الخاتمة
بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً
قَرَّة نَظَرَتْ إِلَى ابْنَتِهَا الَّتِي كَانَتْ غَارِقَةً فِي الْقِصَّةِ لِدَرَجَةٍ أَنَّ الْحَارِسَةَ الْيُسْرَى نُورَا، الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ بِجَانِبِهَا مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَانَتْ تَقُصُّهَا.
لَمَّا دَرَّبَتْهَا أُمُّهَا لِمُدَّةِ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، تَرَكَتْهَا مَعَ نُورَا وَزَوْجِهَا دَارِن وَمُدَرِّسِينَ آخَرِينَ تَمَّ تَوْظِيفُهُمْ لِيَتَأَكَّدُوا مِنْ أَنَّهَا مُدَرَّبَةٌ تَدْرِيبًا صَحِيحًا لِتُصْبِحَ مِيسَةَ قَصْرِ اللُّوتَسِ التَّالِيَةَ.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ فِي الْبِدَايَةِ أَنَّهَا سَتَجْلِسُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمَقْعَدِ الرَّفِيعِ، لَكِنْ بِفَضْلِ أُمِّهَا بِالْرِّضَاعَةِ أَصْبَحَتِ الْآنَ مِيسَةً. تَزَوَّجَتْ مِنَ الْكَاهِنِ الْأَعْلَى، وَهِيَ مَنْصِبٌ آخَرُ فَتَحَتْهُ أُمُّهَا لِكَيْ يَعْمَلَ الْقَصْرُ بِسُلُوكٍ حَسَنٍ.
أَحَبَّتْ زَوْجَهَا وَكَانَتْ سَعِيدَةً لِأَنَّ لَدَيْهَا شَخْصًا يُشَارِكُهَا آرَاءَهَا مِثْلَهَا. تَرَكَتْ أُمُّهَا الْجَبَلَ إِلَى مَكَانٍ مُنْعَزِلٍ مَعَ زَوْجِهَا الْأَمِيرِ الْكَبِيرِ. كَانَ حُبُّهُمَا قَدْ تُرْوِيَ مِرَارًا وَتَكْرَارًا بَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ.
الْجَمِيعُ أَرَادُوا أَنْ يَكُونَ حُبُّهُمُ الْمِثَالِيُّ مِثْلَ حُبِّهِمَا، وَهِيَ احْتَرَمَتْ ذَلِكَ. كُلُّ مَا أَمَّلَتْهُ هُوَ أَنْ يَصْمُدَ حُبُّهَا وَحُبُّ ابْنَتِهَا أَمَامَ الْعَاصِفَةِ كُلِّهَا وَأَنْ يَصْبَحَا قَوِيَّيْنِ مِثْلَ أُمِّهَا وَأَبِيهَا.
****
فَاليري انْزَلَقَتْ تَحْتَ الْبَطَّانِيَّةِ وَنَامَتْ بِجَانِبِ حَبِيبِهَا وَزَوْجِهَا. كَانَا قَدْ تَزَوَّجَا مُنْذُ عِقْدَيْنِ وَمَا زَالاَ يَبْدُوَانِ كَأَنَّهُمَا فِي الْعِشْرِينَاتِ.
كَانَتْ سَعِيدَةً بِعَيْشِ نَوْعِ الْحَيَاةِ الَّتِي تَمَنَّاهَا زَوْجُهَا لَهُمَا. كَانَا بَعِيدَيْنِ عَنْ أَيِّ شُؤُونٍ دُنْيَوِيَّةٍ قِتَالِيَّةٍ. عَاشَا حَيَاتَهُمَا بِحُرِّيَّةٍ دُونَ أَيِّ تَدَخُّلٍ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ.
بَنَيَا مَنْزِلَهُمَا فِي وَادٍ، وَهُوَ مَكَانٌ لَنْ يُكَلِّفَ أَحَدًا عَناءَ الْمَجِيءِ إِلَيْهِ. سُمِّيَ بِقِيَّةِ الْعَالَمِ وَادِي الْمَوْتِ. كَانَ مَكَانًا لَا يُمْكِنُ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ بَعْدَ سُقُوطِهِ، وَلَكِنْ بِسَبَبِ أَنَّهَا وُلِدَتْ خَاصَّةً وَأَنَّ زَوْجَهَا جَذَبَ خُصُوصِيَّتَهَا وَأَصْبَحَ مِثْلَهَا، يُمْكِنُهُمَا الْعَيْشُ بِحُرِّيَّةٍ هُنَاكَ دُونَ أَيِّ إِزْعَاجٍ مِنْ أَحَدٍ.
كَانَ لَدَيْهِمَا كُلُّ شَيْءٍ احْتَاجَاهُ، وَلَكِنْ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ لَدَيْهِمَا بَعْضُهُمَا الْبَعْضُ. فِي حَيَاتِهَا تَمَكَّنَتْ مِنْ إِسْعَادِ الْآخَرِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ إِنجَازًا هَائِلًا. رَبَّتْ ابْنَتَهَا قَرَّة تَرْبِيَةً جَيِّدَةً لِتُدِيرَ قَصْرَهَا بَيْنَمَا هِيَ تَسْتَمْتِعُ بِوَقْتِهَا مَعَ زَوْجِهَا.
لَدَيْهَا حَفِيدَةٌ أَيْضًا سَمَّتْهَا عَلَى اسْمِ أُمِّهَا وَانْدَا. تَزَوَّجَتْ نُورَا مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي أَحَبَّتْهُ وَبَقِيَا كِلَاهُمَا فِي الْجَبَلِ. حَدَثَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ السَّعِيدَةِ حَتَّى عِنْدَمَا كَانَتْ هُنَاكَ بَعْضُ الْأَشْيَاءِ الْحَزِينَةِ.
مَاتَ الْإِمْبَرَاطُورُ وَتَوَلَّى ابْنُهُ وَلِيُّ الْعَهْدِ مَقَالِيدَ الْحُكْمِ. أَصْبَحَتْ أُمُّ زَافِيييه الْقَرِينَةَ الْإِمْبَرَاطُورِيَّةَ الْكُبْرَى الْأَرَشِيفِيَّةَ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْأَكْثَرُ نُفُوذًا فِي الْأُمَّةِ كُلِّهَا.
لَمْ تَتَخَلَّ أَبَدًا عَنْ طُرُقِهَا، وَلَكِنْ عَلَى الْأَقَلِّ لَمْ تُزْعِجْهَا بَعْدَ لِقَائِهِمَا الْأَخِيرِ. جَذَبَ زَوْجُهَا لَعْنَتَهَا بِزَوَاجِهِ مِنْهَا. لِأَنَّهُ كَانَ مُرْتَبِطًا بِلَوْتَسِ الذَّهَبِيِّ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، أَصْبَحَ الْآنَ مِثْلَهَا.
حَصَلَتْ عَلَى سَعَادَتِهَا فِي النِّهَايَةِ. أُعْطِيَتْ رَجُلًا سَيَعِيشُ مَعَهَا لِمَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِهَا الْمَلْعُونَةِ. سَيَعِيشَانِ وَيَمُوتَانِ مَعًا.
نَظَرَ زَافِيييه إِلَى زَوْجَتِهِ الَّتِي بَدَتْ كَأَنَّهَا تُفَكِّرُ جِدًّا، عَلَى الْأَقَلِّ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ سَيِّئًا. انْحَنَى أَقْرَبَ وَقَبَّلَ شِفَاهَهَا بِرِقَّةٍ. أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا وَاسْتَمَرَّ. أَحَبَّ حَقًّا أَنْ يَكُونَ حَمِيمًا مَعَهَا.
حَتَّى بَعْدَ الزَّوَاجِ مُنْذُ عِقْدَيْنِ، كَانَ لَا يَزَالُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ مُرَاهِقٌ، وَكَانَ حُبُّهُ لِـ فَاليري يَظَلُّ يَقْوَى يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. لَفَّ ذِرَاعَهُ حَوْلَهَا وَعَمَّقَ الْقُبْلَةَ. رَدَّتْ لَهُ الْقُبْلَةَ وَابْتَسَمَ. كَانَتْ زَوْجَتُهُ تَعْرِفُ مَا يُرِيدُ وَكَذَلِكَ هُوَ.
مَا تُرِيدُهُ زَوْجَتُهُ الْآنَ، كَانَ يَعْرِفُهُ وَكَانَ سَيُعْطِيهَا إِيَّاهُ. مَتَى وَأَيْنَمَا احْتَاجَتْ إِلَيْهِ، سَيُعْطِيهَا إِيَّاهُ لِأَنَّهُ لَا يَدِينُ لَهَا بِحَيَاتِهِ فَقَطْ، بَلْ وَجَدَ سَعَادَةً عَمِيقَةً وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مَعَهَا.
مِثْلَ مَا وَعَدَ مُنْذُ عِقُودٍ، كَانَ سَوْفَ يَسْتَمِرُّ فِي حُبِّهَا وَحِمَايَتِهَا، وَلَكِنْ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ سَوْفَ يَتَأَكَّدُ مِنْ أَنَّ أُسْطُورَةَ لَوْتَسِ الذَّهَبِيِّ الَّتِي أَثَّرَتْ عَلَى حَيَاتِهَا وَحَيَاتِهِ تَسْتَمِرُّ.
كَانَ مُمْتَنًّا لِتِلْكَ اللَّعْنَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَكَانَ لَنْ يَلْتَقِيَ أَبَدًا بِامْرَأَةٍ رَائِعَةٍ وَجَمِيلَةٍ هَذِهِ يُسَمِّيهَا الْآنَ. كَانَتْ فَاليري هِيَ امْرَأَتُهُ وَقِدِّيسَتُهُ وَمِيسَتُهُ وَامْرَأَتُهُ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لَوْتَسُهُ الذَّهَبِيُّ.
كَأَنَّهَا كَانَتْ تَسْمَعُ كُلَّ أَفْكَارِهِ وَهُمْ يَتَعَاشَقُونَ، بَدَأَتْ تَتَوهَّجُ كَمَا تَفْعَلُ دَائِمًا كُلَّمَا كَانَتْ سَعِيدَةً جِدًّا. قَطَعَ الْقُبْلَةَ وَنَظَرَ عَمِيقًا فِي عَيْنَيْهَا وَهَمَسَ: “أُحِبُّكِ”.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَهَمَسَتْ: “أَنَا أُحِبُّكَ أَيْضًا”، قَبْلَ أَنْ تُغْلِقَ شِفَاهَهَا بِشِفَاهِهِ لِقُبْلَةٍ مُبْهِرَةٍ أُخْرَى.
النِّهَايَةُ.