الفصل الرابع والستون
مكتئب
وجهة نظر المؤلف
الباب انفتح فجأة، و أم أوكتيفيا دخلت زي العاصفة، بس وقفت في مكانها، و إيدها لسه على مقبض الباب، و هي بتبص على بنتها، نايمة على السرير، شكلها شاحب خالص، و عينيها مقفولة. بقها اتفتح، و كأن الدنيا وقفت ثواني. مكنتش مصدقة إن الأخبار اللي سمعتها، طلعت صح، مكنتش مصدقة إن سبب حياتها الوحيد، سبب محاولاتها المستمرة للحياة، سبب تحملها لكل العذاب ده، راح. خوفها طلع في الآخر. مكنتش متوقعة كده، مكنتش متخيلة إنها هتخسر بنتها الوحيدة، أيوة هي عارفة إن كل ده كان قدر بنتها إنها تعاني في إيد شريكها، قبل ما الحقيقة تظهر في النهاية، عارفة إنها مكتوبة خلاص، و مقدرة من القدر، بس عمرها ما تخيلت إن بنتها، اللي هي عيلتها الوحيدة، ممكن تموت في عز العذاب ده.
في نفس الوقت، خالد رفع راسه بالراحة، عشان يشوف مين اللي تجرأ و دخل أوضته، و الغضب كان بيغلي جواه، بس كاد يتجمد في مكانه، لما شاف أم شريكته، واقفة على الباب زي الزومبي، شكلها ضعيف خالص. حس بألم حاد في قلبه، و اللي حصل بعد كده، هو دموعه هو. بدأ يعيط تاني، زي ما كان بيعمل أيام. أكتر حاجة بتوجعه، هي إنه هو اللي خلاها تعاني كتير كده، بيتذكر نظرتها اللي مليانة ألم، صراخها، دموعها و كل حاجة، حس إن قلبه بيتفتت حتت.
أم أوكتيفيا اتحركت أخيرا من مكانها، و جرت رجليها، لحد ما وصلت للسرير، و وقعت على ركبها، و مسكت إيد بنتها، و الدموع بتنزل على خدودها. حتى لو عارفة إن مفيش حاجة من ده غلطتها، لسه بتلوم نفسها، عشان مقدرتش تحمي بنتها. لما بترجع للماضي، ازاي بنتها عيطت كتير عشان الحرية، ازاي كانت بتضحك، ازاي كانت بتلعب معاها و كل حاجة، حست إن قلبها بينزف، كأن سيف حاد اتغرس في قلبها.
كانت دايما مستنية اليوم اللي هتشوف فيه بنتها، متجوزة من ألفا، كانت مستنية اليوم اللي كل العذاب ده هيخلص فيه، و الحقيقة هتظهر، مكنتش تعرف إن الموت هيكون هو النتيجة الوحيدة لكل ده. لسبب ما، كرهت نفسها، حست إنها أسوأ أم على الإطلاق، حست إنها فشلت إنها تحافظ على بنتها الوحيدة، مقدرتش تساعد الإحساس بالذنب اللي اجتاحها، مقدرتش تساعد إنها تستنتج، إنها قتلت بنتها.
"لااااا!" صرخت، و هي بتهز إيدها، بس بنتها شكلها اختفت من الدنيا، لازم تكون في العالم السفلي مع إلهة القمر. عيطت كتير، بس مكنش في فايدة، عشان هي راحت، و مش ممكن ترجع أبدا...
وجهة نظر ليا
مر شهر كامل، من موت أوكتيفيا، و لسه مدفنتش، خالد رفض يصدق إن شريكته راحت.
لما بشوفه بيعيط طول اليوم و الليل، و قاعد جنب جثتها، و هو بيبص إن معجزة تحصل، ده بيكسرني حتت. رفض ياكل، ولا بيتكلم مع أي حد، بس قاعد على الكرسي جنب السرير، اللي جثة أوكتيفيا قاعدة عليه شهور، و كل اللي بيعمله، إنه بيبص في وشها. أنا قلقانة إنه ممكن يمرض تاني.
العرش فضل فاضي كل الشهور دي، و العشيرة شكلها بتنهار، عشان مفيش حد بيحكمنا دلوقتي، و خالد مش بيبص لحاجة تانية، غير شريكته، اللي ماتت خلاص.
على الرغم من إن موت أوكتيفيا بيوجعني أوي، الميتة خلاص راحت، و العرش مهم بجد، مش كده؟
ده يوم تاني النهارده، أنا عارفة إنه مش هيكون فيه أي فرق، بس هحاول أعمل حاجة عشانه، مين يعرف، ممكن يغير رأيه النهارده، بس أنا عارفة إن الفرصة ضعيفة.
و أنا بتنهد، قمت من السرير، و خرجت من الأوضة. و أنا بطلع من أوضتي، مشيت بأناقة للمطبخ، و أنا بسلم على الخادمات و الحراس، اللي فضلوا ينحنوا على طول. بعد دقايق، وصلت أخيرا للمطبخ الملكي، و هناك قابلت الخادمات، بيعملوا فطار.
"صباح الخير يا سيدتي." الخمس خادمات اللي قابلتهم في المطبخ، انحنوا شوية.
"صباح النور." ابتسمت لهم، و مشيت للمكان اللي فيه المكونات، و اخترت منهم شوية. بعد دقايق من التفكير في إيه أعمله عشانه، استقريت على شوربة خضار و كريمة. أخدت وقتي عشان أعملها، و لما خلصت بعد دقايق، حطيتها في طبق، قبل ما أرتبها على صينية مع غلاية، فيها شاي دافي، كوب، اللي فيه شاي أعشاب، عشان يساعده على إنه ينعش نفسه، و أخيرا، برطمان كبير، اللي فيه ميه، كل ده في صينيتين مختلفتين.
"هاتوها معايا." أمرت، قبل ما أمشي، و هما بدأوا يمشوا ورايا، و بسرعة، وقفنا قدام بابه. أخدت نفس عميق، و خبطت على الباب، بس مخدتش رد. مش إني كنت متوقعة رد على أي حال.
أخدت نفس عميق تاني، و لويت مقبض الباب، و فتحته شوية، قبل ما أدخل، و بعد كده مسكت الباب مفتوح للخادمات، اللي دخلوا، و نزلوا الصواني على الترابيزة اللي في النص، قبل ما يمشوا فورا.
قفلت الباب، قبل ما أدور و أشوفه، قاعد في مكانه المعتاد، بيبص لتحت على أوكتيفيا، كالعادة، ولا حتى رفع راسه عشان يبص عليا ثانية. ده بجد بيكسر قلبي، و أنا بشوفه كده، أنا عارفة هو بيمر بإيه دلوقتي.
"يا بني أنا..."
"أنا مش جعان يا أمي." قطعني ببرود، و حتى ما رفعش راسه عشان يبص عليا.
بلعت الكتلة اللي في زورى، و أنا بعض على شفايفي. بيوجع، إني أخد المعاملة دي منه، بس أنا فاهمة هو بيمر بإيه دلوقتي. لسه لازم أقنعه إنه ياكل، صح؟
"يا بني لازم..."
"متخلينيش أكرر كلامي يا أمي!" زأر، و هو فجأة قفز، و دورلي، بغضب كتير، مكتوب على وشه، كأنه هياكلني في أي وقت قريب...