61. تهديد خطير
ما قدرش يغمض عينيه حتى لو الوقت اتأخر. فرح كانت سبقته في الأحلام. أول ليلة أثايا رجعت فيها البيت، كانت ديما ليلة خلاص بالنسبة للياليها اللي ما بتنامش فيها في المستشفى.
عشان كان بيتحرك كتير، دايان فكر إنه عنده مشكلة في النوم عشان معدته كانت جعانة. قام بالراحة و فتح باب أوضة النوم. كان قصده يعمل نودلز سريعة، بس عشان يملا معدته عشان يقدر ينام كويس بعد كده.
دايان نور نور المطبخ و اتفاجئ على طول لما شاف سيبتين قاعدة على كرسي السفرة. إيدها كانت ماسكة كوباية شاي سخن. تجاهلت دايان اللي كاد ينط لما شافها.
"ماما، لسه ما نمتيش؟" سلم دايان بعد ما هدي قلبه.
"متعودة أنام لوحدي، دلوقتي لازم أقعد في بيت ابني و مراته." سيبتين اتكلمت من غير تعبيرات، كأنها ندمانة على نفسها بس مالهاش حل. دايان حس إنه الوقت المناسب عشان يتكلموا من القلب مع حماته.
"أنا آسف، يا ماما. كل ده غلطي لأني مش كفء كزوج و أب. بعد ما كل حاجة ترجع طبيعية، حأرجعلك فلوسك."
سيبتين أخدت نفس عميق، وبعدين طلعت الزفير بقوة.
"لو مش غلطتك، يبقى غلط مين؟ أنا بس زعلانة أشوف ابني بيعاني."
"إن شاء الله، كل حاجة حتبقى كويسة، يا ماما. الإختبار ده جاي من ربنا، ربنا بردو يوفر طريقة رزق غير متوقعة. أنا بس بطلب دعواتك و إخلاصك." دايان قال بهدوء.
"أنا ربيتها بحب. أبو فرح مجرد مدرس بيطمح إنه يبعت ولاده للمدرسة عشان يبقوا ناس. عشان يبقوا أحسن مننا كأهل."
سيبتين بدأت تتذكر أيام أمومتها الأولى.
"ما كانش عندنا كتير، بس عشان فرح كانت طفلنا الوحيد، كنا عايزين نربيها بأعلى طريقة نقدر عليها." سيبتين قالت بهدوء.
"لما قابلتك، فرح اتحولت لغريب بالنسبالنا. نسيت كل حاجة، عالم المراهقة، نيتها في الكلية، كانت بس عايزة تبقى أم لإبنك."
دايان سكت. اتجوز فرح لما كانت صغيرة، عندها عشرين سنة بس. سنتين بعد ما خلصت ثانوي. الجوازة دي ما كانش فيها بركة سيبتين أو لوكمان، جوزها.
"بعد ما بقت مراتك، فرح كبرت بجد، أكتر حتى من اللي توقعناه كأهلها. فكرت إنها حيبقى عندها صعوبة في التكيف، كانت صغيرة جداً. حتى ما كانتش بتعرف تعتني بنفسها ساعتها، بس اختارت تبقى مرات. يا له من اختيار غبي." دايان بس كان بيسمع كلام سيبتين.
"بعد ما حملت بأثايا، فرح بجد أثبتت لينا إن اختيارها ما كانش غلط. أنا و أبوها اتخانقنا كتير عشان كان عايزها تعتني بأثايا في بيتنا، مش في بيتك اللي بالإيجار."
دايان بلع ريقه. لما اتجوز فرح لأول مرة، كان لازم يبدأ من الصفر. عايشين في بيت بالإيجار، بأقل الإمكانيات. فرح عمرها ما اشتكت. عاشوا حياة جواز حلوة أوي لحد ما شغل دايان بدأ يتحسن بالراحة.
"لما أثايا اتولدت، فكرت إن فرح وصلت للسعادة الكاملة. ما كانتش محتاجة مساعدتنا تاني. أبوها طاب و ما بقاش يسأل عن جوازتكم. أنا ممتنة إن جوزي في سلام هناك، لما العاصفة دي ضربتكم."
ياريت تدعيلي، يا ماما. عشان أقدر أوفر حياة كويسة لفرح و أثايا بسرعة." دايان حاول يرد على كلام سيبتين.
"مرض أثايا بيحتاج فلوس كتير، يا دايان. ما ينفعش تفضل مستريح كده." سيبتين كانت بتزهق.
"أنا بحاول ألاقي شغل، يا ماما." دايان أخيراً قال اللي كان بيخفيه عن فرح.
دايان ديما كان بيفتح مجموعة واتساب لإعلانات الوظائف في منطقته، وبعدين في السر كان بيقدم طلب و يبعته.
بس لحد دلوقتي، ولا واحد من الطلبات دي اتحقق، و طلبوه للمقابلة.
دايان مدرك إنه في سنه، حيبقى صعب عليه إنه يحصل على وظيفة زي زمان، بس لسه بيحاول عشان فرح و أثايا. إنه يبقى سواق موتوسيكل أونلاين كان آخر حل، لما أبواب الشركة بدت مقفولة في وشه.
"هتفضل سواق موتوسيكل لحد إمتى و مالكش دخل واضح؟" سيبتين سألت، و ده ضيق حلق دايان.
"مش عارف، يا ماما. بس أول ما الاقي شغل، بالتأكيد حأمشي."
دايان ما كانش عايز يوضح إن دخله دلوقتي ممكن يبقى أعلى بكتير من مرتبه الأساسي في المصنع. عشان كان في حاجة تانية أهم بالنسبة لحماته. إحساس بالأمان. سيبتين حتحس بالأمان المادي أكتر لو صهرها بيشتغل بمرتب ثابت في شركة أو مصنع.
"فرح عمرها ما اشتكت من حياتها معاك، من الأكل، اللبس، كل حاجة بتصرفها في الشهر. فرح بس عايزة أثايا تبقى بصحة كويسة. أنت عارف ده، يا دايان؟"
دايان هز راسه. مش بس فرح، كأب لأثايا، هو كمان عايز كده. أعظم مصدر لسعادته كان إنه يشوف أثايا بصحة كويسة و قادرة تروح المدرسة زي أصحابها.
"عشان كده أنا بعمل ده عشان فرح، بنتي. زي ما فرح طلبت مني أبيع البيت عشان أثايا."
"فاهمة، يا ماما. إن شاء الله، حأرجع كل حاجة، حأرجع الفلوس اللي استلفناها."
"بدخل سواقة الموتوسيكل بتاعك؟" سيبتين سخرت.
دايان حاول يسيطر على مشاعره. فهم إن الكلام ده بس عشان يحشره كصهر و جوز و أب مش كفء.
حتى لو سيبتين بتتكلم بنبرة واطية و هادية، لدايان كل كلام سيبتين كان بيحس بيه كأنه سكينة بتقطع في جلده طبقة طبقة. الألم كان لا يطاق.
دايان غمض عينيه و صلى بهدوء عشان صبر أكتر. كان يوم واحد بس من لما سيبتين عاشت في بيته، بس الليلة اللي فاتت فرح اتكلمت عن الإحتمال ده، و بالتأكيد، كأن سيبتين بتحاول تشيل قلبه.
"ما نعرفش عشان الرفيق، و الرزق و الموت أسرار ربنا، بس مش ربنا بردو وعد بضمان رزق كل المخلوقات في العالم ده؟ أنا مش ساكت، أنا بحاول، يا ماما."
دايان بص لتحت، كأنه بيكلم نفسه. ما تجرأش يتكلم كتير مع سيبتين، و كل اللي قاله دلوقتي كان طوفان لمشاعره.
"ما فيش أم في العالم ده بتوافق تشوف إبنها بيعاني. لو ماما تجرأت تضحي بفلوسها عشان تساعد في شفاء أثايا عشان فرح ما تبقاش زعلانة تاني، لازم تعمل نفس الشيء."
دايان سكت شوية بيحاول يستوعب كلام سيبتين.
"يعني... ماما؟" دايان عبس.
"لو ما قدرتش تسعد فرح، فيه رجالة كتير بره حيعملوا ده."
دايان وسع عينيه في عدم تصديق لما الكلام طلع من بق حماة. دلوقتي دايان حس إنه مش بس جلده انشق، قلبه اتنزع، بس قلبه بردو اتنزع، و تداس عليه و تبصق عليه سيبتين.