الفصل 2
ألفا فريدريك انطلق بسرعة إلى الكوخ اللي ولدت فيه مرته، وابتسامة عريضة على وشه.
ما قدرش يسيطر على الفرحة اللي حس بيها في قلبه وهو شايف بنته الصغيرة الغالية، اللي مرته ماسكاها، ومرته كمان كانت مبتسمة بسعادة.
بخطوات حذرة، قرب من بنته، متحمس ومتشوق إنه أخيراً يضم بنته في حضنه. أخذوا أكتر من سبع سنين جواز عشان أخيراً يخلفوا طفل خاص بيهم. سيليا للأسف عانت من كام إجهاض، والمرة دي وهي حامل في ملاكهم الصغير، أخدوا احتياطات كتير عشان يتأكدوا إنها تولد طفلها بأمان وبصحة.
فريدريك وسيليا حبوا بعض في اللحظة اللي عرفوا فيها إنهم مقدر لهم يكونوا أزواج، في سن التمانتاشر وستاشر سنة على التوالي. بقوا على طول مع بعض لدرجة إنهم بيتوجعوا لو بعدوا عن بعض.
"الحمد لله لإلهة القمر، لأنها منحتنا وجود ملاك مالوش زي." قال بقلب ممتن.
انحنى وباس جبهة مرته قبل ما تسلم له البيبي بحذر. ابتسم على وسع وهو في حضنه، صوابعه الصغيرة بتلف حوالين صباعه الإبهام، وده سمح له إنه يحس بإحساس جديد ومش مألوف بالرضا يغمره.
في اللحظة دي، ماركوس، الذئب اللي بلغ فريدريك عن غزو قطيع سيلفرمون، انطلق بسرعة بوجه يائس.
"ألفا، للتو جالي خبر من خلال رابطة عقلية إنهم بيقربوا، وصعب على رجالتنا هناك إنهم يصدوهم. جم أفواج، يا سيدي." بلغ ماركوس فريدريك.
فريدريك اتنهد، وابتسامة صغيرة بتظهر على شفايفه. بص على بنته الجميلة مرة كمان، وثقته ارتفعت لما أدرك قد إيه هي نعمة ليه وللقطيع.
"هانتصر عليهم النهارده، لأن النهارده اليوم اللي اتولدت فيه ملاكي، ومحدش فيهم هيمشي من أراضيني حي! هيندموا على إنهم لعبوا معانا." زمجر بصوت منخفض وخطير.
حط بوسة صغيرة على جبهة بنته قبل ما يرجعها لأمها. ابتسم لمرته مرة كمان، وسلمها على إيديها آخر مرة، وعيونهم بتقول كل حاجة لازم تتقال. ساب الكوخ بسرعة عشان يقاتل ضد قطيع سيلفرمون الجريء، اللي تمادوا بإنهم عدوا على أرضه.
سيليا زمجرت بألم بمجرد ما فريدريك خرج من الرؤية. كانت حاسة بألم شديد تحت بطنها، بس لازم تتصرف كأن كل حاجة تمام، لأنها ما كانتش عاوزة فريدريك يقلق عليها ويتجاهل الحرب اللي في إيديها.
"لونا، كويسة؟" سألت مارلين، وهي بتلاحظ قطرات العرق اللي اتكونت على جبهتها والهمهمات الهادئة.
قبل ما يجي فريدريك، سيليا خلت مارلين تتصرف كأن كل حاجة تمام عشان ما تقلقوش أكتر في الحالة اللي هما فيها.
كانت بتلاقي صعوبة في التنفس وبتفقد دم كتير، بس ده كان أقل همومها. الحرب اللي بتحصل هي أهم حاجة عندها، عشان كانت عارفة إيه ممكن يحصل لو الأمور ساءت، وده السبب اللي خلاها تاخد قرار إنها تتأكد إن فريدريك يقاتل، ويا رب يكسب، عشان يحمي كل أعضاء القطيع وملاكه الصغير.
كانت عارفة لو عملت أصغر غلطة وعبرت عن ألمها، مش هيمشي من جنبها، والأعداء هينجحوا في إنهم يدخلوا أكتر لأراضيهم، وفي العملية دي، هينهوا حياة ناس كتير أوي.
كان عندها ملاكها الصغير، ومش عاوزة تشوف بنتها تموت قدام عينيها.
"أنا..." سيليا شرقت بكلماتها. كانت عارفة إن وقتها جه، وعلى الرغم من إنها بتحب تموت جنب جوزها، كانت عارفة إن ده مش هيحصل، وده بيوجعها إنها تعرف قد إيه هيكون مكسور القلب لما يرجع يلاقي جثتها باردة.
"سيليا، أرجوكي، حاولي تتنفسي، بتوسل إليكي. اعملي ده عشان بنتك." قالت مارلين، وهي بتتمنى وبتأمل إن الأمور ما تسوءش. من جواها، كانت عارفة بالفعل إن سيليا مش هتنجو، أو على الأقل مش بسهولة. واجهت مضاعفات كتير أوي أثناء الولادة، وبمجرد ما البيبي خرج، بدأت تفقد دم كتير.
دمعة نزلت على خد سيليا، وكأنها حاسة بضيق أمها، البيبي اللي في حضنها بدأ يعيط بصوت عالي.
"م... ملاكي الغالي." تلعثمت وهي قلبها بيتكسر لآلاف القطع.
مارلين أخدت البيبي بعيد عن سيليا بحذر، وبدأت تهزه بالراحة عشان ما يعيطش.
"ا... اهتمي بـ... بـ نفسك يا بنتي." تمتمت بصوت منخفض وهي صوتها بيبدأ يروح. تمنت في اللحظة دي إن بنتها تقدر تفهمها عشان تقدر تقولها ألف مرة قد إيه بتحبها.
"مارلين، أرجوكي اعتني بـ... بنتي وقولي لـ... فريدريك، أنا دايماً معاه." قالت، وهي بتتنفس وبترد الزفير بصعوبة كبيرة.
كانت عارفة إن الوقت بيخلص، بس كانت عاجزة، عندها كلام كتير أوي تقوله لبنتها، بس ما قدرتش تنطق بيه. عيطت لأنها كانت بتتمنى إن بنتها تفهم الكلام اللي في قلبها وتمسك بيه جامد. لو بس كان عندها فرصة تبقى أم لبنتها.
"أنا بحبك يا كيرا." دي كانت آخر الكلمات اللي سيليا حاولت تقولها قبل ما ما تقدرش تحارب قدرها.
حركات مارلين وقفت على طول لما أدركت إن صاحبتها الغالية ما بقتش تتنفس. دمعة وحيدة نزلت على خدها وهي موجة حزن ضربتها بشدة.
هي وسيليا كانوا أصحاب من وهما عيال صغيرة، وما قدرتش إلا إنها تحس بإنكسار القلب بسبب رحيل صاحبتها الغالية.
ما كانتش عارفة إذا كان لازم تنهار في البكا والحزن على صاحبتها ولا لأ، بس مرة كمان، كانت عارفة إنها لازم تبقى قوية عشان البيبي وكمان عشان كل أعضاء القطيع، وخصوصاً صاحبها فريدريك اللي مش قادرة حتى تتخيل ردة فعله.
تحركت ناحية صاحبتها، وانحنت، واستخدمت إيديها عشان تساعد في إغماض عينيها.
"ارتاحي في سلام يا سيليا." همست بقلب ثقيل.
*****
فريدريك، ألفا، تحول لشكل الذئب بمجرد ما عينيه قابلت محاربي قطيع سيلفرمون. قلبه انكسر بسبب عدد الناس اللي لازم يقتلهم في اللحظة دي بالذات. مهما كان قاسي، كره حقيقة إن إيديه بتتدمر في يوم زي ده. كان عاوز يخلص كل ده في أسرع وقت ويرجع لمرته وبنته الغالية.
بمجرد ما مخالبه لمست أي حد حواليه، اتكدموا بشدة وبدأوا ينزفوا بغزارة، وده خليهم يفقدوا السيطرة على نفسهم، ويرجعوا لشكلهم الإنساني بشكل لا إرادي. كان بلا رحمة معاهم، بيمزقهم بأسنانه، وبيستخدم مخالبه عشان يسيب خدوش عميقة فيهم.
حس بنوع مختلف من القوة بتندفع جواه وهو بيهاجم أعدائه، وسايب إصابات هتاخد منهم وقت أطول من المتوقع عشان يتعافوا، وده لو نجوا.
زمجر. كان سعيد أوي، والسعادة دي أدته قوة كافية إنه يمزقهم كلهم لأشلاء ويرجع لبنته.
لما بيكون فيه قمر كامل، بيتقال إن قوة المستذئب بتكون عشر أضعاف قوته الطبيعية، بس بالنسبة لفريدريك، ألفا، كأنه القمر الكامل مش هو بس اللي خلاه أقوى.
إخراج الغزاة من أرضه كان أسهل بكتير من اللي توقعه فريدريك. لمفاجأته الشديدة، ما حسش بأي تعب، وكان مستعد إنه يروح على الجبهة ويقاتل الأعداء.
زمجر وهو بيشكر إلهة القمر على بنته الغالية والقوة اللي ادتهاله من خلال بنته. ما كانش قادر يستنى لما كل ده يخلص عشان يقدر يضم بنته الغالية في حضنه. حس بنشوة وشوق.
كان عاوز يستخدم رابطة العقل عشان يسأل مرته عن بنته، بس غير رأيه لأنه فكر إنها هتكون تعبانة أوي عشان تتواصل معاه.
*****
ليلى اعتنت بجروح رفيقها برفق، وراقبته، وتأكدت إن محدش يقرب من المكان اللي مستخبيين فيه. كانت قتلت الذئب اللي أذى جوزها، ودلوقتي لازم تتأكد إنه ما يموتش بسبب إصاباته.
لوكا تنهد بألم وهي بتدهن دوا على جروحه العميقة، والدموع نزلت على خدها وهي بتشوفه بيعيط بألم.
ليلى قدرت تستحمل رؤية الجثث مبعثرة في كل مكان، ودم كتير من نوعها بينسكب في كل مكان، وبكاءهم اليائس اللي بيملي بالآهات، وهالة الموت اللي بتدور حواليها في كل ثانية بتمر، بس حاجة واحدة ما قدرتش تستحملها، وهي الأذى الواضح على وش الراجل اللي بتحبه.
كانت معروفة في قطيعها كمحاربة قاسية وعديمة الرحمة، بس لما لوكا بتاعها بيكون متورط، بقت شخص تاني خالص. كانت العكس التام لكل حاجة خلت الناس يعتقدوا إنها هي من الخارج، وهو بس اللي كان عارف ده.
لوكا حس بالذنب لأنها دايماً هي اللي بتحميه. حس إنه ضعيف، وتمنى إنه ما اتجرحش وخلاها تحارب معركته عشانه.
"أنا..." ليلى قاطعته.
"ما تقولش. ما تتعبيش نفسك وتقولي أي حاجة." قالت بصرامة، متأكدة إنه ما يتكلمش عشان إصاباته تشفى بأسرع وقت.
لوكا تنهد وهو بيقبض قبضته. حس إنه ضعيف، وفكر في إيه ممكن يعمله عشان يساعد نفسه يبقى أحسن في أسرع وقت عشان يقدر يحميها بدل ما هي تحميه.
ليلى وقفت على رجليها تاني، ومدت إيديها لقدام عشان لوكا يقدر يمسك فيها عشان يساعد نفسه يقوم عشان يقدروا يرجعوا للمقرات الرئيسية.
لوكا رفض مساعدتها، قام لوحده، وبدأ يمشي قدامها. ليلى عرفت عن عقدة النقص اللي عنده، وإزاي بتخليه بعيد عنها معظم الوقت. عبست عليه، بس هو ما قدرش يشوفها، وعلى الرغم من إنه حس بغضبها، ما تعبش نفسه إنه يلف وشه عشان يبص عليها.
*****
قطيع سيلفرمون انسحب مرة تانية لأراضيهم. خسروا كتير من محاربيهم، وعارفين إنهم لازم يوقفوا الحرب عشان يتجنبوا خسارة أي حد تاني من رجالتهم.
فريدريك، ألفا، رجع للمقر الرئيسي بفرحة في قلبه عشان يشوف مرته وبنته.
لما وصل للكوخ، في حاجة كانت غلط، وكان يقدر يحس بده على طول. حاول يتخلص من أفكاره السلبية لأنه ما كانش عاوز أي سلبية حوالين عيلته وخصوصاً بعد المعركة الرهيبة اللي للتو حصلت.
بص حوالين الكوخ، وهواء بارد من عدم الارتياح ضربه، والصمت القاتل للبيئة بيهدد إنه يلعب بعقله وعقله الرزين. توقع إنه يشوف أعضائه بيحتفلوا مش بس بانتصارهم على العدو، بس كمان بولادة طفله البكر بعد سنين من الانتظار بصبر، بس بدل من ده، كان بيقدر يشوف بس الوجوه الحزينة للممرضات اللي كانوا مسؤولين عن مساعدة مارلين في ولادة طفله.
في محاولة عشان يفهم إيه هو اللي ممكن يخلي كل الناس حواليه يبدوا حزينين وغير سعداء، حاول يستخدم رابطة العقل عشان يتواصل مع مرته، بس لمفاجأته، ما لقاش رد، وده كان لما ضربه أخيراً. ولا حاجة كانت كويسة في اللحظة دي.
انطلق بسرعة إلى الكوخ عشان يشوف مرته وبنته، ويتأكد إنهم كويسين، بس بمجرد ما اقتحم، اسقبلته شهقات هادئة لعدد قليل من أعضاء قطيعه اللي كأنهم شكلوا دايرة حوالين سرير مرته.
قلبه بدأ يحس بثقل أكبر وهو بيمشي بالراحة ناحية سرير مرته.
شاف بنته وهي نايمة بسلام في حضن مارلين، وحس براحة أكتر لما شاف إن ملاكه بخير، بس بعدين لما لف عشان يبص على مرته، عرف إن في حاجة غلط بشدة، وقلبه وقع.
مسك كف إيدها باهتزاز، وإيدها على طول حس إنها باردة قصاده، وبعتت إحساس مفاجئ بعدم النظام والفراغ لجسمه كله.
"إيه... لأ... لأ... لأ..." أوقف كلامه وهو بيبص لجسد مرته اللي ما بيتحركش.
الألم اللي حس بيه في اللحظة دي بالذات ما كانش حاجة فكر إنه هيحس بيها في حياته كلها. ما قدرش حتى يستوعب قد إيه حس بالفراغ والموت من جواه. كان عاوز يتكلم، يقولها حاجة، يصرخ، يعيط، ويتوسل، بس ما قدرش. كل حاجة فيه كأنها بتبدأ تتقفل بالراحة، وإحساس العجز قتله أكتر.
"سي... سيليا؟" نادى بصوت منخفض بس مالقاش رد.
مارلين شهقت وهي بتحاول تمنع دموعها وهي بتشوف فريدريك بيفقد نفسه بالراحة، "أنا آسفة أوي يا فريدريك. أنا فعلاً..." بتقول، بس هو قاطعها بحدة.
"إيه اللي حصلها!" زمجر، وعيونه على طول اتحولت لأحمر دموي من الغضب.
الدموع اللي مارلين حاربت عشان تسيطر عليها بدأت تنزل على وشها من غير سيطرة، ومهما حاولت تسيطر على نفسها، ما قدرتش تعمل ده تاني.
"هي... هي ماتت يا فريدريك، وما كانش فيه أي حاجة نقدر نعملها عشان ننقذها." بلغته باهتزاز، وعلى الرغم من إنه عرف بالفعل إيه اللي حصل، سماع ده من حد تاني خلاه يدرك إن حب حياته مشي، ودلوقتي ما عندوش حد.
بالغضب والألم في قلبه، فريدريك على طول تحول لشكل الذئب، وحمل رفيقته الميتة على ضهره، وانطلق بسرعة من الكوخ وخارج للغابة، حيث خطط إنه يحزن لبقية حياته.