56. الشك
بعد ما مشي إحسان، قعدت *مرسيدة* تفكر على الكنبة لوحدها. اللي قاله إحسان كان صح. *زهراء* ما كانش المفروض تقرب من راجل لسه متعرفتش عليه. خصوصًا إنه كان سواق موتوسيكل تاكسي بس. غير كده، أهل إحسان كانوا بيضغطوا عليه عشان يتجوزوا. بس، إحسان لسه ملوش شغل واضح. هل إحسان هيقدر يسعد بنته؟ هي كأم، أكيد عايزة الأفضل لبنتها.
"أمي، ليه بتحلمي في النهار؟" سألت *زهراء* بعد ما حطت كوباية شاي سخن *مرسيدة* المفضل على الترابيزة، وبعدين كانت ناوية ترجع المطبخ.
"*زهراء*، استني. أمي عندها كلام تقوله،" نادت عليها. *زهراء* وقفت على طول.
"نعم يا أمي؟" تساءلت *زهراء*.
"اقعدي."
"حاضر يا أمي." قعدت *زهراء* على الكرسي جنب *مرسيدة*، وبينهم ترابيزة صغيرة.
"*زهراء*، أمي عايزة تسألك، ليه كنتي ودودة أوي مع سواق الموتوسيكل التاكسي؟"
*زهراء* كشرت حواجبها. "تقصدي *ماس دايان*؟"
"أه، أيوة، يبقى اسمه *دايان* وبتعودي تناديه ماس؟"
"أيوة يا أمي. أنا بحترم الناس كلها. وبعدين، هو عنده مرات وعيال."
*أمي* شكلها اتنهدت، وده خلى *زهراء* تتساءل إيه اللي مضايقها.
"بصي يا *زهراء*. أمي طلبت منك إنك ما تقربيش أوي من سواق الأوجيك. مفيش حاجة، إنتي عندك عريس في المستقبل، إحسان. لازم تحافظي على شرفك كست. ما تقربيش منه أوي، وبس..."
"بس يا أمي..." قاطعت *زهراء* عشان تعبر عن اعتراضها على كلام أمها.
"*زهراء*، افتكري إنك ست محترمة، وغير كده، مش هو متجوز؟ يبقى أتمنى إنك تعتني بنفسك كويس وتراقبي سلوكك. مش عايزة حد يتكلم عنك وحش!" قالت *مرسيدة*.
"حاضر يا أمي." هزت *زهراء* راسها.
"أمي هتصلي العصر الأول، ده جه وقته،" قالت وهي بتجري على الأوضة بعد ما شربت وخلصت كوباية الشاي السخنة.
بعد ما مشيت *مرسيدة*، *زهراء* كانت بتفكر. هل كان صح إنها قريبة أوي من *دايان*؟ هل كان أسلوبها كله غلط؟ مش طبيعي كزبونة لمقدم خدمة؟ من غير *دايان*، *زهراء* ممكن يكون عندها مشكلة في إنها تتحرك بسرعة. هي من النوع اللي بيتحرك كتير. دايما بتتحرك بسرعة.
"هل كنت قريبة أوي من *ماس دايان*؟" *زهراء* عارفة إن أمها بتحبها وعايزة تحمي شرف بنتها. بس *زهراء* ما حسيتش كده، وكان عندها نية أكتر للراجل.
بس، فكرت في الموضوع بما إنهم اتقابلوا كذا مرة واتكلموا في حاجات كتير، بالذات عن عيلتها. الكلام خلى عندها راحة أكتر لما تركب مع *دايان* من لما تركب مع ناس تانية. بس، *زهراء* صدقت إنها مجرد تعاطف بين الزبون والبائع. كانت متأكدة تمامًا في اللحظة دي من مشاعرها. مفيش أكتر من كده.
"أنا؟ أتجنب وأكون عادية مع *ماس دايان*؟ إزاي أعمل كده؟ طيب، ممكن أجرب. أتمنى أمي ما تفهمش أسلوبي غلط تاني،" *زهراء* قررت في النهاية إنها تمشي على نصيحة *مرسيدة*.
في اليوم اللي بعده، لما *زهراء* كان لازم تروح تشتري حاجة، وبشكل ما، بالصدفة، *دايان* هو اللي استلم طلبها بتاع الموتوسيكل التاكسي أونلاين، *زهراء* ما اتكلمتش غير باللي لازم.
"صباح الخير، يا مدام *زهراء*. كويس إني شوفتك تاني، أنا جاهز أوصلك لمكانك،" حيّا *دايان* بطريقة ودودة حسب قواعد شركته.
"لو سمحت، خدني للـ ATM، عايزة أسحب فلوس،" ردت *زهراء* ببرود من غير ابتسامة، وده خلى *دايان* يكشر.
"حاضر يا مدام. أنا جاهز." سوا *دايان* *زهراء* لوجهتها ووقف في كذا مكان عشان تشتري حاجة.
في الطريق، *زهراء* اللي متعودة تدردش الأول أو ترد على أسئلته بطريقة ودودة، دلوقتي سكتت. *دايان* كان متردد إنه يبدأ الأول، ما كانش عايز الزبونة بتاعته تحس بعدم الراحة، حتى لو كان قلبه هو اللي مش مرتاح.
"إيه اللي حصل لمدام *زهراء*؟ هل عملت حاجة غلط معاها؟ هي باردة معايا النهاردة؟" تساءل *دايان*.
فضلوا ساكتين لفترة طويلة. بس، السكوت بتاع الرحلة خلى *دايان* في النهاية ما قدرش يقاوم إنه يفتح صوته.
"أحم. آسف، يا مدام *زهراء*. مش حاسة إنك كويسة النهاردة؟"
"لا." ردت *زهراء* باختصار.
"أه، الحمد لله لو كل حاجة كويسة. افتكرت إن عندي ثر، بقيت ساكت أوي، هههه،" ضحك *دايان* وأمل إن *زهراء* ترد بابتسامة أو ضحكة صغيرة. لحسن الحظ، هي هترد على كلامه. بس، بدل ما تكون منفتحة كالعادة، الموضوع بقى أكتر إحراج عشان *دايان* هو الوحيد اللي بيضحك وبيحكي قصص لوحده. *زهراء* حتى ما ردتش على كلامه لحد ما رجع البيت.
"شكرًا، يا مدام *زهراء*. أشوفك في الطلب اللي جاي."
"شكرًا. الباقي، مش لازم." سلمت *زهراء* الإيصال الأزرق. و، تاني من غير ابتسامة.
"عن إذنك يا مدام." ركب *دايان* أخيرًا موتوسيكله بعد ما استنى شوية، وهو أملان إن *زهراء* هتطلب منه يقف. حتى لو كان مجرد كلام عادي، لسبب ما حس فجأة إنه عنده أمل إن *زهراء* هتطلب منه يقف كالعادة.
"هاه، إيه اللي بفكر فيه. أنا متجوز وعندي عيال. علاقتي بيها بتقتصر على الزباين والمستخدمين. مفيش أكتر من كده. ما تتوقعش وتفكر أكتر حتى لو كان مجرد إننا نكون أصحاب، يا *دايان*! افتكر، *أثايا* هي أولويتك دلوقتي!" تمتم *دايان* وهو بيطرد أفكاره.
"*زهراء* بنت مجتهدة ومصممة. جرأت إنها تبدأ بيزنس وتسيب إنها تكون ست بتشتغل. حتى لو لسه بتبدأ، البيزنس بتاعها متقدم شوية. بنت جميلة وعظيمة زيها تستاهل الأفضل،" فكر *دايان* في الوقت ده. وبعدين، في الأيام اللي بعدها، برودة *زهراء* استمرت. وده خلى *دايان* يحس بإحراج شديد. حس بعدم راحة بجد.
كل ما *زهراء* تحط طلب و*دايان* يقبله، على الرغم من توقع إنه يقابل البنت الصغيرة، *دايان* لسه بيحس بإحراج لما يعمل كده. بس، لسه بيستلم طلبات من *زهراء* عشان هو زبون دائم، هو محتاجها ومنطقة *زهراء* مش بعيدة عن متناول إيده.
*زهراء* جريت جوه لما خلصت رحلة التاكسي من غير ما تبص وراها. جوه الأوضة استندت على إطار الباب وأطلقت تنهيدة طويلة.
"أنا آسفة، يا *ماس دايان*. ما كنتش عايزة أكون كده. الموضوع محرج بجد، بس ده لمصلحة الاتنين. مش عايزة أمي تفكر في أي حاجة غلط. ولا الناس. ده كفاية."
لسبب ما، *زهراء* حست بعدم رغبة شوية. هي بالفعل حست براحة وهي بتدردش مع *دايان* النضج اللي بيفكر. بالمقارنة بإحسان، اللي دايما بيدور على الاهتمام وبيدي اهتمام كتير زيادة عن اللزوم، فضلت إنها تتكلم مع *دايان*. بعدين، هما اتكلموا بس عن البيزنس والعيلة. مش عن أي حاجة تانية. بس، مش كل الناس بتفكر بنفس الطريقة. *زهراء* ما كانتش عايزة الأمور تتعقد.
افتكرت وعرفت *دايان* كالصديق الذكر الوحيد غير أبوها، *زهراء* حست إنها ممكن تتوافق كويس. *زهراء* دايما كانت بتخبط في أي صداقة مع رجالة. كان فيه حاجات كتير مش متوافقة بينهم. طبيعته وأفكاره كانت عكس إدراك معظم الستات. ومن هنا، *مرسيدة* أجبرتها إنها تتجوز وتقابل إحسان خوفًا من إن *زهراء* تبقى عانس طول حياتها. على الرغم من إنها مش بتنفعها وما حسيتش بأي حاجة ناحية إحسان، *زهراء* ما قدرتش ترفض طلب أمها.
"لو كنت لقيت راجل أحسن من إحسان، لو عنده حاجة قريبة من شخصية *ماس دايان*، ممكن ما كنتش هتجوز لفترة طويلة. بس، ده يبدو مستحيل. عمري ما توافقت مع رجالة بسهولة. خصوصًا راجل ما بيقدرش غير إنه يبص على الستات من بره ويحكم عليهم."