واحد وثلاثون
كلارا
لما نزلت تحت عشان الفطار، المكان كله كان مرتب، ورجع طبيعي. مشيت للمطبخ ولقيت الكل فيه مشغولين زي النحل. يعني، المطبخ دايماً مشغول. دايماً فيه حاجة بتتحضر، بس المرة دي شكلها مميز بجد.
"أهلاً يا عزيزتي،" آنسة كارينا ابتسمت ابتسامة حلوة على وشها لما شافتي في المطبخ. آنسة كارينا في البيت ده من زمان وأنا فاكرة، وكانت قريبة أوي من الأم لما كانت عايشة. هي زي مدبرة البيت، بس مش بتعمل كل الشغل. بتعمل شوية وتشرف على الباقي.
"صباح الخير يا كارينا،" ألتها، وهي بتمشي ناحيتي.
"صباح الخير يا عزيزتي،" ردت.
"انتوا شكلكم مشغولين أوي. فيه حاجة مميزة النهاردة؟" سألتها.
"آه، ده. بس شوية ضيوف من حفلة امبارح ناموا هنا. لازم نحضر لهم حاجة عشان أبوكي ناوي يفطر معاهم كلهم،" ردت.
يا خراشي! فطار مع الأب وضيوفه، وكمان عيلتي. ده شكلها مشكلة بالنسبالي. الأب ممكن يبدأ يسألني عن نصفي التاني قدام الكل، وبعدين لازم أدور على عذر ساعتها عشان أخرج من الموقف ده.
يا لهوي... لازم أتهرب من فطار العيلة ده. بدلاً من ده، طلبت طبق فطار ليا، وأكلته في المطبخ.
لما جه ميعاد الفطار، كنت خلاص شبعانة، وعندي عذر واضح لعدم حضور وجبة العيلة مع الضيوف.
بعد ما اتكلمت مع داميّان عن وضع علاقتنا الحالي، بدأت أحس بعدم راحة بجد. مش كأنني عايزة أوي أفطر مع كل الضيوف دول والأب، بس بحس بالذنب بسبب رؤية نصفي التاني ورا ظهر عيلتي.
في طريقي خارج البيت، قابلت الأب اللي شكله داخل. وقفت في مكاني مصدومة، وباصة له وأنا فاتحة عيني على الآخر كأني شايفة شبح. يا لهوي!
"كلارا، رايحة فين؟" سألني بعينيه اللي فيها حزن.
"ممم... لا. مش أوي. كنت بس هتمشى شوية،" رديت وأنا بتلعثم.
"مش هتفطري معانا؟ لسه عندنا شوية ضيوف جوه، منهم ناس ما لحقتش أعرفك عليهم امبارح،" قال.
"خلاص فطرت. في الحقيقة أكلت فطاري في المطبخ. كنت جعانة أوي، فما قدرتش أستنى الوجبة الرئيسية،" قلت له.
"تمام. يمكن ألاقي فرصة أعرفك عليهم مرة تانية،" قال، وبعدين بص حواليه.
فيه صمت محرج بينا، وبسمع قلبي بيدق بصوت عالي في وداني. يالهوي! حاسة بتوتر أوي دلوقتي. يمكن لازم أقول له لازم أمشي، إيه اللي مستعجل في المشي. مجرد إني أكون لوحدي مع الأب لدقايق كافية تخليني أعرق عرق بارد.
"إيه رأيك في حفل أخوكي امبارح؟" سألني.
"كان حلو. الكل اتبسط، وأنا كمان،" رديت وحطيت ابتسامة صغيرة ومرتعشة.
"حاسة إحساس حلو عن علاقة جايسون ورايلي. متأكد إن الأمور هتمشي كويّس بينهم. كل ألفا قوي محتاج لونا داعمة وثابتة جنبه. عندي ثقة فيهم،" قال، وهو بيفكر أوي، وأنا هزيت راسي بس.
"بس أنا قلقان شوية عليكي. ما عرفتنيش بنصفي التاني امبارح. كنت مستني أقابله، بس ما شوفتهوش،" قال، ورفع حاجبه ناحيتي. فكي نزل غصب عني لما سمعت كلامه، بس بعدين مسكت نفسي، وبلعت بصعوبة.
"محضرش الحفلة امبارح. ما قدرش ييجي. كان عنده أمور مستعجلة لازم يخلصها،" أعطيت عذري على طول، ومستغربتش إني ما اتلعثمتش بسبب التوتر ده كله.
"متأكدة من ده، ولا هو بس مش عايز ييجي خالص؟ مش عايز ابن مش عايز يرتبط بيا وبعيلتي،" قال كأنه بيدي تحذير. قشعريرة باردة نزلت في ضهري، وانتهت برعشة.
"متأكدة يا أبي. أنا اللي بعت له الدعوة بنفسي. هو بجد كان عايز ييجي ويحضر الحفلة، بس ما قدرش،" قلت له. مش متعودة أكذب على الأب. حتى الكدب طعمه مر على لساني.
"ممكن تقولي لي الحقيقة يا كلارا، لو بتتصنعي إنك لقيتي نصفي التاني. عارف إنك مش بتحبي إني أعزم ألفا شباب أقوياء عشان تلاقي نصفي التاني، بس لازم تعرفي إني بقلق على مصلحتك، وبعمل كده لمصلحتك. مش هتقدري تلاقي نصفي التاني لو استمريتي تختفي كده،" قال. مش مصدقة إنه فاكر إني بتصنع وجود نصفي التاني.
"نصفي التاني موجود يا أبي. مش بتصنع أي حاجة،" قلت له.
"طيب، هصدق لما أشوفه. مش عايزك تتخبي مع راجل معرفش عنه أي حاجة. قوليه يقابلني قريب، وإلا هرفضه من كونه جزء من عيلتي. لو عنده أي كرامة كرجل، لازم ييجي ويتكلم معايا عشان أوافق له إنه يكون معاكي،" قال لي بصوت حازم، وده خلاني أرتعش من جوه.
"أكيد. مم.. هقول له ييجي ويقابلك. أعرف إنه هيفرح بده،" قلت له، مع إني شاكة في كلامي.
"أتمنى كده. مش عايز أي مشاكل معاه. عايز أديكي له بسلام ورضا. ده كمان اللي كانت أمك عايزاه،" قال لي. الكلام عن أمي بيرجعني بالذاكرة. كانت ست مرحة وحلوة، عكس الأب. على الرغم من الاختلاف في سلوكهم، قدروا يكونوا مع بعض بسلام، وكانوا بيحبوا بعض.
"على أي حال، عندي ضيوف لازم أهتم بيهم،" قال. "لازم تتأكدي إني أقابل الراجل ده قريب، لو مش عايزني أعمل مجهود وأروح أصطاده."
الكلام ده المفروض يبدو زي نكتة، بس هو أكتر من تهديد بالنسبالي. طلعت تنهيدة ارتياح تقيلة لما دخل البيت. غمضت عيني وحاولت أعالج اللي حصل للتو. مش قادرة أكذب على الأب كتير. هيكون أكتر غضب لما يعرف إني كنت بكذب عليه.
قبل ما داميّان يمشي الصبح، قال لي إننا مش هنكدب على الأب للأبد. هيعرف الحقيقة في النهاية. مش عايزة أشوف داميّان ورا ظهره أكتر من كده. أعرف إنه هيكون أفضل له إنه يعرف الحقيقة عاجلاً مش آجلاً. بالطريقة دي الأمور هتكون أفضل لينا في المستقبل، لما يعرف إيه اللي بيحصل بجد.
أتمشى في الحي وأنا تايهة في الأفكار عن الأشياء اللي بتحصل في حياتي. يا دوب قابلت داميّان، بس قوة الرابط بيننا بتزيد كل يوم. عايزة أكون معاه. جسمي بيتوحش إنه يكون جنبه طول الوقت.
مش قادرة أعيش هنا وأحس بالطريقة اللي حسيت بيها قبل ما أقابل داميّان. بعد ما حط علامة عليه، وجعلني ملكه، عمري ما بقيت زي ما كنت. مش حاسة إني في بيتي هنا تاني. بيتي هو مكان داميّان. ده المكان اللي المفروض أكون فيه دلوقتي. ده المكان اللي عايزة أكون فيه.
'أريد أن أعطيك له بسلام ورضا.'
كلام الأب بيتردد في وداني مراراً وتكراراً. لما يعرف إن نصفي التاني هو داميّان، مش هيخليني أكون معاه. مش هيكون راضي يديني له، ومش هيكون فيه سلام.
داميّان قال إنه مش عايز يريق دم أكتر لناس بيهتم بيهم. مش عايزة أي حد يريق دمه بسببي. مش عايزة حرب. بس عايزة سلام. بس عايزة أكون مع داميّان، بس ليه الأمر صعب كده؟
ليه الأمور كده؟ ليه الأب كان مغرور لدرجة إنه قتل أهل داميّان وأفراد عيلته؟ ليه نصفي التاني لازم يكون أسوأ عدو للأب؟ ليه ما أقدرش أكون بس في المكان اللي عايزة أكون فيه مع اللي عايزة أكون معاه؟ ليه؟ ليه؟ ليه؟
ليه ما يقدروش ينسوا اللي حصل بينهم ويتجاوزوه عشان خاطر السلام العالمي؟ أعرف إني بطلب كتير، بس على الأقل آلهة القمر كان لازم تكون عادلة شوية في تخطيط قدري.
أدخل الغابة وأتنفس الهواء المنعش للأشجار والأوراق. عندي حاجات كتير في راسي، أعتقد إني هنفجر في أي لحظة من دلوقتي.
أخلع هدومي، وأتحول لذئبي مع عواء. محتاجة أشيل أفكاري السوداء دي كلها. يمكن الجري يفيد.
أجري في الغابة، كفوفي بتضرب في العشب والأوراق الناعمة على الأرض. بترك الهواء البارد يمر في فروتي، وده بيديني الراحة اللي عايزها.
أجري وأجري لحد ما أكون بعيدة عن البيت. الحدود بين منطقة قطيعي والمناطق التانية واضحة بما فيه الكفاية بالنسبالي، بس مش مهتمة بأي حاجة دلوقتي. بس بكمل جري في الغابة من غير ما أهتم رايحة فين، طول ما اللي بشوفه أشجار.
لما بسمع حركة وريحة غريبة، بيكون فات الأوان إني أوقف وأبص، لأن حاجة حادة بتخترق ضهري. كل حاجة حواليا بتتشوش، ورأسي بيبدأ يلف. قبل ما أقدر أفهم إيه اللي بيحصل لي، خطوات الأقدام بتقرب، وكل حاجة بتصير سوداء وصامتة.