفلت عيونها بابتسامة ونامت.