74. النهاية
صحت فرح وهي تسمع أثايا تتأوه من الألم. البنت اللي عمرها سبعة وعشرين سنة ركضت لبنتها ولمست جبهتها المبللة بالعرق.
"يا إلهي، أثايا، حمى مرة ثانية يا بنتي؟" أخذت فرح قطعة القماش والحوض اللي تستخدمهم عشان تكمد أثايا. بدأت تحط الكمادات على جبهة بنتها شوي شوي. بعد شوية، نامت أثايا مرة ثانية.
"بابا، جسم أثايا سخن مرة ثانية," قالت فرح لما شافت دايان يشيل السارونج تبعه بعد ما رجع من المسجد. دايان راح لأثايا على طول.
"صحيح، الحمى ارتفعت مرة ثانية. حتى لو الدكتور قال أمس إنها المرحلة الأخيرة من العلاج، والحين جالها حمى مرة ثانية، يعني لازم نوديها المستشفى على طول يا ماما."
انهارت فرح على أرضية غرفتهم. حست إنها ودها تصرخ. يا دوب شهر واحد بس مر عليها وهي تحس إن حياتها طبيعية مرة ثانية. يا دوب أمس راحت للمدرسة الابتدائية اللي أثايا ودها تروح لها. يا دوب أمس نظفت غرفة أثايا، وتخلصت من كل الأدوية اللي متراكمة ومنتهية الصلاحية لأن أثايا كانت مريضة. كل مرة تروح للمستشفى، أثايا دايماً تخلي دواها في البيت، ولما ترجع من المستشفى، تجيب دوا جديد. فالدوا القديم يتراكم على طاولة السرير.
"ماما، جهزي حالك، حنا نودي أثايا المستشفى أول ما تصحى."
فرح ظلت ساكتة، عيونها فاضية. مو لأن فرح ما سمعت كلام زوجها، بس كانت تعبانة بزيادة حتى إنها تقوم.
دايان فهم حالة مرته. مد يده برفق على جسم فرح، اللي بدت تتغير مؤخراً. عيونها الغائرة استبدلت بعيون لامعة، وخدودها النحيلة بدت تمتلئ، فرح فعلاً زاد وزنها مؤخراً لأنها تاكل بانتظام ونادراً ما تسهر.
"اصبري يا ماما. الله ما يختبرنا فوق طاقتنا. أمس لمدة شهر ماما وأثايا أخذوا وقتهم للراحة، ونقدر نكمل حياتنا بهدوء لأن أثايا تحسنت. يمكن الحين الله يقول لنا نصلّي بزيادة." دايان مسح على رأس زوجته وهي مستندة على صدره.
"تعبت يا بابا." قالت فرح بهدوء. يديها حضنت خصر دايان.
"سويتي شغل عظيم بمرافقة أثايا حتى الآن، شوية بعد وخلصنا، يا حبيبتي." ترك دايان الصمت يمر عبر أفكارهم.
لما يجي موضوع التعب، أكيد هو تعبان بعد. بس هذي الحياة، لازم نتحرك، لازم نتحرك لين ما الله يقول 'اروحوا للبيت' وأجسادنا ترجع للأرض وأرواحنا تكون في العالم الآخر.
"إذا أمي استسلمت، وش يصير لأثايا؟ وش يصير لبابا؟ إنتي قلب هالعيلة."
فرح للحين ما تحركت، حضنوا بعض فترة طويلة، يقووا بعض بالصمت، لين ما سمعوا تأوه أثايا.
"فرح، أثايا جسمها سخن مرة. إنتي طفلة مريضة ونايمة كويس!" صوت سيبتين رن في البيت. فرح تركت حضن دايان والاثنين نظروا لبعض لحظة. دايان هز راسه.
"نواجهها مع بعض، تقدري تكوني تعبانة وترتاحي شوية، بس ما تقدري تستسلمين، أوكي؟"
فرح هزت راسها.
"ماما تهتم بأثايا، أنا أجهز لها ملابسها، نروح للمستشفى على طول."
"أنا مجهزة الملابس في شنطتي، بابا. كل اللي عليك تسويه هو أن تجهز، أنا بأروح اشتري عصيدة قدام شوية، بعدين أطعم أثايا قبل ما نمشي."
"مو بس أثايا، كلنا لازم نفطر، نكون أقوياء، تشجعوا!" دايان قبض قبضة يده، خلى فرح تبتسم. هذي الابتسامة بدت جميلة مرة في عيون دايان.
بعد ما فطروا مثل ما اقترح دايان، أخذوا أثايا على طول للمستشفى. قبل ما يروحوا، دايان بلغ زهراء إنه ما يقدر ياخذها للسوق اليوم لأنه لازم يودي أثايا للمستشفى.
زهراء أخذت نفس عميق. تخيلت دايان ومرته وهم يتصارعون مع عدم اليقين بحالة بنتهم.
"يا الله، قوّهم، يا له من اختبار خارق حطيتهم فيه، عساهم يكونون من اللي ترفع درجاتهم. آمين."
زهراء بعدين طلبت تاكسي دراجة نارية أون لاين. أبا نورمان، اللي شاف زهراء وهي تنزل من تاكسي دراجة نارية غير معتاد من الشرفة، استغرب.
"مو تاكسي الدراجة المعتاد. زهراء تبدو حزينة، فيه مشكلة؟" تمتم.
"أبا، القهوة موجودة هنا," قالت مرسيدة، وهي تناظر للأسفل. "هذا اللي يعنيه أبا بسائق الدراجة النارية المعتاد لزهراء؟ هو كبير في السن."
"لا، ما جاء اليوم، هذا سائق دراجة نارية ما شافه أبا قبل."
مو بس هذا اليوم، بس اليوم اللي بعده زهراء أخذها تاكسي دراجة نارية مختلف. أبا نورمان نظر للأعلى من الشرفة. زهراء مشت بعيون حزينة على وجهها. لأيام، سائق الدراجة النارية اللي ياخذ زهراء دايماً يتغير. هذا خلى الرجل اللي في منتصف العمر قلق شوية.
"آسفة يا سيدة زهراء، للحين ما أقدر آخذك للسوق، حالة أثايا للحين تحتاج عناية," قال دايان في التليفون لما زهراء سألت عن أحوال أثايا.
زهراء بس أرسلت رسالة تسأل عن بنتها، بس دايان على طول دق. زهراء حست بالسوء لأنها تدخلت.
"أنا ما أزعج السيدة زهراء، بس كنت بأروح أدور غداء لمرتي. في الحقيقة، أنا أجر بس هو قريب من المستشفى، عشان كذا أقدر أجي بسرعة لما أحتاج، آسف، آنسة."
"ماشي دايان يعتذر. على أي حال، أثايا أولاً، أنا بس كنت أبغى أعرف كيفها."
"شكراً للسيدة زهراء لأنها مهتمة بحالة أثايا. صحيح، هذي هي الأحوال، آنسة. للحين نرجع ونروح للمستشفى للسيطرة، للحين لازم نصبر كثير ونستمر نبذل جهود."
"استمروا بالشغل الزين، ماشي دايان."
زهراء بسرعة قفلت التليفون، لأن فجأة قلبها كان يدق بسرعة. "ليش شجعته بدري؟ هل بالغت؟" تمتمت بهدوء.
كم يوم بدون ما تشوف وجه دايان وتسمع صوته حسّت وكأن شي ناقص في حياة زهراء. البنت حست إنها قريبة مرة من الرجل المتزوج. قريبة عاطفياً. فلما ما قدرت تتفاعل، حست بعدم ارتياح.
"أستغفر الله," قالت في توبة لما أدركت إن دايان عنده بالفعل زوجة.
في الوقت نفسه، دايان بدأ يحس إن فيه شيء ناقص. كان يشتري أرز رامي للحبيبة، لما شاف بالصدفة البائع يجهز صندوق رز، دايان بدا ينظر لزهراء.
"هذا الرز، يا ماشي."
"صحيح، آنسة." دايان تلعثم وهو يدرك إن المرأة مو زهراء، صغيرة بالسن جداً حتى إنها تنادَى 'آنسة'.
لما وصلوا المستشفى، دايان شاف عيون فرح حمراء، وجهها منتفخ، كانت تبكي.
"ماما، ليش؟" سأل دايان برفق.
فرح ما ردت، بس دموعها نزلت بدون ما تقدر توقفها.
"كوني قوية، ماما. عشان خاطر أثايا," همس دايان. مسح على كتف فرح، اللي كانت ترتجف وتحبس دموعها عشان ما يسمعونها. صدرها كان مشدود وهي تراقب أثايا وهي نايمة على سرير المستشفى.
فرح ما كانت بكّاءة، كانت قوية مثل الصخر. ما كانت تعرف ليش صارت حساسة مؤخراً، قلبها دايماً كان ودّه يبكي. استندت على صدر زوجها، وهي تتمنى تحط الثقل على أكتافها للحظة.