الفصل الخمسون
إيه بتعمل بيه ده؟
من وجهة نظر أوكتيفيا
شفتيها وهي بتقرب مني، ماسكة الخنجر في إيدها، ومع كل خطوة كانت بتعملها، حسيت بموتي، بيقرب مني، بس مهلاً! أنا مش خايفة، مريت بحاجات كتير هنا بالفعل، فالموت مش المفروض يخوفني، صح؟ ده اللي أنا عايزاه على أي حال، بس ياريت أقدر أشوف أهلي مرة كمان، قبل ما تاخد حياتي، ياريت تاخدني عشان أشوفهم، وأنا هسلم نفسي ليها بكل سرور بعدها.
أخيرًا وصلت عندي، وشوفت، وهي بترفع الخنجر في الهوا، مستعدة تطعني، بس بالراحة، صورتها بدأت تتلاشى، وعيني فتحت فجأة، وده كان الوقت اللي أدركت فيه إن كل ده كان مجرد حلم.
الأرضية الباردة رحبت بي، ورعشت. حاولت أحرك جسمي، بس كان كله متخدر، فرجعت استلقيت تاني.
دموع نزلت من عيني، وأنا ببص في الفراغ، بتساءل إمتى كل الهبل ده هيخلص، بتساءل إيه المدة اللي هفضل أعاني فيها كده، بتساءل لو هطلع من ده كله، بتساءل ليه لسه عايشة، حتى بعد كل العذاب، مش كتير من المستذئبين بيقدروا يستحملوا العذاب، فأزاي أنا لسه عايشة؟
صوت خطوات، بتقرب من برة السجن، صحاني من اللي كنت فيه، بس ما فكرتش أتحرك من مكاني، ولا رفعت راسي عشان أشوف مين ده. بعد كام دقيقة، سمعت صوت المعادن وهي بتخبط، ومحتاجتش حد يقولي إنهم بيحاولوا يفتحوا الباب.
الثواني بتعدي، وأنا بستنى إنهم يدخلوا، ويعملوا أي حاجة عايزين يعملوها فيا، بس رفعت راسي بسرعة، لما سمعت صوت ضربة قوية على الأرض، ورحب بيا أكتر شخص ما كنتش أتوقعه، الأم!
"الأم؟" همست، والدموع بتنزل على خدي، وجمعت كل قوتي، وتجاهلت الآلام اللي كانت بتمزق جسمي كله، وقعدت.
"أوكتيفيا يا حبيبتي." نادت، وهي مبتسمة، وسيل من الدموع كان بينزل على خدها. زحفت لعندي، وحضنتني في ذراعيها، وأنا حضنتها بقوة، متجاهلة الآلام المبرحة، اللي كانت بتحاول توقفني. الألم ما بقاش مهم، الأهم إن أمي هنا، حاضناني في ذراعيها الدافئة.
"أنا آسفة يا أمي." صرخت على كتفها بألم. أنا اللي جبت كل ده ليهم، المفروض أواجه ده لوحدي، ما كانش المفروض يدخلوا في الموضوع، أنا اللي تسببت في كل ده، والمفروض أتحمل المسئولية، صح؟
"شششش! ما تعيطيش يا حبيبتي، كل حاجة هتبقى كويسة." سكتتني، وهي بتمسد شعري، وإيدها التانية بتطبطب على ضهري. ده بالظبط اللي كنت عايزاه بقالي أسابيع دلوقتي، ده هو الحضن اللي كنت محتاجاه طول الفترة دي، ودلوقتي لما أخيرًا حصلت عليه، حسيت إن أملي عايش شوية.
لما بصيت حواليا، اكتشفتي إن فيه حد ناقص، الأب! هو فين؟ حاجات كتير جريت في بالي، والخوف مسكني. معقول يكونوا قتلوه؟ يا لهوي! ده مش ممكن يحصل.
"أبويا فين؟" سألت بصوت فيه خوف وفضول، وانسحبت منها، وبصيت للأم بسؤال، وبدعِ بهدوء إنها ما تقولش خبر صادم ليا. مستحيل يقتلوا أبويا، مش بسببي أرجوكم، هحس بالبؤس لباقي حياتي، لو ده حصل.
"هو كويس، أبوكي كويس، ما فيش حاجة تقلقي منها." هزت راسها بابتسامة ضعيفة.
على قد ما عايزة أصدقها، ما قدرتش أمنع نفسي، بس قلقانة. حقيقة إني ما شوفتوش، بتخليني قلقانة جدًا. ماذا لو كانت الأم بتكدب عليا؟ ماذا لو كان مش كويس زي ما قالت؟ ماذا لو حصل له حاجة وحشة؟ مش هقدر أستحمل.
"أنتِ متأكدة يا أمي؟ ليه هو مش معاكِ هنا؟" سألت، وأنا مش مقتنعة كفاية.
"هو مع العمال." قالت، ودارت وشها بعيد، ودمعة نزلت على عينها.
العالم كله وقف شوية، وأنا بفسر اللي قالته، الأب بيشتغل شغل صعب؟ دموع نزلت على خدي، وأنا ببص في الفراغ. إيه الآلام اللي لازم نمر بيها أكتر من كده؟ إيه الآلام اللي لازم نعانيها أكتر من كده؟ إيه اللي ممكن يكون أسوأ من ده؟ ألفا خالد وحش بجد، ما عندوش قلب. أزاي يقدر يخلي أبويا المسكين، يعاني بالشكل ده؟ لو هو عايز يعاقبني، ليه مش أنا لوحدي؟ ليه لازم يدخل أهلي في الموضوع؟ حان الوقت إن الهبل ده يخلص، حان الوقت إني أوقف كل ده.
"أمي، خليني آخدكِ من هنا... أنا اللي هتحمل العواقب لوحدي، أنا اللي همر بكل الآلام دي لوحدي." قلت، وأنا ماسكة إيدها، والدموع بتنزل على خدي.
"لا أوكتيفيا، مش هتعملي كده. ألفا خالد هيجي وراينا، وصدقيني، فرصتنا في البقاء على قيد الحياة هتكون ضئيلة جدًا في الوقت ده. في الموقف ده، الهروب، زي الانتحار بالظبط. ما تفكريش في ده، أنا مؤمنة إن الأمور هتتحسن، مع الوقت. لازم نصبر، ونستنى إيه اللي هيخبي لنا المستقبل." حطت كفيها على خدي، وأعطتني ابتسامة ضعيفة.
"ده اللي بتكلم فيه يا أمي... لمدة قد إيه؟ لمدة قد إيه لازم نستنى؟ لمدة قد إيه هنفضل نعاني بالشكل ده؟ بصي عليكي يا أمي، شكلك متسخ ومش مرتبة، شكلك ضعيفة وشاحبة، خسيتي كتير، وشكلك تعبان، لمدة قد إيه عايزة ده يفضل مستمر؟ حتى لو الموت هو القدر اللي محطوط لينا، العذاب اللي بنمر بيه دلوقتي، أسوأ من الموت." همست، وأنا بهز راسي، ودموع أكتر بتلاقي طريقها للخارج من عيني.
"هنلاقي طريقة نتغلب بيها على ده يا حبيبتي، ما تتوترشِ." همست، قبل ما تطلع حاجة من تحت هدومها الممزقة.
لما بصيت عليها عن قرب، اكتشفتي إنها كتاب، ومش أي كتاب، ده الكتاب اللي شوفته تحت المخدة بتاعتها. إيه بتعمل بيه ده؟