الفصل الأول
وجهة نظر **أوكتيفيا**
الدموع كانت بتمشي على خدي، وأنا ببص في الفراغ، وإيدي متقاطعة على صدري. ليه حياتي على طول كدة بائسة؟ ليه مش ممكن أعيش زي أي ذئاب بشرية تانية؟ ليه مش ممكن يكون عندي حريتي؟ في الـ18 سنة اللي فاتوا، على طول محبوسة جوة أوضتي، عمري ما شوفت شكل الشمس ولا حسيت بيها، ماليش صحاب، ماليش عيلة تانية غير أهلي، الراحة الوحيدة اللي باخدها، هي اللي باخدها من السجادة بتاعتي، زهقت من نمط الحياة ده.
"يا **أوكتيفيا**... يا بنتي..."
"**أمي**! عايزة أخرج! عايزة أعمل صحاب، عايزة أعيش زي أي واحد تاني، عايزة أخرج من هنا **أمي**، انتي حبساني في الأوضة دي من ساعة ما اتولدت، أنتي و**أبي** عمركم ما سبتوني أخرج، ولا حتى على العتبة، ليه حبسيني كدة؟ إيه الغلط اللي عملته عشان استاهل كل المعاملة الوحشة دي؟ لو كنتي لعنة عليكوا انتوا الاتنين، لو كنتوا خجلانين مني، يبقي ليه خلفتوني؟ لو كنتوا هتحرموني من سعادتي، ليه ما قتلتونيش وانتي بتولديني **أمي**!" صرخت، والدموع بتنزل أكتر على خدي. عارفة إن اللي بعمله مش صح، المفروض ما أزعقش ليها، بس هتعملي نفس الكلام لو كنتي مكاني، صح؟
**أمي** انهارت في الدموع، بينما **أبي** بس بص بعيد، على وشه كلام كتير، كان مخبي عني حاجة، أنا عارفة، بس إيه اللي ممكن يكون بيخبي؟
"مش زي ما بتفكري يا **أوكتيفيا**، انتي أحسن حاجة حصلت لنا، انتي عيلتنا الوحيدة، وأغلى حاجة علينا يا حبيبتي، لسه صغيرة، بس ما تقلقيش، في يوم، هتعرفي إن كل اللي بنعمله، لمصلحتك، بس أرجوكي استحملينا، على الأقل دلوقتي." طلبت بدموع.
"أنا مش صغيرة **أمي**، أنا عندي 18 سنة، ولازم أعرف إيه اللي بيحصل في حياتي. ليه عايشة بشكل مختلف؟ إزاي متأكدة إن حد يعرف حتى إني موجودة." بكيت بمرارة. قلبي بيوجعني. حياتي مبهدلة، وبسأل نفسي، هفضل أعيش كدة لحد إمتى؟ هفضل ظل لأهلي، دايما محبوسة جوة؟ هفضل أغرق في أوجاعي لحد إمتى؟ كل ليلة، بخلي المخدة تاخد عبء قلبي، مش قادرة أبطل عياط، وأنا بفكر في حياتي البائسة، لو الدموع هي الحاجة الوحيدة اللي ممكن توصل للعالم الخارجي، الأوجاع اللي بعاني منها جوة، يبقي هعمل كدة كل دقيقة في حياتي.
"**أمي**، **أبي**، تعرفوا إحساس إني أكون محبوسة في الأوضة سنين، كأني وباء، لازم يتبعد عن الناس، عشان ما يتأثروش بمرض معدي؟ أنا متأكدة إنكم عمركم ما مريتوا بالأوجاع اللي بتسببوهالي دلوقتي.
بس قولولي، أرجوكم، هفضل أعيش كدة لحد إمتى، ها؟ هفضل أعيش تحت ظلكم لحد إمتى؟ هفضل أغرق في أوجاعي لحد إمتى؟ هفضل محبوسة هنا لحد إمتى؟ 20 سنة كمان؟ 40؟ ولا للأبد؟ ليه ما تتخلصوش مني خلاص!" صرخت، وخبطت إيدي على الحيطة، والدموع بتنزل على خدي.
"**أوكتيفيا**، مش هتفهمي..."
"بالظبط، أنا مش فاهمة أي حاجة. ممكن حد على الأقل يقولي إيه اللي بيحصل؟ ما تحبسينيش في الضلمة كدة." قاطعت **أبي** في كلامه، ودرت وشي عشان أبص ليه، بغضب شديد.
"**أوكتيفيا** أنا..."
"خلاص يا **أبي**. أنا بديكوا انتوا الاتنين، 5 أيام عشان تلاقوا حل للموضوع ده كله، ولو ما قدرتش، في الأيام القليلة دي، تأكدوا إني هخرج برة، وهواجه عواقب ده. عن إذنكم." مسحت دموعي، قبل ما أروح على أوضتي الصغيرة.
ودخلت أوضتي اللي شكلها فقير، وقعدت على السجادة، وحضنت رجلي لنفسي، والدموع بتنزل على خدي. أنا حتى مش عارفة إحنا فين، مش عارفة اسم المكان اللي إحنا فيه، كل اللي أعرفه إنهم بيقولوا إننا في عشيرة القمر الأسود، عمري ما شوفت شكل العشيرة بتاعتنا. الشخص الوحيد اللي أعرفه بعد أهلي، هي **الأم ليا**. مش عارفة هي مين، بس على طول بتتسلل هنا بالليل، عشان تدينا أكل. بتحبني، كأني بنتها، وعمري ما بزهق في أي وقت بتكون موجودة فيه. لما بيتحط الأكل، مش بخرج عشان أجيب أكلي، **أمي** على طول بتديني الأكل بتاعها عشان أكله، بسألها إيه اللي بيحصل، ده لوحده، بيخليني أفكر إن محدش يعرف إني موجودة.
حسيت بالذئبة بتاعتي، بتزحف لعيني، بغضب فيها، هي متألمة أكتر مني، بس إيه اللي ممكن نعمله؟ حتى هي، مش ممكن تساعدني أخرج من الوضع اللي أنا فيه، يمكن لازم أتقبل قدري في الوقت الحالي، أنا متأكدة إن الأمور هتتحسن مع الوقت.
لسه كنت بعيط، لما الباب بتاعي اتفتح. ما كنتش محتاجة حد يقولي إن دي يا **أمي** يا **أبي**، فبس فضلت في مكاني، ورأسي مدفون بين ركبي، وأنا لسه بعيط.
"إبعدي **أمي**، مش عايزة أشوف حد، ياريت كلكوا تسيبوني في حالي." قولت بدموع، ومرنتش راسي عشان أبص عليها.
"يا بنتي..."
سمعت صوت ست، موجوع، مختلف عن صوت **أمي**.
ورفعت راسي، وشوفت **الأم ليا**.
"**أمي**؟" ناديت بدموع، وقفزت، وجريت في حضنها، وحضنتها جامد، وبعيط على كتفها.
"**أمي** طلعييني من هنا أرجوكي... أنا بتخنق هنا، خديني معاكي." بكيت بمرارة على كتفها.
"شششش! ما تعيطيش أرجوكي." سكتت، وهي بتعمل شعرى، بتهدئة.
"يلا، تعالي أقعدي هنا." بعدت، وادتني ابتسامة واسعة، قبل ما تسحبني عشان أقعد معاها على الكرسي الوحيد اللي في أوضتي، وأنا على رجليها، وهي بتبص لي.
"**أمي**، زهقت من كل ده..."
"شششش! ما تقلقيش تاني يا حبيبتي **أوكتيفيا**، عندي حل لمشاكلك دلوقتي." قالت بابتسامة واسعة على وشها...