الفصل الثاني عشر
وصلت البيت بعد مشوار طويل بالعربية. قدرت أوقف كم واحد من البشر. كنت محظوظة مرة إنهم كانوا رايحين في نفس اتجاه قطيعي القديم. فتحت باب البيت، متوقعة أشّم ريحة أمي، بس ما فيش. هي غابت فترة طويلة لدرجة إن ريحتها خفت. المكان كله مقلوب فوق تحت. أوضة المعيشة شكلها كأن حد كان بيحاول يكسرها. في مخدات في كل مكان، وحتى التلفزيون مكسور. يا ترى اتخانقوا هنا؟ المطبخ زي أوضة المعيشة، بس نفسي حبست لما شفتي دم على طاولة المطبخ. شميت حاجة غريبة وأنا في طريقي للمطبخ، بس ما كنتش أعرف إيه هي، ودلوقتي لما عرفت، يا ريتني ما عرفت. يارب، أتمنى ما يكونش دم أمي. شميت الدم عشان أعرف إذا كان ريحة أمي، بس مش قادرة أحدد لأن الدم شكله متحلل أوي. ده كمان خلاني أفضي معدتي في حوض المطبخ. الدم ريحته وحشة أوي، وأظن إنه هنا بقاله أيام. الكمية كمان صغيرة، حتى لو مش قادرة أعرف دم مين ده. حسيت براحة بسيطة لما عرفت إن لو كان دم أمي، يبقى ما نزفتش كتير.
طلعت فوق عشان أتأكد من حالة الأوض، وعلى عكس الدور الأرضي، اللي شكله كان فيه ماتش مصارعة حرة، الأوض سليمة. مش قادرة أقاوم إني أفكر في الأهوال اللي ممكن أمي تكون بتواجهها في أي مكان هي فيه، أول ما أوصل أوضتها. أوضتها لسه فيها ريحتها، وأنا متأكدة إن ده بسبب لبسها. بحاول أكتم دموعي وأنا بفكر في الموضوع ده لأن لازم أكون قوية دلوقتي. مش ممكن أقعد أعيط على كل حاجة. لازم آخد شاور، وأزور ألفا بتاعنا، وأعرف أخبار البحث عن أمي.
بعد ما خلصت شاور ونضفت البيت شوية، طلعت برا البيت عشان أروح بيت القطيع. أول ما دخلت، كل العيون راحت عليّ. اتلخبطت شوية ليه الكل بيبص عليّ. مش كأني غريبة هنا. بنت في عمري تقريبًا، اللي بالكاد بكلمها لأننا مش بنحب بعض، مشيت ناحيتي وهي حاطة ابتسامة مزيفة بشعة على وشها.
"يا إلهي، آّنا، مش مصدقة إنك رجعتي." قالت، وشدتني في حضن، بس ما حضنتهاش. بتساءل ليه بتكلمني كأننا أصحاب.
"كيمبرلي، عندك فقدان ذاكرة؟ ليه بتكلميني وبتحضنيني؟" قلت، وأنا بفلت من حضنها.
"ذاكرتي كويسة، بس اشتقتلك ومش مصدقة إنك رجعتي." قالت بصوتها المزعج العالي اللي مش بحبه.
مش بحب كيمبرلي لأسباب كتير. هي عاهرة القطيع، بس دايما كانت بتناديني بالعاهرة لأني كنت بصاحب إنسان، وندمت على صاحبيته بعد اللي عمله فيا. بدعي لما أنزل المدينة ما أقابلش. كتير من المستذئبين بيكرهوا لما المستذئبات يصاحبوا بشر. كيمبرلي دايما كانت بتعبر عن كرهها ليا إني صاحبت إنسان، حتى لو صاحبة إنسان ده مش بيخليكي واحدة، بس قول ده لكيمبرلي.
السبب التاني اللي بخليني أكرهها هو إنها البنت اللي نامت مع مات. بعد ما كرهتني على صاحبيتي لإنسان، تخيلوا صدمتي لما كلوي قالت لي في التليفون إنهم بدأوا يصاحبوا بعض أول ما مشيت. شكله مات كان بيخوني معاها حتى قبل الليلة دي.
مسكتهم. حتى لو لقيت رفيقي وإحساسي لمات تقريبا راح. ده مش بيغير حقيقة إني اتخانت من حد عزيز عليّ.
"كيمبرلي، مش عارفة ليه بتتصرفي كأننا أصحاب، بس إحنا مش أصحاب." قلت ومشيت من جنبها.
مشيت لمكتب الألفا، وخبطت على بابه أول ما وصلت. الساعة ضهر، فالمفروض يكون في مكتبه. لفيت مقبض الباب لما قال لي ادخلي.
"آنا، آسفة، ملكة القمر، مش مصدق إنك هنا. الملك الألفا ما بلغنيش إنك جاية." الألفا القديم ستيفن قال قبل ما أدخل الأوضة كلها. واحدة من عيوب إنك مستذئبة إن الكل بيعرف إنك جاية قبل حتى ما يشوفوكي، لأننا بنشم ريحة بعض. مش قادرة أصدق إن الألفا اللي تربيت وأنا بحني راسي له، بيحني راسه ليا. أدركت إني فعلا رفيقة الملك الألفا حتى لو مش بياخدني كرفيقته.
"مش لازم تناديني كده، ألفا ستيفن، وشكله نسي." كذبت، لأن في اللحظة اللي ستيفن يعرف فيها إني مشيت من غير موافقة رفيقي، هيقول لـ ثيودور إني هنا، وأنا مش عايزة كده. حتى مستغربة إنه ما طلبش من ستيفن يتأكد إذا كنت هنا. هو بصراحة مش مهتم بي زي ما عمال يهذي.
"مش ممكن أناديكي باسمك أكتر، بس خلينا نعدي ده. عارف ليه رجعتي. متقلقيش، بنعمل كل اللي نقدر عليه عشان نلاقيها، ويارب نلاقيها قريب."
"أنا ممتنة أوي لكده، وبتعرف ليه أمي اتخطفت؟"
"مش عارف ليه."
"هل ممكن يكون عندها أعداء مش عارفينهم؟" سألت، وأنا مهتمة أعرف أسباب خطف أمي.
"مش عارف إن كان فيه، بس ممكن يكون عندها ناس بنجهلهم."
"ده ممكن." قلت وبحاول أفكر إذا كانت أمي عمرها ما ذكرت حد هي بتكرهه أو بيكرهها، بس طلعت فاضية. أمي عمرها ما كانت اجتماعية كتير. ما عندهاش أصحاب كتير، مش أعداء كمان.
"بندور عليها في الولاية كلها. أمك مهمة للقطيع ده، عشان كده مش هنتردد في إننا نعمل كل اللي نقدر عليه عشان نلاقيها."
"شكرا، وممكن أساعد في البحث؟"
"مش فاكر إنك محتاجة، بس لو مصرة، بعض أفضل متعقبين عندنا هيمشوا بكره للناحية الشمالية من المدينة. ممكن تيجي معاهم وتدوري عليها في المنطقة."
"شكرا جزيلا، ألفا ستيفن." قلت وأنا بابتسم لأول مرة من فترة. كنت قلقانة شوية إنه مش هيسمح لي، لأنه ممكن ما يحبش يعرض حياتي للخطر. في النهاية، أنا رفيقة الملك.
"العفو، ونشوفك بكره ملكة القمر." قال، وخرجت من مكتبه عشان أجهز لرحلتي بكره.
اليوم اللي بعده، صحيت بدري عشان أجهز لرحلة الناحية الشمالية من المدينة. كنت جهزت شنطتي الليلة اللي فاتت. الألفا ستيفن قال إننا هنقعد أسبوع، عشان كده حضرت لبس يكفيني. هنقعد مع قطيع تاني هناك. خلصت فطار، وبمشي لبيت القطيع عشان أنضم للمتعقبين التانيين اللي جايين.
مشيت للعربية، اللي شوفت فيها الألفا ستيفن واقف.
"صباح الخير ملكة القمر." الألفا ستيفن قال، وحنى راسه عشان يحييني، وكذلك الجميع اللي حوالينا. هما حوالي تلات مستذئبين ذكور وبنتين.
حسيت بشوية خجل من الطريقة اللي الكل بيحني راسه ليا و بيديني احترام كتير أوي. دي مش أول مرة أنادوا ملكة، بس مختلفة المرة دي. ناس أعرفهم وتربيت معاهم هما اللي بينادوني ملكة. يا ريتهم يبطلوا، بس عارفة أحسن من إني أقول لهم إنهم ما يعملوش كده. ده بس هيخلي الناس تعرف العلاقة بين الملك الألفا وبيني، وأنا مش عايزة ده.
"صباح الخير على الجميع." قلت، بحاول أخفي الحمرة اللي على وشي. يارب محدش شافها.
"إحنا جاهزين نمشي، بس مستنين آخر متعقبة بنت." واحد من الذكور قال، ولو فاكرة صح، اسمه مارك.
"تمام، ومين اللي مستنينها؟"
مارك على وشك يتكلم لما الصوت العالي المزعج اللي بكرهه اتسمع من ورايا. لازم تهزروا.
"صباح الخير على الجميع." قالت، وهي بتمشي في اتجاهنا. "آسفة، اتأخرت."
"تمام، كيمبرلي، ويارب عندك كل اللي تحتاجيه."
"آه، عندي، ألفا." قالت، ومسكت إيدي. شداتني ليها كأننا أعز أصحاب. "متخافيش، آّنا…"
"متناديش آّنا، ملكة القمر بالنسبة لك." قاطعتها قبل ما تكمل كلامها. مش بحب أنادي ملكة القمر، لأني مش متعودة على كده، ورفيقي مش بيخليني أحس إني أستحق اللقب، بس لو هيخلي كيمبرلي تسيبني في حالي، هستخدمه بكل سرور.
"أنا آسفة، في الحقيقة نسيت إن عندك رفيق، بالنظر إلى إنك رجعتي لقطيعنا. في الحقيقة افتكرت إنك مرفوضة." كيمبرلي قالت بابتسامة شريرة، وهي بتحاول تجرحني. هي عارفة كويس أوي إني رجعت لأني عايزة ألاقي أمي، بس هي عايزة بس تضايقني.
"رفيقي ما رفضنيش. رجعت عشان ألاقي أمي."
"أه، صحيح. أمك ضايعة." قالت، وهي بتمثل إنها نسيت. هي واقفة هنا عشان تروح ف رحلة عشان تلاقي أمي، وبتتصرف كأني لسه بذكرها.
"ليه جاية دي، من فضلك؟" سألت الألفا ستيفن. مش ممكن أتخيل إني أروح الرحلة دي مع كيمبرلي. أنا شخص لطيف، بس هي بس بتطلع أسوأ ما فيا.
"أنا عارف إنك وكيمبرلي عندكم خلافات، بس هي بتفهم إننا محتاجين نلاقي أمك، وهي واحدة من أفضل متعقبينا."
"ما عندناش حد تاني؟"
"ما عندناش دلوقتي." قال، وأطلقت تنهيدة. الكره اللي بيني وبين كيمبرلي مش سر للقطيع، عشان كده لما الألفا ستيفن يطلب منها تيجي، يبقى إحنا محتاجينها بجد.
"متخافيش، أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان ألاقي أمك." قالت، وهي بتبتسم، وأنا ما قلتش حاجة بس هزيت راسي. مش عارفة إزاي هعيش رحلة معاها.
وصلنا لقطيع الدم الهلالي بعد ما سُقنا ساعة تقريبًا. هما القطيع اللي هنقعد معاهم واحنا بندور على أمي. كلنا خرجنا من الميني فان، واستقبلنا الألفا بتاعهم، وهو صديق عزيز للألفا ستيفن.
"أهلا بكِ، ملكة القمر، من دواعي سروري إنك بيننا." قال، وحنى رأسه لما شافني. إزاي عرف شكللي؟ هل صور ليّ انتشرت مع أخبار الملك لما لقي رفيقته؟ بشك، بس بتساءل إزاي عرفني على طول.
"أهلا، ألفا مارك، دواعي سروري كلها، بس لازم أسأل. إزاي عرفت إني ملكة القمر؟"
"الألفا ستيفن قال لي إنك شقرا."
"أوه، منطقي بما إني البنت الشقرا الوحيدة هنا."
الحمد لله إن مش بسبب انتشار صورتي مع أخبار إني رفيقة الملك الألفا. ده بس هيكون فظيع. عارفة إني مش بشعة، بس مش بتباهى بأني أجمل بنت هنا. مش ممكن أتخيل إن كل عشيرة المستذئبين يعرفوا شكلي. مش هقدر أبطل أفكر إزاي الناس هتحكم عليّ.
"آه، منطقي، وخليني أقعدكم عشان نناقش إزاي هندور في المنطقة. اتفضلوا كلكم." الألفا مارك قال، وهو بيقودنا لقصر، وأنا متأكدة إن ده بيت القطيع.
ورانا على أوضنا للأسبوع قبل ما ياخدنا لمكتبه عشان نناقش إزاي ندور في المنطقة. مشينا بدري أوي عشان نبدأ ندور عليها أول ما وصلنا. قسمنا لمجموعات من اتنين، وادينا لهم أماكن في المدينة عشان يدوروا فيها. كيمبرلي، ومش مفاجئ مؤخرًا، كانت عايزة تتشابك معايا، بس تجاهلتها. تشابكت مع بنت تانية من قطيعنا مش هتصدع رأسي كل ما تفتح بقها. اسمها رايلي، وشكلها لطيفة.
رايلي وأنا دورنا في المدينة سوا. سألنا كل واحد شوفناه إذا شاف أمي باستخدام صورة ليها جبتها من اللاب توب بتاعي. بقالنا ساعات، ومحدش شافها. الدنيا بدأت تضلم، ورايلي جعانة، فعشان كده قلت لها تروح بيت القطيع في الوقت اللي أنا هندور فيه في الغابة إذا قدرت ألقط ريحتها. جبت كمان شوية من لبس أمي عشان يشموه وهما بيدوروا عليها.
لما الدنيا ضلمت خالص، حسيت بخيبة أمل كبيرة لأني ما قدرتش ألاقيها ولا ألاقي حد ممكن يكون شافها. مشيت لبيت القطيع لأني جعانة وتعبانة. سمعت شوية حركة وأنا بمشي في الغابة، بس تجاهلتها لأني مش بشم ريحة إنسان أو ذئب. شميت حاجة وحشة، بس ما اهتميتش بيها وكملت مشي.
كنت خلاص همشي برا الغابة، بس وقفت لما الريحة الوحشة بقت أقوى. درت عشان أعرف إيه، ويا ريتني كنت اهتميت بشغلي ومشيت برا الغابة. واقف على بُعد كام قدم مني هو المخلوق الوحيد على الأرض اللي ممكن يتحدى مستذئب – العدو المكروه لمستذئبين.
"أهلا يا أميرة، أتمنى طعمك يكون حلو زيها." قال، بابتسامة عريضة بتبين أنيابه اللي شكلها كانت بتمص الحياة من البنت المسكينة اللي لسه راميها زي القمامة.
تجمدت في مكاني وأنا ببص على الدم اللي حوالين بقه. سمعت حكايات عنهم بس عمري ما قابلت واحد. مش مصدقة إنهم موجودين فعلا. غمضت عيني، وهو جنبي بيشم رقبتي.
"سمعت إن دم المستذئبين تحفة. مش ممكن أصبر عشان أدوق دمك." قال، وعمق أنيابه في رقبتي.
صرخة حادة طلعت مني وهو بيمص الحياة مني. مش مصدقة إن دي الطريقة اللي هموت بيها.