الفصل 43: قرار نسيانه
مرت تسعة شهور، وما فيش أي علامة لـ إلياس.
أنا دورت في كل الأماكن اللي ممكن أدور فيها. هو اختفى، اختفى تمامًا، حتى ما سابش أثر.
حتى فكرت في أسوأ احتمال، إنه مات.
كنت هأحس إني أحسن لو كان مات. على الأقل كنت هأقدر أحزن عليه، أتذكره، وأقول للبيبي إن باباه ما تخلاش عنه.
بس هو عمل إيه؟
هو بجد فاكر نفسه خالد ونزل الأرض عشان يجرب المحنة، وبعد كده يتقاعد من غير ما يسأل حتى؟
أنا بجد بكرهه.
أهلي جهزوا سفرة أكل مليانة أطباق. بصيت على الأكل الحلو ده، والدموع نزلت على وشي فجأة.
حضنت أمي، وعيطت بجد، لدرجة إني طلعت كل الغضب والحزن والعجز اللي حسيت بيه في التمان شهور اللي فاتوا. أنا ما بقتش سيدة الأعمال القوية، ولا قائدة قوية، أنا بس ست عاجزة.
"إيفيت قالت لي إن إلياس اختفى. إيه اللي قصدته بكده؟"
بابا سألني كده بعد ما عيطت بما فيه الكفاية، وبعد ما اتعشينا.
حكيت له بالظبط اللي حصل.
"يعني إلياس ساب البيت، وبعدين اختفى بعد ما اتخانق معاكي؟"
هزيت راسي.
"ما ينفعش كده. إزاي راجل يبقى عصبي كده؟ أنا وأمك كنا بنتخانق كتير زمان، بس كنا دايما بنتصالح، وأنا اللي كنت باعتذر كل مرة."
"إيه اللي تقصده بكده؟ إيه اللي تقصده إنك أنت اللي كنت بتعتذر كل مرة؟" أمي اشتكت.
"ما تقاطعنيش. اللي أقصدة، على حسب اللي أعرفه، الراجل ما ينفعش يبقى ضيق الأفق كده. إلياس ما ينفعش يكون زعلان كل ده. يا ترى هو في مشكلة؟"
"إيه اللي بتتكلم عنه؟" أمي وقفته بسرعة.
"جاكلين، عنده أهل وعيلة؟ تقدري تتواصلي معاهم؟"
هزيت راسي بالإحباط، "يا بابا، يا ماما، أنا فكرت في كل حاجة، بس هو بجد راح."
أهلي اتنهدوا مع بعض.
وبعدين أمي حطت دراعها حواليا، "ما تخافيش، إحنا هنا."
كنت فاكرة إني لا أقهر، بس دلوقتي أدركت إني ضعيفة بجد، وكنت بس باتظاهر إني قوية.
موعد ولادتي قرب، وأنا بطلت أروح المكتب عشان الموضوع بقى مش مريح ليا وأنا بطني كبيرة.
في اليوم ده، كنت باتفرج على التليفزيون في البيت، وإيان جه يزورني معاه شنط مليانة حاجات.
عشان أكون صريحة، الموضوع كان أكتر أو أقل بسببه، عشان كده إلياس اختفى، عشان كده كنت مطنشاه في الفترة دي.
بس بعد ما سيلافان اتقبض عليه عرفت إن الشخص اللي كان مترتب إنه يتجسس على سيلافان في المقر الرئيسي كان صاحي إيان.
إيان كان يعرف من زمان إني عايزة أتخلص من سيلافان، عشان كده كان بيتودد لسيلافان، وفي نفس الوقت بيخطط يعمل كده في الخفاء.
مافيش عجب إني اتخلصت من سيلافان بسهولة كده.
من كام شهر، شيريل جات لي وحكت لي الحقيقة عن اللي حصل زمان.
اتضح إن اللي إيان قاله كان صح. ما كانش قدامه اختيار غير إنه يبقى مع شيريل عشاني.
اتنهدت بس بعد ما سمعت ده. يمكن عمري ما هأعرف الحب الحقيقي في حياتي، عشان كده ما قدرتش أخلي حبي الأول أو زوجي المحبوب يفضلوا.
"إيه اللي جابك هنا؟" أشرت على الكنبة، "اقعد. أنا دلوقتِ مشلولة شوية، عشان كده ممكن تجيب لنفسك شوية مية."
بما إننا اتكلمنا في الأمور، علاقتنا ما بقتش متوترة زي الأول، بس كنا شوية زي أصحاب زمان.
"وأنتِ؟ إيه اللي عايزة تشربيه؟" رفع أكمامه عشان يعمل شاي.
"عاوزة كوباية ليمون."
"طيب."
"فين العم والخالة؟" إيان بص حواليه، وكان مبسوط جدًا إنه شاف المكان نضيف، "حلو إن البيت نضيف."
قبل ما أهلي يجوا عشان يعتنوا بيا، إيان كان بيلاقي أعذار كتير عشان يجي ويساعدني في التنضيف، والطبخ، وغسيل الأطباق.
حتى كان بيمشي معايا في النزهات.
أنا فاكرة مرة، كان بيمشي معايا وأنا كنت حامل في الشهر التامن، لما قابلنا اتنين بيلعبوا مع عيلهم.
الولد أشار على بطني وقال، "يا ماما، بصي، العمة عندها بيبي في بطنها."
كان هايطلع ويلمس بطني لما إيان وقفه، وقعد على الأرض، وقال له بصبر، "البيبي نايم جوه. ما نزعجهوش، طيب؟"
بعد كده، بشكل مش مفهوم، مشينا مع العيلة دي.
اعتقدوا إني جوزي وإنه سألوا إيان أسئلة كتير.
إيان كان يعرف كل حاجة من موعد الولادة لوقت الولادة أحسن مني. بعد ما سمعت ده، الست هزت دراع جوزها بكوعها، "بص عليه وبص على نفسك."
"يا عمي، إيه المشكلة فيا؟ لما كنتي بتولدي، كنت قلقان زي نملة على حلة سخنة."
"بجد؟ إزاي ما كنتش أعرف ده؟"
"كنتي مرهقة جداً، ما قدرتيش تشوفي."
الاثنين بيهزروا مع بعض، بس أنا كنت حزينة جداً إني أسمعهم أو أكمل المشي.
إيان حس إني مودّي واطي، ودع العيلة، وأخدني على البيت.
"ما تفهميش غلط، هما بس..."
"عادي." هزيت راسي، "أنت كمان كنت مشغول طول اليوم. ارجع وارتاح."
"هأمشي لما تنامي."
"أنا كبيرة وأقدر أعتني بنفسي." كنت في مودّ ضايق شوية.
إيان شاف إني في مودّ وحش، وما رضيش يجادلني أكتر، عشان كده هز راسه، ومشي مطيع. بس بعد ساعة، فجأة افتكرت إني ما اخدتش أدوية، وفتحت الباب، بس لقيته واقف ثابت على الباب.
في اللحظة دي، حسيت إن الموضوع معقد جداً.
ابتسم شوية بشكل غريب، "ليه طلعتي؟"
تقريباً ما قدرتش أسيطر على مشاعري، "ليه لسه ما مشيتش؟"
"ما فيش حاجة أعملها على أي حال. غير كده، أنتِ حامل. إيه لو حصل حاجة طارئة وما لقيتيش حد يساعدك؟"
"الجو حلو. ادخل."
إيان هز راسه، ودخل.
"خليك في بيتك. أنا رايحة أنام." كنت هأمشي لما سمعت صوت إيان، "جاكلين، أحب أعتني بيكي وبالبيبي لو موافقة."
تجمدت، وبعدين درت ورجعت، وقلت، "لا، شكراً."
تقدم خطوة، "ليه لأ؟ أنتِ لسه بتفكري في إلياس، اللي مختفي من زمان..."
"مش عايزة أجيب الموضوع ده. أنا تعبانة ورايحة أنام."
بعد اليوم ده، إيان ما جابش الموضوع ده تاني، وقضينا وقت مع بعض زي أصحاب زمان.
"أهلي راحوا السوق عشان يجيبوا حاجات، وهما مصرين إن البضاعة في السوق فريش."
"أنا شايف إنك شكلك أحسن بكتير من ساعة ما أهلك جم."
هزرت، "مش لازم تبقى دبلوماسي كده، بس قول إني زايدة في الوزن."
"لا، أنتِ شكلك جميلة زي ما أنتِ في عيني."
كحيت خفيف، "أهلي يمكن ما يرجعوش قريب. أنا رايحة أرتاح، عشان كده خليك في بيتك."
"طيب."
ما عرفتش نمت قد إيه. لما صحيت، لقيت إن الفستان بتاعي كله مبلول.
فجأة عرفت إن المية بتاعتي نزلت.