الفصل 44
أحيانًا، الطرق الطويلة مش بتوصلك للمكان اللي بتحبه.
-----------------------------------------+----------+----------+--------
بتعرفوا؟ لما كنت صغيرة، كنت دايما أعشق السما فوق الحد، عشان وقتها ما كنتش أعرف إنها مالهاش حدود، إنها أبدية زي اللا نهاية.
الغيوم المنفوشة دي، كل ما بصت علي، كانت بتخلي دماغي عالية، عالية أوي لدرجة إني كنت بتحمس، و أفكر في كل حاجة مش عندي.
دلوقتي! عارفة إني بغبي إني بسترجع كل الحاجات اللي حصلت في الماضي. و مش عارفة ليه بفكر في كل ده دلوقتي...
بس برضه، مقدرش أهرب من الفراغ اللي في صدري. كل ما فكرت إني في يوم هقدر أطير عالي في الغيوم، و بس الشوق هو اللي مستني يتحقق، الحقيقة الوحيدة اللي لازم تتقال، بس أميال عشان ألاقي المكان ده المفقود من صدري. التقلص اللي بيوجع قلبي يختفي.
بس مين كان يصدق؟ كنت عايشة في وهم؟
مين كان يتوقع إن كل حاجة في حياتي كدب! مجرد كدب كامل.
كنت بأمل أغير نهايتي من غير ما أعرف عن البداية؟
و بس النهاردة أدركت إني كنت غبية إني وقعت في كل الأكاذيب دي، إني أقع في كل الفخاخ دي، إني أقع من لعبة قطار الملاهي العالية دي في ولا حاجة، و أكون لسه مريضة بالبارانويا في نفس الوقت.
كل الصور الباهتة لنفسي كانت بتطفو في دماغي. كل ما أدور على أبويا، و الملايين المرات اللي بكيت فيها عشان أمي تكون ليا، و الطرق الرقيقة اللي كنت بسألها بيها عن أبويا.
و في الرد، كنت بس باخد قصتها هي، اللي آمنت بيها، اللي لزقتها في دماغي عشان أصدقها، و أحيانًا كانت بتقولي إنه مات، و إنها هي الأب و الأم الوحيدين اللي لازم أهتم بيهم.
و زي جرو ضايع تعبان، كنت بأصدق كل حاجة قالتها لي.
و لو ده ما كفاش، الفقاعة الوهمية الرقيقة دي فرقعت في يوم من الأيام، و الخجل سيطر عليا. الخجل! أيوة، كان هو نفس الشيء بالنسبة لي اللي شجعني أدور عليه لوحدي.
بس الأمور ما كانتش ممكن تكون أبسط من كده قبل كده. فكرت... فكرت! اللعنة، كنت فاكرة إني أعرف كل حاجة بعملها، بس هنا، و أنا بأسترجع اللحظة دي، أدركت إني ما أعرفش! ما أعرفش مين اللعنة دي أنا؟
و مين الراجل ده؟
قلبي بيدق، بس بيدق في امتلاء الإيقاع الرقمي للأرقام، بسرعة أوي لدرجة إني مقدرش أفكر صح.
كل الحاجات دي بعد ما دخل حياتي، كانت مخططة؟
متغبيش!
أنا مش غبية، لأني غبية. غبية بما فيه الكفاية إني ما أدركش إيه اللي بيحصل حواليا.
"إيمي! إيمي!"
صوت خافت دخل سمعي، و كان فيه سواد في كل مكان كنت نايمة فيه. كنت محاطة بالظلام و لا شيء.
طلوع و نزول صدري بيخليني أتساءل إذا كنت هموت، هل دي نهاية حياتي؟ هل دي الطريقة اللي هموت بيها من غير ما أعرف أي حاجة؟ من غير ما أتزوج فعلًا، أو من غير ما يكون في أي حاجة حقيقية في حياتي.
اسكتي! بتبالغي. دي بس نوبة هلع صغيرة، مش نوبة قلبية، يا ربي.
أوه. يبقى مش هموت.
"اصحي دلوقتي! و إلا... و إلا... هابوسك هنا و دلوقتي!"
لو كان عايز يبوسك، ما كانش لازم يقول حاجة زي دي. كان بس هيعملها من غير ما يسأل.
لا! اللعنة، صوتي الداخلي، ممكن تسكت للحظة بس؟ مش عايزة بوسة دلوقتي. اللعنة، بعد كل الحاجات دي، هو بجد بيقترح كده.
عيني كانت تقيلة، و دماغي بتدور، و لسه صوته بيردد في قلبي كأنه هيشقه لقطع مختلفة.
صوت في دماغي بيقولي أثق فيه، بس غير كده، جزء أكبر من صوتي بيقولي أتراجع قبل ما الحقيقة توجعني من غير سبب.
بس برضه، معنديش أي اختيارات تانية، يمكن هو صح، و يمكن هو يعرف عن أبويا. استوعبت، ما عنديش أي فكرة هو فين أو معنديش وقت كفاية إني ألاقيه هنا. يمكن يكون هو مفتاحي إني ألاقيه، يمكن يكون هو أملي الوحيد، و في اللحظة دي، الحاجة الوحيدة اللي محتاجاها أكتر حاجة هي الأمل.
باستنكار، بصيت في عينيه، اللي كانوا بيبصوا عليا بالفعل. متجاهلًا كل النجوم السعيدة في السما، متجاهلًا صوت الريح المليئة بالصدأ، و متجاهلًا أمواج المحيط.
هو تجاهل كل الحاجات، بس عشان يضيع في إخلاص عيني...
"إ- إزاي؟" اتلعثمت.
"أوه إيمي، لسه معندكيش أي فكرة عن أي حاجة، صح؟"
معنديش أي فكرة عن اللي قاله، أو اللي قاله في اللحظة دي. كأن كل حاجة اتغيرت بينا. صمت، مش الصمت الخطير، بس صمت توقع الأشياء و بس تبص في العيون، سقط بينا.
راسه انشقت في حركة واحدة من جانب لجانب، و هو بيهز رأسه و بيفكر في حاجة شجاعة بما فيه الكفاية عشان يركز عليها تمامًا.
"بعد كل الأدلة دي، بعد كل الحاجات دي، لسه معندكيش أي فكرة عن أي حاجة..." كأنه كان بيكلم نفسه دلوقتي أكتر مني، و قبل ما أقوم بأي شيء أو أفعل أي شيء، مسك كتفي بقوة، "مش شايفه إني مهتم بيكي، يا لعنة!"
استنى إيه؟ مهتم بيا؟
يا ربي! ليه هو معقد أوي كده؟ في لحظة، كان بيسحرني بالحقيقة، و في اللحظة اللي بعدها، كان قريب أوي إنه مستعد يكسر قلبي لملايين القطع، كأنه ما عملش أضرار كفاية.
و إيه الكلام اللي قاله؟ إننا ننتمي لبعضنا البعض؟ هل كان بيحتفظ بالعبارة دي عشان تتقال؟ و لا إنه ما كانش بيتجول في الشوارع و هو بيبوس كل البنات. أو إنه ما كانش واخد لقب "بلاي بوي"!
كأنها لعبة. عميقة و ميتة بالغموض. لأنك لسه معندكيش أي فكرة إيه اللي بيحصل حواليكي.
بس، على الأقل، هو يعرف عن أبوكي، يبقى خلينا نمشي مع التفاصيل دي أولًا.
مسكت إيديه. فجأة، و هو ضايع في عالمه.
"أرجوك! عايزة أشوف أبويا. عايزة أقابله، كول... أرجوك ساعدني..." شهقت.
ما كنتش عايزة أعيط، بس مقدرتش أوقف نفسي. مقدرتش أمنع نفسي من إني أتهد قدامه.
أنا---أنا حاسة إني ضعيفة أوي في اللحظة دي، و المكان الغريب ده فيه كل حاجة تستهلكني فيه. النجوم دي اللي بتبص عليا، و عمرها ما عرفت أي حاجة، بس بتبص عليا، و الريح دي انحفرت في طاقتي، فيها حاجة دافية. الشاطئ و رمله أكتر راحة من أي حاجة في العالم ده. كأني دايما بعتمد على حياتي عليه، و الجو ده دافي أوي، كل حاجة مثالية أوي، مثالية لدرجة إني أخاف إني أنسى كل حاجة، إني أضيع فيها.
بتعرفوا، ده الشيء عن القلب، دايما بيطلب اللي عايزه، متجاهلًا كل السمعة التانية فيه.
مابصش عليا، طلع موبايله من جيبه، و نقر على حاجة فيه بغضب. بصعوبة، قدرت أواجه التأثير اللاذع لقلبي، وقفت و أنا بضغط على رجلي، و مستعدة أهدم الرمل اللي تحتي من كياني لعقلي اللي بيعمله بعنف.
لسه ما لاحظنيش. فكه كان مشدود، العروق كانت بتظهر من رقبته و دراعه، و كان فيه حاجة غلط في الموقف ده معاه.
كأنه... هو كان حاجة تانية دلوقتي، حاجة خطيرة، و يمكن أكون شريرة أوي، أو أنانية أوي إني أعمل ده، بس معنديش خيار غير ده.
انحنيت و مسكت ياقة قميصه بكلتا يدي، بشدة أوي لدرجة إنها مش هتتحرك من المكان الصعب ده.
بسرعة، أجبرته إنه يعمل تواصل بصري معايا، بس لسه ما كانش مستعد. لما لمسته ارتجف بلمسي.
كفاية من ده!
"عايزة أشوفه! فاهم ده؟ عايزاه ياخدني ليه!" و مع ذلك، ما بصيت يمين أو شمال، ما بصيت في عينيه، ما اهتميت بالنجوم، و لا بالموجات الخفيفة للهوا اللي حوالينا، ما اهتميت بالموجات الإيقاعية للمياه.
بس اهتميت بس بالاستعجال إني أشوف ديفيد باركر.
***
بدأ الجو يبرد و يظلم أكتر، و أنا قاعدة جنبه في المقعد الأمامي للعربية، كل حاجة بدأت تديني قشعريرة.
أعتقد إني يمكن بقيت وقحة، عشان هو ما اتكلمش بكلمة واحدة معايا. ما كانش فيه موسيقى بتشتغل جوه العربية، و لا سمعة بتتعمل من أي طرف فينا، الصوت الوحيد اللي جه جوه هو صعود و هبوط تنفسنا.
إيديه مسكت بإحكام على عجلة القيادة كأنه هيخلعها من العربية.
و فوق كده، ما كانش فيه عربيات حوالينا. و لا حتى أي مركبات تانية، بس طريق طويل كنا ماشيين فيه في صمت. و ده مزعج، عشان يمكن أحس إن الصمت ده خطير، صمت ما قبل العاصفة... كأن حاجة كبيرة هتحصل...
إيه اللي ممكن يحصل لو قتلك؟
أو أسوأ من كده، يتركك في منتصف الظلام الضايع؟
الأفكار دي بدأت تتدفق في رأسي. بس عشان أخمد الحقيقة، فكرت إني لازم أسأله. مش إن هو هيقتلني، و إيه اللي هيحصل لو حاول يعملها؟ عندي قوة كفاية إني أحاربه، بعد كل ده، أنا الأذكى.
بجد؟
اسكتي! "أممم، كول، متأكد إن دي الطريق لأبويا؟" تحركت في مكاني و أنا بحاول ما أبينش أي رقصة عزاء على وشي.
ما قالش أي حاجة، بس إيه السؤال اللي ممكن يتوقعه مني؟ مفيش بيوت، و لا مباني متاجر، و لا أرصفة، و لا حتى إنسان واحد. طيب، يمكن البشر مفقودين، لأن ده وقت الليل، و مغلوبين بالجو البارد للريح.
ما ردش؛ في الواقع، و حتى ما بصش عليا. بس سرع عربيته على حافة كسر كل الحواجز بين الريح و السرعة.
يمكن بيحاول يتحدى الريح، تدفقها. يمكن بس بيحاول يتغلب على نفسه بالأفكار اللي عنده.
لأول مرة في حياتي، حسيت بالخوف من النتيجة. حسيت بالخوف من النتيجة، كان فيه قشعريرة على جلدي. و قلبي؟ الأفضل إنك متوصلش هناك... إزاي بيدق في صدري. إزاي بيخليني مريضة.
بس الإلحاح إني أسأل، الإلحاح إني أعرف إيه اللي هيحصل في اللحظات القليلة دي من الحياة، خلاني عايزة أسأل مرة تانية...
"مش هتسمعني؟ قول لي إذا كنت هتقتلني، عشان أعرف أحاربك."
حميت دراعي قدام صدري، و أعطيته نظرتي القاتلة. لو النظرات بتقتل، كان هيموت، أو يمكن أنا اللي هموت؟
مش عارفة.
بطريقة ما، نبرة صوتي، و طبيعة الحادث دي المقززة، لفتت انتباهه. و بس للحظة صغيرة أوي، شفتي حاجة في عينيه، عمري ما فكرت إني هشوفها في حياتي كلها...
شفقة!
أيوة. ده اللي شوفته.
بس برضه، معنديش أي فكرة ليه؟
صمت غريب لفنا، لما العربية السودا بتاعته وقفت عشان تقف.
قلبي كان بيدق بعدم انتظام، بيصعد و بينزل ضد إرادتي.
المشهد كان ميت زي فهمنا المتبادل. ما كانش فيه حتى بيت واحد، و لا النجوم بتبص عليا، و لا الريح كانت بتتحرك في الهوا. بس مشهد صيد كان هناك عشان يحييني بقوته.
فيه حاجة غريبة عن العالم ده، و أكتر من كده، حاجة غريبة عن شواهد القبور.
وقفوا بقسوة، بغرابة، ضد حكمة العالم الحديث من غير ما يعبروا عن حقيقتهم. عندهم قوة، و بيجرأوا إنهم يكسروك لملايين القطع.
بس، بطريقة ما، انتهيت و أنا واقفة قدام شاهد القبر، اللي مكتوب عليه ديفيد باركر.
------------------------------------------------------------------+-----------------