الفصل 46
الوقت هو أسوأ عدو للبشرية. لأنه لما بيمر؛ أنت مش بتحس بحاجة!
-----------------------------------------------------------------
الوقت...
يا له من شيء عنيف. الشيء اللي مابيهتمش بحد. مابيتوقفش عشان أي حد، بس يمكن يمكن بس هو وقف دلوقتي.
هو وقف كل حاجة صغيرة في اللحظة دي. اللحظات اللي غيرت كل حاجة.
الولد ده اللي معاه صورة بولارويد في إيده، بيبص لي بالضعف ده هو نفسه اللي شوفته في أحلامي. هو كان الشخص اللي فاكرة بينادي على اسمي مرة ورا مرة بعد عربية بتجري.
اللي بيبص لي في الليالي اللي فيها أرق، اللي بيهمس لي في أحلامي، بس لسه بيبان زي بقعة باهتة في الضلمة.
"لسه مقدرتش أتخطى حقيقة إنك ماعرفتينيش،" همس.
وفي اللحظة دي أدركت إزاي الوحدة ممكن تجرح حد للآخر. كان فيه ألم في عينيه، مجرد ألم بسيط. ألم إنك مش فاكراه، ألم إنك مش بتتعرفي على كل حاجة في نقطة البداية.
وأنا عارفة إني جرحته بمليون طريقة. مفيش مقارنة بين تصرفاته وبين جهلي، لأن فيه حاجات ماينفعش نقارنها؛ فيه حاجات ماينفعش نشوفها. اللي محتاجينه بس هو إننا نحسها. وأنا حسيت بيها كويس أوي، باللي عملته في الشهور اللي فاتت دي.
والسخرية إنني حتى مش قادرة أفكر بعقل صافي عن اللي عملته. تفكيري ما تغيرش من صور طفولتي الضبابية، بس لسه، ممكن أسمع الصوت في رأسي؛ بينادي على اسمي مرة ورا مرة.
مكانش فيه كلام يتقال، لأن عينينا كانت بتتكلم بدالنا. لسه، لما وصل بكفوف إيديه الناعمة على خدي في عملية مداعبة ليهم.
كان فيه وقفة طويلة ومُرهقة بينا. مش لأننا كنا بنعملها غلط. لأننا كنا مستنيين اللحظة دي في زوايا قلوبنا لوقت طويل، ولما بتحصل بيكون صعب نصدق.
عمرك سمعت المثل ده –
إحنا بنستنى كل السنين عشان حاجة استثنائية تحصل لنا، بس لما بتحصل؟ مابقاش فيه رد فعل نحس بيه.
بيداعب خدي لوقت طويل أوي، عيني اتقفلت. نفسه الساخن كان بينفخ على خدي الشمال. يمكن هو قرب مني.
أطراف أصابعه الناعمة والباردة لمست وداني، وأنا عارفة إنه عيب إني أعبر عن ده، بس لازم تكون بتتحرق من السخونة.
أنا عارفة إني بـ أجنن كل حاجة. ده مابيسواش حاجة قصاد قبلة شاركناها في الماضي.
بس اللحظة دي، السخونة دي، وجوده، والأهم الصمت ده جننني.
أنا مش قادرة أعبر عن اللي بحس بيه، أو يمكن قادرة بس أنا ضايعة.
"كان فيه وقت كنا قريبين أوي، تقريبًا مفيش بديل."
نفسه الساخن اللي كان بينفخ عليّ ضعفني خالص على ركبي.
كان زي الحلم.
حلم فيه كل حاجة. حلم بكل آلاف الدقايق اللي قضيتها وأنا بتخيل السيناريوهات الضبابية دي في دماغي.
"في الليلة دي لما أمك خدتك معاها؛ كنت عايز أوقف ده، بس مين هيسمع لبكاء ولد عنده ست سنين؟ مين هيسمع لأفكاره؟ مين هيهتم لقلبه؟ أنا عارف إنه ممكن يبان طفولي بس هو ده اللي كان. مش هكدب بس يمكن نسيتك... يمكن مافتكرتش حاجة عنك. ومع ذلك، أبوك كان الشخص اللي دايما بيفضل في صفي ومخلنيش أمسح ذكرياتك مننا.
لما أمك خدتك معاها بعيد عن فلوريدا؛ فكرت إني مش هشوفك تاني في حياتي، بس الحاجات بتحصل والوقت بيتغير..."
بصيت من الشباك، بس مقدرتش ألاقي أي حاجة من منظر الطريق أو الطرق. مفيش حاجة. اللي كنت بشوفه هو منظر ضبابي باهت بيلعب قدامي. كنت بجري بدمية في إيدي؛ كنت بجري ناحيته. كان عنده عيون بنية بالشيكولاتة، وأي وقت بتشوفها، ممكن تشوف ألم مابيتحملش. خصل شعره البني كانت مغطية وشه المنحوت وهو بيحرك رجله الشمال على السلم، بس راسه كانت مرفوعة للسما، وهو بيمد إيده لي؛ مابيفقدش الاتصال بينه وبين السما.
"إيه اللي هيحصل لو وقعت؟" مسكت الدمية بتاعتي في إيدي، مش قادرة أفكر في أي حاجة بسبب الخوف.
الولد ده مابيتكلمش للحظة. هو بس بص في العيون الزرق. وهو كان ملزم يقول حاجة، بس ساعتها وشه المنحوت بقى واضح، "بتثقي فيّ؟"
كان سؤال بسيط يتسأل. كان سؤال بسيط عشان نتأكد من اعتمادية أي حد، بس كانه كان بيسأل السؤال ده لنفسه.
وناسيًا كل حاجة، بوري له أسناني المثالية، مسكت إيده أعلى من ما كنت ماسكة الدمية، همست، "دايما!"
دلوقتي، الحاجات كانت بتدي معنى أكتر ليا.
أي وقت بسأله عن حاجة، عمره ما رد عليها في أول لحظة، دايما بيبص في عيني، بيحاول يدور على الذكريات دي، في أمل إنه في يوم يلاقيها.
صوت صرير مفاجئ رن في وداني. هو كان بيسرع العربية كأنها مضمار سباق.
كل حاجة بدأت تطفو قدامي.
"هيحصل لنا حادثة لو ماوقفتش!"
صرخت أو يمكن حاولت بس الصوت طلع ضعيف أوى فوق صوت الريح.
لسه، الدركسيون كان في إيده وهو بيبص لي ناسيًا كل حاجة تانية في الدنيا دي. كأنه مش موجود بالنسبة له خالص.
"بتثقي فيّ؟"
وفجأة، هو مابقاش الولد أبو تمنتاشر سنة تاني. كان بيبان زي الولد اللي شوفته من لحظة؛ لابس قميص بولو رمادي وبنطلون أسود، هو مد إيده قدامي.
قبل ما أفكر في أي حاجة تانية، قبل ما أقدر ألومه على سلوكه الفظيع. الجحيم قبل ما أقدر حتى أوقف نفسي. كنت بالفعل مديت إيدي عشان أقابل إيده الباردة، "دايما؟" كنت همست من غير حتى ما أعرف أنا بعمل إيه.
****
العربية كانت مركونة قدام مبنى شقق مكون من دورين، والجيران عندهم شقق مكونة من تلات أدوار.
أنا عارفة إني عمري ما كنت هنا. عمري ما حسيت نفس هوا هنا؛ عمري ماشفتي سما الألف نجمة، بس ممكن أحس بكل حاجة من هنا. ده اتصال عنده تناقض بين هنا وبين الرجوع لمانهاتن. ومش مهم فين هعيش حياتي كلها – سواء في مدن مختلفة أو في بلاد مختلفة، مفيش حاجة ممكن تحل محل فلوريدا من قلبي. ممكن أكون في أي مكان على الأرض، بس العاطفة بيني وبين المكان ده ماينفعش تتحل محلها، ولا حتى في مليار حلم.
ممكن أشوف جنينة البيت اللي مالهاش حياة. ممكن أحس في كل إنش من جسمي كأن حاجة كانت ناقصة منها. حاجة قوية أوي، ومع ذلك ضعيفة أوي، لدرجة إنها كانت بتخليني أتأخر سنين عشان أجمع حياتي لسنوات.
يمكن ده مابيديش معنى، وربما بيديه دلوقتي عن الثقب اللي بيمسك جوا صدري.
بس إيه اللي ممكن أعمله دلوقتي؟ لما تدرك إن الجزء الأكبر اللي كنت فاقده في حياتك كلها للتو فقد طريقه؟
وأنا عارفة إنه مفيش حاجة باقية ممكن أعملها.
سيناريو ضبابي بدأ يلعب قدامي. دلوقتي، الجنينة مابقاش فيها الحكمة البائسة، كانت مزهرة بآلاف أنواع الزهور. أشعة الشمس كانت بتخلي كل ده بلوري، زي نجوم كتير جت على الأرض عشان تخليها متفوقة.
الشجرة القديمة العملاقة لجوز الهند بتبان مندهشة وبارزة جواها، زي كأنها هي اللي بتوصل للسما عشان تتحدى حدودها.
الجو البارز في فلوريدا، السما الصفراوية البرتقالية كانت بتذوب في الأفق والطيور كانت بتطير عالي لحد ما تختفي في بيوتها.
وساعتها سمعت صوت؛ صوت بيبان مألوف – اللي نقر حفرة في صدري.
أنت ارف إن الحب عنده أشكال مختلفة!
لما بيكون من الحبيب، هيطير عقلك بسرعة. هتحس بس بالحب ولا حاجة تانية لو كان دايما meant for you. وهتعرف إمتى بيكون حقيقي أو لأ. لأن الحب الحقيقي مالهوش حدود، هو أبعد من الكون، الإحساس ده ماينفعش يتدمّر. هو زي مخدر بيمشي في جسمك خلال عروقك ومن غيره ما تقدرش تعيش. هو زي إنك دايما بتدي نفسك أفضلية تانية لأن الأفضلية الأولى بتقف للحبيب الحقيقي. لما مايكونش عندك تفكير قبل ما تتكلم؛ لما تعرف إن دايما فيه شخص ليك مهما حصل.
ده التعريف اللي نعرفه عن الحب الحقيقي صح؟
بس مش مهم تلاقي شخص وبعدين تقع في حبه.
دايما ممكن يكون عندك حب في قلبك؛ بس هو بس محتاج وميض نور عشان تلاقيه.
حبي لـ أبويا كده. وأنا عارفة إني متأخرة. أنا متأخرة أوي إني أدرك ده. لما اللحظات بالفعل انزلقت من إيدي، بس لسه بحاول أمسكهم.
ضحكته، صوته اللي بيتغذى بعمق – لسه ممكن أسمعه.
لكل السبعتاشر سنة بتوعي، فضلت بتساءل إيه اللي كان ناقص فيها. ليه قلبي بيوجع أوي كده؟ لسه ما عنديش الفكرة الكويسة اللعينة، بس دلوقتي كل حاجة بتدي معنى.
الجنينة البائسة اللي مالهاش حياة لسه عندها وجوده.
ممكن أشوفه بيجري ورا بنت عندها خمس أو ست سنين، اللي كانت خايفة إنها تضيع، بس كانوا بيلعبوا لعبة الإخفاء والبحث، مش عارفين إنهم هينفصلوا للابد.
ممكن أشوف؛ نفسي بعيط لما وقعت على حجر صغير. قبل ما يجي عشان ينقذ دموعي، كول كان في صفي بيمسح دموعي بإبهامه الناعم. وساعتها عيونهم تقابلت؛ عهد بكلمات مابتقالش اتعمل بينهم زي وعد. ساعتها أدركت حاجة واحدة كنت مهملها قبل كده.
هو كان يعرف. هو عرف كل حاجة.
"عشت هنا قبل ما أجي لمانهاتن. كان بيتي، أرضي، وهو كان زي أبويا. عمره ما عمل حاجة غلط. عمره ما خان أمك. إزاي ممكن يعمل كده؟ هي كانت الست الوحيدة عنده، وأنت كنت أغلى بنت عنده، بس لسه، أمك عمرها ما أدته فرصة إنه يشرح عشان يوضّح الأمور.
أنا معرفش كتير عن أمك بس اللي أعرفه هو – هي بتفكر إن اللي بتعمله صح. يمكن عملت أحسن الحاجات في مشوارها بس هي ضايعة جوا، وربما في يوم هتدّرك ده زي ما كلنا بنعمل."
أنا بعيط، بتوسل إني أتحرر، بس أم خطفتني من إيدين أبويا المحتضنين وحملتني في عربيته. وساعتها بس سمعت الجملة اللي كنت بحلم بيها سنين دلوقتي، "ماتروحش أرجوك ماتروحش. إيمي!"
"العم ديفيد ميعرفش حاجة أنت فين وأمك لحد ما في يوم شاف توجيهات الجرايد اللي فيها اسمها مذكور، اسم أمك. بس أنت عارف لما تفضل في الضلمة سنين وبعدين فجأة تشوف شرارة. الشرارة دي كانت كافية بالنسبة له إنه يلاقي، لحد ساعتها كنت بخمسة عشر سنة. وهو كان بيضعف يومًا بعد يوم، ثانية بعد ثانية...
...لازم تكون بتتساءل ليه ما مشيتش من هنا؟ إيه الجحيم اللي كنت بعمله مع أبوك، بس الحقيقة لازم تتقال بعد موت أمي اللي حصل من عشر سنين فاتوا. أبويا هجرني في البيت ده لوحدي مع مدبرة منزل، بس عشان يتجوز ست تانية.
لقيت اللي كنت بتمناه في أبوك، وأي وقت بيتكلم عنك، بقع في حبك أكتر.
من سنتين لما اكتشفنا إنك في فلوريدا، حضرنا شنطنا وحجزنا تذاكرنا بس عشان نشيل الوحدة اللي هو وأنا كنا بنحس بيها. بس المصير عنده طريقته، هو دايما بيشتغل بالطريقة اللي عايزها. هو مابيهتمش بالمشاعر وأكيد أكتر مابيهتمش بالتوقيت...
..ربما توقيتنا كان غلط، ربما كل حاجة كانت مجرد فقاعة وهمية دقيقة محتاجة تنفجر، لأن العم ديفيد يقدر يتحمل أي حاجة بس ماقدرش يجتاز أزمة قلبية.
مات بعد عشر أيام من المعاناة.
ماتكلمش كتير في آخر لحظاته، لأنه في سن الخامسة والأربعين، عينيه كانت بتتصرف زي عمر مية سنة. زي كأنه خلص كل حاجة، وكأنه مش عايز يقاتل تاني. بس لسه، العيون دي اللي بتخترق قالت الحاجات اللي عمره ما احتاج يقولها. عشان يعمل كل الحاجات من فلوريدا لمانهاتن."
كنت بحاول أواسي دموعي بس مقدرتش، لأني كنت ضايعة في الكلمات، كنت ضايعة في كل حاجة. حسيت إني أفقر شخص في الدنيا. وشريحة من الدموع بدأت تطلع من عيني زي مية المحيط.
هو ضحك ضحكة حزينة، ضحكة فيها ألم كتير أوي، "وكنتي بتفكري إنك مش كويسة كفاية لما كنتي الفائزة في مسابقة طالب السنة."" همس.
---------------------------------------------------------+------------
----------------+------------
أيام سعيدة دي.